0

يمتد عصر الهيمنة البشرية على الكوكب الأزرق الأرض إلى عشرات آلاف الأعوام، ولكن حملت الألفيات القليلة التي سبقت الميلاد التطورات الأهم، فقد مهدت للزراعة والصناعات البدائية، واستمرت عجلة التطوّر في سيرها المتسارع عاماً بعد عام، وأصبحنا نحن البشر قاب قوسين أو أدنى من إنشاء مستعمراتنا في الفضاء والكواكب المجاورة.

ورغم كل هذه الحداثة والتفوق في جميع المجالات التقنية، يبقى الإنسان هو محور الحياة التي نعرفها، وتبقى صحته تاج استمراره وشرط نجاحه ومفتاح تقدمه، وهنا سنجد الثغرة في عدم إمكانية الطب الحديث في علاج العديد من الأمراض ذات المصير المحتوم بالموت، وعلى رأسها الأخطاء الجينية المسببة للتشوهات وقصور الأعضاء المختلفة، كقصور الكليتين أو القلب أو الرئتين كما هو الحال لدى مرضى COPD. وتطول القائمة ولا تُكاد تحصى، وانطلاقاً من هذه الحاجة الملحّة لعلاج هذه الأعضاء النبيلة أو غير النبيلة في جسم الإنسان، أوجَد الأطباء حلّاً مقبولاً نوعاً ما، وهو استبدالها بأخرى سليمة.

اقرأ أيضًا:  تجارب جنونية على البشر لمجرمي حرب تحت مسمى أطباء!

الحاجة إلى أعضاء جديدة: في مواجهة معضلات أخلاقية

ظهرت فكرة زراعة الأعضاء للبشر المحتاجين لأعضاء جديدة وسليمة باكراً وذلك منذ القرن الثامن عشر، حيث حاول الأطباء استبدال بعض أعضاء البشر كالكلية والكبد من الحيوانات كالخنزير والقرد، واستمرت المحاولات الفاشلة حتى أواسط القرن العشرين حين نجح الأطباء بزراعة أول كلية بشرية في عام 1954 وتلاها نجاحات أخرى لأعضاء مختلفة بشرية.

وهذا ما قاد البشرية لمشاكل أخلاقيةٍ وإثنيةٍ وطبيّةٍ جديدةٍ عن آلية قطف الأعضاء، وعن مصدرها وطريقة تداولها ومن سيستفيد منها، وما زالت معظم هذه المشاكل على طاولة الحوار الساخن بين المشرّعين حول العالم. ففي الولايات المتحدة الأمريكية وفي عام 2011 كان هناك ما يقارب 90 ألف شخص على قائمة الانتظار لزراعة الأعضاء، في حين توافر 17 ألف متبرع فقط وكان أكثر من نصفهم من الأموات، مع وقت انتظار وسطي يقارب ثلاث سنوات ونصف لنجاح الزراعة وهذا حسب الجمعية المتحدة لمشاركة الأعضاء الأمريكية UNOS، وهذا يوضح لنا أهمية زراعة الأعضاء في إنقاذ العديد من الأرواح حول العالم.

شروط نقل الأعضاء:العملية ليست عشوائية أبدًا

زراعة الأعضاء

إن عملية نقل الأعضاء محفوفة بالمخاطر والتفاصيل العديدة التي يأخذها الأطباء والمشرعون بالحسبان ولا يغفلون منها شيئاً، مع القليل من الاختلافات حسب البلد وفيما إذا كان المتبرع حيّ أو متوفٍ، وجميع هذه العمليات تندرج تحت عنوان نقل الأعضاء القانوني، ومن هذه الشروط:

  • سلامة العضو المقطوف من المتبرع من الأمراض المزمنة والأورام.
  • أي متبرع تحت السن القانوني يحتاج إلى موافقة الوصي القانوني عليه.
  • خلو المتبرع من الأمراض السارية والمعدية والمنتقلة عبر الدم والنسج كعوز المناعة المكتسب HIV أو التهاب الكبد الفيروسي B.
  • تطابق الزمر الدموية.
  • لا يقبل مقايضة العضو المتبَرع بالمال أو أي مكتسبات مادية أخرى.
  • أن يتم تحت إشراف جمعيات أو مؤسسات مرخصة وذات اعتراف قانوني من السلطات المعنية في كل بلد.

مع العلم أنّ أغلب الأعضاء المتبرع بها تأتي من متوفين، وفي العرف الطبي يُعتبر الشخص متوفيّاً وقابلاً للتبرع بالأعضاء بعد تأكيد موت جذع الدماغ المسؤول عن الوظائف الأساسية للإنسان مع بقاء باقي الأعضاء الأخرى نشيطة وفعّالة، مع وصية قانونية للشخص المتبرع أو موافقة الوصي القانوني على العملية.

اقرأ أيضًا: إذا خُيرت بين قتل إنسان للمحافظة على حياة عدد كبير من البشر، ماذا ستفعل؟ 

تجارة الأعضاء

نتيجةً للقوانين الصارمة المفروضة على نقل الأعضاء في أغلب دول العالم وخاصةً دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وعدم وجود القوانين المنظمة لآلية نقل الأعضاء في بلدان العالم الأخرى سواء للفساد القانوني فيها أو المشاكل الإثنية والدينية؛ سعى العديد من المحتاجين للأعضاء للحصول عليها في مكان ما من العالم.

مهد ذلك لظهور ما يُعرف بتجارة الأعضاء، وهي مقايضة شخصٍ ما لأحد أعضائه السليمة لمن يحتاجها مقابل مبلغٍ من المال، يتم الاتفاق عليه وذلك عن طريق وساطة غير مضبوطة طبيّاً وغير مراقبة قانونياً، أو قد تكون مشرّعة في بعض البلدان كما في إيران أو الصين أو الهند وباكستان وتركيا ونيبال والبرازيل والفلبين وإسرائيل وبعض دول شرق أوربا، مما جعل من هذه البلدان مقصداً للسياحة الطبية وسياحة تجارة الأعضاء.

بيع الأعضاء وتكاليفها

تجارة الأعضاء

يندفع العديد من سكان العالم الثالث هرباً من ظل الفقر الأسود الذي يعيشون به، إلى بيع أعضائهم إلى سكان الدول الأكثر غنى بحثاً عن المال، في قناعةٍ منهم بأن ذلك سيؤمن لهم العيش الرغيد، وهنا تأتي صعوبة تقدير السعر الحقيقي للعضو المباع، فالإنسان لا يُقدّر بثمن وهو لا يشبه غيره من السلع التي لها سعر تكلفة وضرائب وعليها أن تحقق نسبة ربح، ولهذا لا يوجد بيانات دقيقة عن سعر الأعضاء.

لكن العوامل الأساسية التي تحدّد ثمن العضو تعود إلى أهمية العضو المتبرع به، والبلد الذي يأتي منه صاحب العضو المباع والبلد الذي يأتي منه المريض ونوعية عمله ودخله، وفي أمثلة نشرتها منظمة الصحة العالمية  نقلاً عن بعض المؤسسات المعنية بنقل الأعضاء في بعض البلدان المذكورة سابقاً، بحيث يعبر السعر عن التكلفة الإجمالية لنقل العضو:

الصين كلية 70000
الصين كبد 120000
الصين بنكرياس 110000
الصين كلية وبانكرياس 160000
باكستان كلية 14000
باكستان كلية 20500
الفلبين كلية 85000

ومن هنا نرى التفاوت في تكاليف عمليات بيع الأعضاء وزراعتها.

كم هو سعر كليتي؟

غالباً ما يقع الناس الراغبين في بيع أعضائهم ضحيةً للسماسرة والوسطاء الذين يعملون في السوق السوداء، خاصةً إن كانت العملية ستُرتب في بلدٍ قليل الرقابة أو محرّم لهذا النوع من العمليات، كما أنهم لا يتلقون المبالغ التي تستحق منحهم لجزءٍ من أنفسهم للآخرين، خاصةً أنّ الوسطاء في هذا المجال ينالون حصة الأسد من هذه التجارة الدموية، وفي وضع أسعار تقريبية لهذه التجارة التي لا تعرف إلا قوانين المفاوضة والاتفاق على مضض، يمكننا القول:

العضو سعر البيع التقريبي بالدولار الأمريكي
قرنية العين 30000
الرئتين 150000
القلب 130000
الكبد 98000
الكلية 62000

مع الأخذ بالعلم إن هذه الأسعار لا تمثّل الواقع دائماً، فقد نجد الكثير ممن اضطروا لبيع إحدى الكليتين بما يقارب بضعة آلاف من الدولارات الأمريكية فقط، أو كبدهم لقاء مبلغٍ لا يتجاوز عشرة آلاف دولار أمريكي فقط!

اقرأ أيضًا: بين الواقع وجنون الأطباء: هل ستتم زراعة رأس أحدهم في جسد ميت فعلياً؟!

تجارة الأعضاء والجرائم

تجارة الأعضاء

فتحت تجارة الأعضاء طريقاً في عالم الجريمة بهدف كسب المال فقط، حيث انتشرت الجرائم حول العالم وفي الدول النائية بهدف بيع الأعضاء، إذ يقوم المجرمون باختطاف وسلب شخص ذو صحّة سليمة ليقوموا بنهب أعضائه وبيعها بشكل غير مشروع، وتنتهي حياة الشخص ببساطة.

هذا الأمر يدفع الناس للخوف بشكل كبير من وقوعهم ضحية تحت أيادي المجرمين، لكن في الحقيقة هذا الأمر ليس بتلك البساطة خاصّة في الدول التي تضع قوانين صارمة واحترازات في وجه ذلك، والأمر ليس بتلك السهولة التي يتخيلّها الناس، وما ينشر على الإعلام المرئي والمكتوب يزيد حجماً عن الواقع في العالم.

0

شاركنا رأيك حول "كم يبلغ ثمن بقائك حيًّا في السوق السوداء: الإجابة في عالم تجارة الأعضاء المريب دومًا"