الفاصلة
0
طبعًا، قد لا يشكّل نسيان فاصلة في موضوع التعبير لابنك الذي يدرس الصف الرابع الابتدائي، أيّة مشكلة، أو حتى زيادة فاصلة في غير مكانها، سينبّهه إليها المعلم، وفي أقسى الأوضاع، قد يخصم لابنك جزء من العلامة النهائية، فهي مجرّد علامة ترقيم. ولكن في عالم الأموال، والعقود التي تملؤها ملايين الدولارات، والتي من الصعب التراجع عنها أو “التنبيه” عليها من أجل المرات القادمة، هذا يشكّل فارقًا طبعًا، بل أحيانًا فالجًا لصاحب العقد.

ما نتحدث عنه شبيه لهذا المثال: “لا أحبك / لا، أحبك” .. هناك فرق شاسع بين الجملتين أليس كذلك؟ ولكن هذا المثال البسيط لأهمية علامات الترقيم سينتج عنه سوء تفاهم، وعلى أقصى حد اعتذار وشرح الفرق وأنك لم تقصد ذلك، إنما في عقدِ شراكةٍ ما، أو عمل أو ما إلى ذلك، الفاصلة الواحدة قد تغيّر مجريات العقد كاملًا، وفي هذا المقال، سترى أمثلة كثيرة تجعلك تؤمن بأن علامات الترقيم ليست مجرد ثرثرة وإضافات مُشتِّتة ومزعجة. تابع معي.

اقرأ أيضًا:  كُنْ محترفًا.. تعرف على الأسباب التي تدفع المتلقي لقراءة رسالة بريدك الإلكتروني

فاصلة واحدة كلّفت شركة كندية 2.13 مليون دولار

الفاصلة

في عام 2002، وقعت شركتان كنديتان هما شركة روجرز للاتصالات (Rogers Communications)؛ أكبر مزود للتلفزيونات الكبلية في كندا، وشركة بيل إليانت (Bell Aliant)؛ شركة الهاتف الأطلسية، وقّعا عقدًا لربط خطوط الكابلات على طول أعمدة المرافق. كان أصحاب شركة روجرز مطمئنين بتوقيعهم اتفاق اعتبروه طويل الأمد بحسب العقد، ولكنهم فوجئوا عندما أعلنت شركة إليانت في أوائل عام 2005، عن إشعار يتضمن رفع أسعار الفائدة بشكل كبير، بل وما أثار دهشتهم هو مساندة هيئة الإذاعة والتلفزيون والاتصالات الكندية (CRTC) لمطالبهم، ما أوقعهم في حيرة وربما تشكيك بأمانة منظمي الهيئة.

جاء في نصّ العقد المؤلف من 14 ورقة، وتحديدًا في الورقة السابعة، ما يلي:

“هذه الاتفاقية سارية المفعول من تاريخ إبرامها وستبقى سارية لمدة خمس سنوات من تاريخ إبرامها، وبعد ذلك لمدة خمس سنوات متتالية، ما لم يتم إنهاؤها قبل عام في إشعار خطّي مُسبَق من أيٍّ من الطرفين”

الاتفاقية أعلاه، وبحسب الفواصل الموضوعة، تتيح إنهاء العقد في أي وقت دون سبب بناءً على إشعار كتابي مدته عام واحد. أعِد قراءتها وانتبه: سارية من تاريخ إبرامها، وبعد ذلك لمدة خمس سنوات، ما لم يتم إنهاؤها من أيٍّ من الطرفين… أي ذلك سمح لأيٍَ من الطرفين إنهاؤها متى أراد.

الشيطان فعلًا يكمن في التفاصيل، وبخاصة في الفاصلة الثانية – لوّناها بالأحمر – التي أتت بعد جملة “خمس سنوات متتالية”، فبدونها سيصبح العقد كالتالي:

“هذه الاتفاقية سارية المفعول من تاريخ إبرامها وستبقى سارية لمدة خمس سنوات من تاريخ إبرامها، وبعد ذلك لمدة خمس سنوات متتالية ما لم يتم إنهاؤها قبل عام في إشعار خطّي مُسبَق من أيٍّ من الطرفين”

بهذا الشكل وبعدم وجود الفاصلة الثانية، يجعل الاتفاقية سارية بالتأكيد لمدة خمس سنوات، ويحكم إنهاء العقد السنوات المتتالية فقط إن كان لازمًا وأراد أحد الطرفين. استنادًا إلى قواعد الترقيم، لاحظ القائمون على هيئة الإذاعة الكندية أن التصرف الذي تصرفته شركة إليانت طبيعي وقانوني، وكتبت الهيئة التنظيمية في حكم صدر في شهر يوليو/ تموز 2005: “كان معنى البند واضحًا ولا لبسَ فيه”.

وبهذا لم يضطر عاملو شركة إليانت إلى الانتظار 5 سنوات لرفع السعر، بل بفضل الفاصلة الإضافية التي وافق عليها محامو شركة روجرز دون أن ينتبهوا إلى أهميتها، رفعت الشركة السعر وبالقانون، وأجبرت شركة روجرز على دفع رسوم قانونية باهظة تجاوزت المليوني دولار.

فاصلة جعلت سائقي شاحنات في ولاية أمريكية يكسبون 10 مليون دولار

عام 2017، وتحديدًا في ولاية مين (Maine) الأمريكية، تعيّن على شركة أوكرست دايري (Oakhurst Dairy) العاملة في مجال صناعة الألبان دفع ما يقارب 10 ملايين دولار لسائقي شاحنات الحليب خاصتها، وذلك بسبب فاصلة مفقودة في قانون العمل الإضافي في ولاية مين.

شركة الألبان

تجادل مسؤولو معمل الألبان وثلاثُ سائقين للشاحنات العاملة في المعمل، حول الواجبات التي يقومون بها ولا يحصلون على أجر إضافي للعمل. في التشريع الذي يحكم مدفوعات العمل الإضافي، وردت هذه الجملة الغامضة التي تصف الاستثناءات من مدفوعات العمل الإضافي:

“تعليب، ومعالجة، وحفظ، وتجميد، وتجفيف، وتسويق، وتخزين، وتعبئة للشحن أو توزيع الـ:
المنتجات الزراعية
منتجات اللحوم والأسماك
سلعة قابلة للتلف”

لاحظ أنه لا يوجد فاصلة بين كلمتي “الشحن والتوزيع”. وهذا ما جادل من أجله السائقون، عدم وجود الفاصلة المتسلسلة يجعل “التعبئة للشحن، والتوزيع” كلمتان منفصلتان، وبما أن السائقين فعليًا يوزعون في الأصل السلع القابلة للتلف، فكلمة “تعبئة” معفاة من قانون الاستثناءات ويجب أن يحصلوا على أجر مقابلها😎

تُرك الأمر فترة طويلة مع اصطدام بين الطرفين قد يكلّف الشركة 10 ملايين دولار، إلى أن حكمت محكمة سابقة لصالح شركة الألبان، ولكن لم تلبث محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الأولى أن ألغت الحكم الصادر لصالح السائقين، حيث افتتح القاضي المسؤول وقتها القضية بقوله “لعدم وجود فاصلة، لدينا هذه القضية..”.

توصّل القاضي إلى حجّة نحوية، تفرّق بين مصادر وأسماء في البيان أو الاستثناءات. لتفهم أكثر، إليك مقتطف الاستثناءات بالإنجليزية:

The canning, processing, preserving, freezing, drying, marketing, storing, packing for shipment or distribution of
Agricultural produce
Meat and fish products
Perishable good

في الإنجليزية، يمكننا وصف الكلمات السابقة التي تنتهي بـ”ing” على أنها مصادر تندرج تحت مصطلح “gerunds” وتصف الأنشطة المُستثناة، بينما “shipment or distribution” هما أسماء “names”، وإذا كان هذان الاسمان يخدمان نفس الوظيفة، ولكنهما في النهاية ليسا مصطلحين من مصطلحات الأنشطة المعفاة (المصادر). وفعلًا، حكمت المحكمة لصالح 120 سائق شاحنة، وكلفت الشركة ملايين الدولارات.

الفاصلة التي شكّلت هذا الخلاف تُسمى الفاصلة التسلسلية، والبعض يسميها “فاصلة أوكسفورد (Oxford Comma)” أو “فاصلة هارفارد (Harvard Comma)”. اتُفق أن توضع هذه الفاصلة قبل نهاية العنصر التعددي الأخير في سلسلة من العناصر (أكثر من ثلاثة عناصر)، مثلًا:

“Stone fruits include apricots, plums, and nectarines”

في الجملة الإنجليزية السابقة: تشمل الفواكه ذات اللب الحجري المشمش، الخوخ، والنكتارين”، لاحظ، على الرغم من عدم أهمية الفاصلة في اللغة الإنجليزية لغويًا في هكذا جملة أو جُمل مشابهة، بسبب وجود حرف العطف “و (and)”، واعتبار البعض أنها ثقيلة، إلّا أن حوادث الفواصل التي سببت خسارة الملايين كما ذكرنا، أصبحت تشدد على وضع الفاصلة التسلسلية هذه لمداراة الوقوع في التباسات كهذه. لذا أصبحت توضع في التعدادات التسلسلية وقبل الانتهاء بآخر بند، أي قبل “and/or”.

“I do not love lemons, bananas, or apples”

فاصلة استوائية باهظة الثمن

عام 1872، حدث خطأ في قانون تعرفة حلّت فيه فاصلة في غير مكانها، أو بالأحرى، حلت فاصلة محل واصلة (-)، وتكبدت وقتها الولايات المتحدة مبلغًا ضخمًا من المال. تُعد الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة من أقدم أنواع الضرائب في الولايات المتحدة، وتعتمد عليها الحكومة في اقتصادها، وصدر القانون الأول فيها عام 1789.

مرت السنوات، وكتبت الحكومة عدة ضرائب أخرى، كان ذلك عام 1872 حيث أُصدر قانون التعرفة الثالث عشر، تضمن عناصر غذائية تُعفى من الضرائب عند دخولها مجال الولايات المتحدة، حيث جاء في القانون إعفاء “فاكهة، ونباتات استوائية وشبه استوائية لغرض التكاثر أو الزراعة”، وكُتب كالتالي:

“fruit, plants tropical and semi-tropical for the purpose of propagation or cultivation”

قانون الكونغرس عام 1789 ل 1897

ولكن في قانون سابق يعود إلى عام 1870، فُرضت الضريبة على أنواع معينة من الفاكهة، نسبة 20% على البرتقال والليمون والأناناس والعنب، و10% على الليم والموز وموز الجنة (نوع آخر من الموز) والبوملي والمانجو وجوز الهند.

من الناحية العملية، لم يلغِ قانون عام 1872 قانون 1870، ولكن ادعى بعض المستورين أن وجود فاصلة في العقد بعد كلمة فواكه “,fruit”، يتيح الدخول المجاني بدون ضرائب لجميع الفواكه والنباتات الاستوائية وشبه الاستوائية، وبالفعل نحويًا، ذلك ممكن.

في بداية الأمر، اعتُبرت الفاصلة خطأ عابر وأنها يجب أن تكون واصلة “-“، حيث كان القصد “نباتات الفواكه الاستوائية وشبه الاستوائية (fruit-plants tropical and semi-tropical)، وبذلك يصبح “نباتات الفاكهة” اسمًا مركبًا وتبقى الضريبة. ولكن لم يسكت المستوردون عن هذا الأمر، ورفعوا دعوى قضائية ضد المسؤول، ونتيجة لذلك، عام 1874، غيّر المسؤول رأيه وجعل الفاكهة كلها مجانية للاستيراد. بلغت قيمة المبالغ المستردة 2 مليون دولار، كانت تمثل ما يقارب 1.3% من إجمالي أرباح أمريكا من الرسوم الجمركية.

لم يرضَ الكونغرس بهذا التغيير، وبحث في الموضوع، وأصدر فيما بعد قرارًا يتعلق بالرسوم الجمركية على الفاكهة المستوردة، وشرح المشكلة وبأن الفاصلة فعلًا كان يجب أن تكون واصلة، واحتوت الإجراءات اللاحقة واصلة بالفعل، مع إلزام المسؤول عن الموضوع بالرجوع للسلطة الأعلى منه في هذه الأمور وعدم اتخاذ قرارات اعتباطية.

اجراءات الواصلة

عندما وقّعت شركة لوكهيد مارتن على عقد تضمن فاصلة في غير مكانها

وقعت شركة لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) الدفاعية الأمريكية صفقة تتضمن تصميم طائرة نقل عسكرية طراز Hercules لقوة جوية لم يُذكر اسمها ربما لخصوصيات أمنية، وبما أنها كانت تعلم أن تصنيع الطائرة سيستغرق سنوات، نصّ العقد الذي أبرمته أن سعر الطائرات سيرتفع بالتأكيد بسبب التضخم، ولكن الصيغة المُستخدمة في تحديد سعر الطائرة كان بها خطأ في منزلة عشرية واحدة، أي فاصلة واحدة، وعُرف فيما بعد أن هذه الفاصلة قد كلّفت الشركة 70 مليون دولار.

اقرأ أيضًا: من أغرب حوادث الطائرات : تعرف على الطائرة المقاتلة التي هبطت بدون طيار 🛫

عندما يكون نسيان الفواصل متستفزًا حتى لو كان مقصودًا: فواصل غير مرغوب بوجودها كلفت كاتبًا 300 ألف دولار!

هنا، لم تكن الفاصلة في عقد، إنما أُلغيت الفواصل عمدًا وهذا ما تسبب بحدوث كارثة. في رواية يوليسيس (Ulysses) للكاتب جيمس جويس (James Joyce’s)، تضمّنت النسخة التجريبية للرواية الكثير من الأخطاء “المتعمدة”، ومن تلك الأخطاء مقاطع خالية من علامات الترقيم، لسوء حظّه، فإن أولئك الذين يحررون تدويناته ربما، يصححون مثل تلك الأخطاء، وأحدهم، معتبرًا نفسه قام بإنجازٍ عظيم، أضاف مئات الفواصل إلى مقطع مؤلف من 40 صفحة كان من المفترض أن يكون خالٍ من الفواصل نهائيًا.

أعيد إنتاج تلك الفواصل في كل طبعة من طبعات الكتاب حتى الثمانينات، بعدها تم إصلاح ذلك، وإصدار نسخة مُزالة الفواصل التي تعمّد الكاتب عدم وضْعِها ووَضَعَها المحررون، ولكن كلّفت تلك العملية 300 ألف دولار! هذا علّمه هو وغيره من الكتّاب أنه يجب دائمًا البحث عن محرر جيد مهما كان أجره عاليًا💚!!

إذن عزيزي، هل ما زلتَ مقتنعًا بعدم أهمية الفاصلة وعلامات الترقيم؟؟ هذا ما عرفناه عن التباسات الفواصل التي حدثت مع بعض الشركات في بلاد الغرب، ولكن ليس هناك من مانع أن تُحدِث إحدى علامات الترقيم اللّبس في قرار لديك، أو عقد بيع أو شراء، لذا انتبه.

نصيحة، إذا كنت لا تعرف مواضع إضافات علامات الترقيم، اذهب وابحث واحفظ أماكن وضعها بدقة، وحاول إضافتها في جُملك وأتقنها، وكُن شاكرًا لأحمد زكي باشا، واضع علامات الترقيم في اللغة العربية.

اقرأ أيضًا: العملات الرقمية والنشاط الإجرامي… أبرز حوادث الاختراق التي حدثت في عام 2019

0

شاركنا رأيك حول "نسيان الفاصلة ليس عاديًّا: حوادث في دنيا المال والأعمال كلفت فيها علامات الترقيم ملايين الدولارات"