كيف نقرأ الفلسفة؟: ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر أبريل 2021
0

إذا تخيلنا أن الفلسفة شيء ملموس، فهي ستكون شيئًا منفرًا، ملمسها خشن، ورائحتها نتنة. هكذا تبدو الفلسفة أحيانًا لغير الخائضين فيها. يتخيل الناظر إلى هذا الشيء المدعو “الفلسفة” من بعيد على أنه عصي الفهم معقد، لا يفعل شيئًا جيدًا، إلا أنه يعقد الأمور ويظهرها بمظهر لا تبدو عليه في الحقيقة، فترانا نقول: “يا أخي بلا فلسفة!” دليلًا على الكلام الفارغ. ولكن هل هي كذلك فعلًا؟

تاريخ الفلسفة معقد بعض الشيء، وتطورها الذي أوصلها إلى الشكل الذي هي عليه الآن مغامرة ممتعة في حد ذاتها لأي راغب في اكتساب المعرفة. دعوني أبدأ مع معنى هذه الكلمة، مع هذا اللفظ: الفلسفة.

كلمة فلسفة كما بات معروفًا تأتي من كلمتين يونانيتين: Philo وتعني الحب، وSophia وتعني الحكمة. إذًا الفلسفة تعني محبة الحكمة، وعلينا أن نفتح أعيننا جيدًا أمام هذا المعنى، فالحب في هذا الموضع يُفهم بالسعي إلى الحكمة، إذ أن حبك لشيء لا يعني بالضرورة أنك تملكه، إلا أنه يعني أنك ولا شك راغب في امتلاكه.

تبحث الفلسفة بحثًا جديًا في فهم كلمات شائكة، كأنها تحاول خلق معجم في داخلنا يمكننا من التعامل مع مفرادت شائكة، فمثلًا لو طلبت منك تعريف كلمة مثل شجرة أو كتاب، فإنك ستتمكن من تعريف هذا الشيء تعريفيًا شبه دقيق وإذا لم تستطع، فإنك قد تتجه إلى معجم لغوي.

لكن، ماذا لو كان السؤال أكثر تعقيدًا؟ مثلًا، عرف كلمة السعادة أو الحرية أو الحب، عندها تصبح الأمور شائكة بعض الشيء، وهنا يأتي دور الفلسفة لتعيننا على محاولة فهم الكلمة بشكل أعمق.

تفعل الفلسفة ما تفعل من خلال تحليل هذه الكلمات أو المفاهيم، ويكون التحليل من خلال تجزئة المعقد إلى مكوناته الأكثر بساطة، لذلك تسأل الفلسفة أسئلة كثيرة، في محاولة لأن تجيب أو بالأحرى لتحلل، تسأل أسئلة كبيرة، كي تحفز خلايا الدماغ على التفكير بعمق أكبر.

أهم كتب تشرح: كيف نقرأ الفلسفة؟

كيف نقرأ الفلسفة؟ أنغوص فيها هكذا دون بداية معينة؟ أم علنا نتعلم السباحة أولًا ثم نغوص في عوالم الفلسفة؟ في هذا المقال، سأحاول أن أعينكم على تعلم السباحة في مياه الفلسفة، كي تغوصوا فيها لاحقًا. تشبثوا، فالرحلة قد بدأت.

قصة الفلسفة اليونانية

لا، لن تكون البداية كالمعتاد مع رواية عالم صوفي، الرواية الأشهر التي دائمًا ما تكون ترشيحًا للباحثين عن بداية في رحلة فهم الفلسفة، على الرغم من سهولة هذا العمل، إلا أنني آثرت على اختيار ترشيح مختلف ليكون بداية حقيقة لقراءة الفلسفة.

قصة الفلسفة اليونانية لزكي نجيب محمود وأحمد أمين كتاب عظيم ليكون بداية سلسة جدًا لفهم الفلسفة، فمشروع زكي نجيب محمود يعتمد على تفكيك العقد التي توقع القارئ في متاهة تبعده عن الفلسفة.

كيف نقرأ الفلسفة غلاف كتاب قصة الفلسفة اليونانية
كيف نقرأ الفلسفة؟ غلاف كتاب قصة الفلسفة اليونانية

يحاول زكي محمود أن يقرب الفلسفة إلى القارئ العادي، أن ينزل بها إلى الشارع ويجردها تمامًا من عنجهيتها التي تتسم بها، أو كما يحب لبعض الأكادمين أن يصبغوا الفلسفة بهذه الصبغة.

بدأت الفلسفة في اليونان، وكما ذكرت سابقًا، فإن أصل الكلمة مستمدًا من هناك، لذلك يبدأ زكي محمود وأحمد أمين باستعراض الفلسفة منذ البداية: كيف نشأت، وكيف تطورت، ويأتي على ذكر أهم الفلاسفة اليونانيين الذين كان لهم تأثيرًا في بدايات ونشأت الفلسفة.

يحكي الكتاب عن أهم الفلاسفة اليونانيين ما قبل سقراط وما بعده، إذ أن سقراط كان علامة فارقة جدًا في تاريخ الفلسفة، ثم ينتقل إلى مدارس أخرى أكثر حداثة ليتجول بين الرواقية والأبيقورية وصولًا إلى الأفلاطونية الحديثة، كل هذا ضمن الفلسفة اليونانية فقط.

اللغة سهلة في هذا الكتاب، لن تحتاج إلى قاموس لفك طلاسم ما تقرأ، بل كان الكاتبان حريصان جدًا على أن يكون ما يكتب مفهومًا، يخلص الفلسفة من صورتها البشعة، ويقربها أكثر إلى الشارع.

قصة الفلسفة الحديثة

كان الكرم كبيرًا عند زكي محمود وأحميد أمين في إتمام هذا المشروع العظيم المذكور سابقًا، فكان من تمام الكرم أن تابعا كتابة كتاب سلس آخر تناول الفلسفة بسلاسة. بعد أن عرفنا حق المعرفة عن بدايات الفلسفة وتشربنا مقدمة في الفلسفة اليونانية، ننتقل بعدها إلى الفلسفة الحديثة، إذ بدأت الفلسفة حية أكثر من قبل.

يبدأ كتاب قصة الفلسفة الحديثة بتمهيد لبيان ما وصلت إليه الفلسفة بعد الرحلة المقدمة في كتاب قصة الفلسفة اليونانية، فيستعرض فلسفة العصور الوسطى، واختلاطها اختلاطًا وثيقًا في الدين والكنيسة في ذاك الوقت.

كيف نقرأ الفلسفة؟ غلاف كتاب قصة الفلسفة الحديثة
كيف نقرأ الفلسفة؟ غلاف كتاب قصة الفلسفة الحديثة

يأتي الكتاب بعد ذلك على ذكر الفلسفة الحديثة، ليكون بمثابة عتبة مهمة للغاية في فهم الفلسفة الحديثة، وكيف استمدت نورها من الفلسفة اليونانية، ليتستعرض أهم المدراس الفلسفية التي اعتمدت على فلاسفة أصبحوا جذورًا راسخة في هذا المجال، فتبدأ الرحلة مع المذهب الواقعي في إنجلترا وتحديدًا مع فرنسيس بيكون.

الجميل في مشروع زكي نجيب محمود وأحمد أمين أن اللغة كانت أدبية نوعًا ما، ومن هنا جاءت الكلمة الأولى في العنوانين لتكون قصة، والقصة لا بد أن تكون متسلسلة بطريقة منطقية، تشد القارئ ليعرف النهاية، وتتسم بلغة لها حلاوة خاصة، وفعلًا كذلك كانت قصص الفلسفة المكتوبة هنا.

عزاءات الفلسفة

“يعمل كل من الفن والفلسفة على مساعدتنا، بحسب كلمات شوبنهاور، على تحويل الألم إلى المعرفة.”

كعادتها، تساعدنا الكتب على التغلب على ذلك الغول، ذاك الشيء الخشن نتن الرائحة الذي ذكرته في مقدمة المقال، فتأخذ بيدنا لنصعد سلم المعرفة قليلًا قليلًا، فنقرأ ونتعلم ونستزيد. لذا، أقدم لكم كتابًا آخرًا يتناول الفلسفة بطريقة سلسلة: عزاءات الفلسفة للكاتب آلان دي بوتون وترجمة يزن الحاج.

يبدأ دو بوتون بداية موفقة باختيار عنوان جاذب “عزاءات الفلسفة“، يدرك دو بوتون بأن البشر بحاجة دائمة للمساعدة، فيعزز ذلك في العنوان الثانوي “كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة”.

للأمانة، لم يكن دو بوتون أول من استخدم هذا العنوان، فقد سبقه في ذلك بوثيوس (Boethius) فيلسوف وسياسي روماني فكتب كتاب (عزاء الفلسفة)، إلا أنه استعرض فلسفته الخاصة، على النقيض من دو بوتون الذي استعرض فلسفة 6 من أشهر الأسماء التي ذاع سيطها في الوسط الفلسفي وكان لها أثرًا كبيرًا في التأثير على العديد من المهتمين بالفلسفة: سقراط وأبيقور وسينيكا ومونتين وشوبنهاور وأخيرًا نيتشه.

كيف نقرأ الفلسفة؟ غلاف كتاب عزاءات الفلسفة
كيف نقرأ الفلسفة؟ غلاف كتاب عزاءات الفلسفة

اختار دو بوتون عناوينًا تجذب القارئ لتكون مدخلًا إلى مدرسة فلسفية، فمن خلال العزاء بشأن مخالفة الآراء السائدة تعرفنا على سقراط، ومن خلال العزاء بشأن الافتقار إلى المال  تعرفنا على أبيقور، ويحدثنا دو بوتون عن الإحباط مستعرضًا أفكار الفيلسوف سينيكا، ثم ينتقل إلى العجز مع مونتين، وبعدها إلى الحب وانكسار القلب مع شوبنهاور، ويختتم الرحلة مع نيتشه والعزاء بشأن المصاعب.

لا تخف واقرأ الفلسفة!

كتب ستساعدك على فهم الفلسفة، كتب كتبت لإزالة هذا الخوف أو انعدام الرغبة في قراءة الفلسفة ومحاولة فهم هذا العالم من حولنا، لا تخف من الفلسفة أبدًا، فهي لا تحارب دينًا ولا عقيدة ولا فكرًا معينًا، بل تحارب الجهل، وتقلم العشب الضار الذي يسكن العقل، وتعمل على تعزيز قاموسك الفكري، فكيف تعاش الحياة إذا كان قاموس مفاهيمنا مبتورًا ومشوهًا؟ اقرأ الفلسفة فهذه كتب لن تخذلك أبدًا.

لك أيضًا:

ألف ليلة وليلة: شهرزاد أمهر حكاءة في تاريخ الأدب

0

شاركنا رأيك حول "كيف نقرأ الفلسفة؟ ترشيحات أراجيك للقراءة في شهر أبريل 2021"