0

لا يختلف أحد على روحانيات شهر رمضان الكريم والسعادة به لكن كل منا يرى رمضان بمنظور مختلف وينتظره لسبب يختلف عن البقية ومع مرور الوقت تتغير العلامات المميزة لرمضان؛ فقديمًا كانت الأغاني والفوازير والتواشيح وحاليًا المسلسلات وبرامج المقالب، لذلك دفعنا الفضول للتعرف على رمضان من منظور أشهر عمالقة الأدب العربي وماذا مثل لهم الشهر الفضيل؟

اقرأ أيضًا: 

وصف مصر في نھایة القرن العشرین: كيف نظر جلال أمین إلى مشاكل المجتمع المصري؟

1- نجيب محفوظ والحرية الرمضانية

الأديب الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ - رمضان من منظور عمالقة الأدب العربي وماذا مثل لهم

كان الأديب العالمي وهو من أشهر عمالقة الأدب العربي يرى رمضان رمزًا للحرية فينتظره كل عام ليحظى بفرصة الخروج من المنزل في الصغر والانطلاق في الشوارع، اعتاد نجيب محفوظ عدم الكتابة في رمضان وتخصيص الشهر كله وتحديدًا فترة الصيام لقراءة الشعر الصوفي لما له في وجهة نظره من عميق الأثر في نفسية الصائم؛ فنجيب يرى أن مزج الشعر الصوفي مع حالة الصائم في نهار رمضان ترتقي به إلى مراتب عليا في التجلي لا يحظى بها الكاتب كثيرًا.

ينتظر نجيب أيضًا شهر رمضان ليستمتع فيه بالإنصات للقرآن الكريم بصوت الشيخ علي محمود، كما يرى نجيب محفوظ أن معادلة رمضان لا تكتمل بدون جامع الحسين بمصر والجلوس على المقاهي؛ كل ما ذكرته ستستشعره في روايات نجيب محفوظ التي دارت أحداثها في رمضان مثل خان الخليلي والثلاثية (بين القصرينقصر الشوقالسكرية)، ورواية خان الخليلي خاصة تعد الوحيدة التي شذت عن قاعدة نجيب محفوظ بعدم الكتابة في رمضان لذا ستجد بداخلها كل تفصيلة من ملامح رمضان المتعلقة في ذهن نجيب محفوظ.

2- جمال الغيطاني ومتتاليته

الأديب جمال الغيطاني - رمضان من منظور عمالقة الأدب العربي وماذا مثل لهم

قدم الأديب جمال الغيطاني طرحًا مميزًا أطلق عليه اسم “متتاليات رمضانية” ذكر فيه أنه يرى شهر رمضان كرجل أبيض يملك لحية بيضاء ويرتدي جلبابًا أبيض، ويكشف عن سبب غريب يدفعه لانتظار شهر رمضان سنويًا وهو بائع المخلل “البولاقي” على عكس الغالبية من الناس ينتظر الجميع الشهر الكريم للحصول على الحلويات الشرقية انتظره جمال الغيطاني من أجل مخلل البولاقي واعتبره لغزًا وسعى طوال طفولته للكشف عن هويته وأين يختفي طوال العام؟

يكشف الغيطاني عن جزء غاب عن غالبنا لماذا تأتي الكنافة والقطايف طوال العام ومع ذلك لا نلاحظها إلا في شهر رمضان؟ يكمن السر في السحر الرمضاني فقط!

أما معادلة جمال الغيطاني تختلف عن معادلة نجيب محفوظ تمامًا فرمضان بالنسبة له اجتماع الأسرة حول الطعام وعم حسن المسحراتي، عم حسن الذي يعتبر بالنسبة للغيطاني رمضان على هيئة إنسان وكان لغز الغيطاني الثاني هو السعي للكشف عن أجر المسحراتي وخلفيته وأين تعلم؟

لكن الغيطاني لم يحظ بنفس الرمضان الممتع طوال حياته فقد خسر معظم ملامحه مع الانفتاح الاقتصادي وظهور التلفزيون وتغير شكل الفانوس، وصار رمضانه ضجيجًا ناتجًا عن مسلسلات وإعلانات التلفزيون والراديو.

أنصحك بشدة بقراءة هذا الطرح الأدبي فهو ملاحظة شديدة الدقة لكل تفصيلة من تفاصيل رمضان القديم والجديد ومع رسم الغيطاني لرمضان بالكلمات ستشعر بأنك سافرت بآلة زمن.

3- يوسف إدريس الوجبة الأمتع

الأديب يوسف إدريس - رمضان من منظور عمالقة الأدب العربي وماذا مثل لهم

أما يوسف إدريس فقد تحدث عن رمضان في قصته القصيرة رمضان داخل قصة “جمهورية فرحات” لكنه رأى رمضانًا مختلفًا للغاية لم يجد فيه الصورة الملائكية؛ وإنما عالجه من منظور طفل صغير يلح على أهله ليقنعهم بالسماح له بالصوم قبل سن الثامنة، واستمتاعه بمشهد المصلين داخل جامع الحسين ووقوفه في الصفوف الأخيرة سعيًا لتزييف صلاته وتصنع الحركة كالمصلين.

إلى جانب انزعاج هذا الطفل من صوت الباعة في نهار رمضان والخناقات التي يفتعلها بعض الصائمين في البيوت والخلافات التي تنشب بين الصائمين في الشوارع نتيجة حنقهم من قلة الطعام والشراب والحر وطول ساعات الصيام.

يتابع يوسف إدريس ألاعيب الطفل في الغش أثناء الصيام وسخطه على جميع المحيطين ويرصد يوسف إدريس حالة الإسراف في تناول الطعام والشراب والاستهلاك غير العقلاني لأي مادة غذائية طول شهر رمضان.

قد لا يمتعك رمضان يوسف إدريس لكنه جانب لا يمكنك إغفاله فرمضان الذي وصفه يوسف إدريس حقيقي إلى درجة كبيرة لكنه لم يذكر المساوئ فقط، بل جعل لذة رمضان في لذة وجبة السحور فكان السحور الرمضاني عند يوسف إدريس هو الوجبة الأمتع على الإطلاق وشبهها بالاستراحة وفترة النقاهة التي يركن لها من وصل إلى الحد الأقصى من المشقة.

اقرأ أيضًا:

لكل صائم: باقة مختارة من الكتب الدينية تصلح للقراءة في نهار رمضان ۩

4- طه حسين وذكرياته كطالب

عميد الأدب العربي طه حسين

لا يمكن ذكر أشهر عمالقة الأدب العربي دون ذكر عميد الأدب العربي طه حسين فقد تمحور رمضان حول ذكرياته كطالب في الأزهر وكيف كانت حياته فيه وكيف يتغير الشيوخ والطلاب وكان لرمضانه في قريته حظ ليس بكبير فلم يختلف عن الرمضانات السابقة من استمتاع بالسحور ولمة العائلة، أما رمضان الطالب الأزهري فكان مميز على الإطلاق حتى أنه حكى عنه في أكثر من ثلاثة كتب وهم “مرآة الإسلام” و”ألوان” و”الأيام” لكن أبرز ما رصده هو “المسامحات”.

هي لفظ قديم لكلمة ” الإجازة” فأهم ما ميز رمضان عند طه حسين كطالب أزهري هو حصوله على إجازة واستراحة من الدراسة وخفوت ازدحام الأزهر وسكون شيوخه على غير عادته، إلى جانب توافر بعض الأيام لزيارة أهله هو وزملائه.

لكن طه حسين كعميد الأدب العربي صنع رمضان مميز لنفسه ولقرائه فخصص شهر رمضان لتقديم موضوعات فلسفية عن الدين والحياة وشهر رمضان فإن اختار البعض عدم الكتابة في رمضان، اختار طه حسين أن يجعل الشهر الفضيل فرصة لزيادة إنتاجه الأدبي.

5- يحيي حقي وفيض الكريم

الأديب يحيي حقي

لم يمنح يحيى حقي ذكرياته الرمضانية جزءًا من كتاب بل خصص لها كتابًا كاملًا أطلق عليه “من فيض الكريم”، أكد فيه حقي على مدى تعاظم شعور الإثارة بداخله عند انتشار سؤال “بكرة صيام ولا لا؟”.

فكانت قمة الروحانيات الرمضانية لدى يحيي حقي لحظة استطلاع الهلال، فيشعر يحيي أن رمضان ما هو إلا موكب الرؤية الذي يشهده مع الصبية قبيل رمضان، فمعادلته الرمضانية تكونت من القاهرة يوم رؤية الهلال والمدفع المؤذن ببدء الشهر الكريم.

6- أحمد بهجت ومذكراته

الأديب والكاتب الصحفي أحمد بهجت

يسرد أحمد بهجت منظوره عن الصيام في كتاب مذكرات صائم بعيون موظف حكومي متزوج من سيدة ريفية بسيطة ويعيش معها في القاهرة، رمضان أحمد بهجت رمضان شديد الواقعية ولعلك تشعر أنك تشاركه نفس التفاصيل، فيتناول فيه حالة الخمول والتقاعس عن العمل المصاحبة للصيام وظاهرة إفطار بعض الشباب وتساهلهم مع الشهر الكريم ويفتح الباب أمام حجة تأجيل أي مهمة “رمضان كريم” فكل من أراد التسويف يكفيه قول رمضان كريم.

يتناول رمضان بمنظور الرجال أصحاب العيون الزائغة ومعركتهم في صرف أبصارهم عن النساء الجميلات في نهار رمضان، وينبهك لأنك تمتلك رمضانين رمضانك الشبابي الصاخب بعض الشيء ورمضان جدتك أو والدتك لعلك لم تنتبه لهذه الميزة التي تساعدك على زيادة فرص الاستمتاع برمضان.

الكتاب مع أسلوب أحمد بهجت الساخر ممتع للغاية ولتجربة أكثر تفردًا يمكنك الاستماع للكتاب على يوتيوب بأصوات متعددة فكل فصل يقرأه شخص مختلف مع مزيج من الأغاني الرمضانية الحديثة والفلكلورية وفي هذه الحالة سيمكنك أن تستعير رمضان أحمد بهجت ليصبح رمضانك مع إضافة لمستك الخاصة.

وهكذا، كما كان أشهر عمالقة الأدب العربي استثنائيين في أدبهم كانوا كذلك في صلتهم بشهر رمضان المعظم.

0

شاركنا رأيك حول "ذكريات رمضانية بأقلام الأدباء: كيف كان رمضان نجيب محفوظ وطه حسين وآخرين؟"