بداية الكون
0

كان يا مكان في قديم الزمان، في أقدم زمان ومكان تتخيله، في الحقيقة ولنكن دقيقين أكثر، في حقبة ما وقبل أن يكون للزمان والمكان أيُّ حيّز، من هنا سنبدأ قصتنا المثيرة والتي تتحدث عما قبل بداية الكون الذي نعرفه أو قبل ما يُعرف بالانفجار العظيم.

جميعنا سمعنا عن بداية الكون ونظرية الانفجار العظيم الذي أدى إلى ظهور الذرات والجزيئات والكواكب والمجرات، أو على الأقل هذا ما وجده العلماء والفيزيائيون وأخبرونا به على مدى سنوات، لكن ماذا لو لم يكن الانفجار العظيم هو البداية؟ هل من الممكن أن يكون هناك نسخ سابقة من الكون لها مجراتها وكواكبها؟ ومخلوقات يقطنونها ويتساءلون مثلنا عن البداية؟ حسنًا لنطلق العنان لخيالنا، ولنبحر مع نظريات العلماء التي وضعوها لتفسير ما الذي حدث قبل بداية الكون هذا.

قبل الانفجار العظيم

بداية الكون

تعد هذه اللحظة هي النقطة الأهم لمعرفة وفهم كوننا بالنسبة للعلماء الذين توصلوا إلى أن الكون كان عبارة عن تجمع (كتلة) فائق الصغر والكثافة والحرارة، وكان حينها محكومًا بقوانين ميكانيكا الكم، وظل ساكنًا وثابتًا إلى حين لحظة حدوث الانفجار الكبير الذي أدى إلى تمدد بشكل لا متناهٍ لهذا التجمع ونشوء الكون الذي نعرفه الآن وولادة قوانين الفيزياء الكلاسيكية التي حكمت سير الكتل في كوننا.

بعد تحديد إطار الكون كامتداد في مستويات الزمكان، وبالجمع بين المعلومات والمشاهدات النظرية من جهة والفرضيات المتناسقة العالمية في تفسير الكون من جهة أخرى تم التوصل إلى النتيجة السابقة بأن الكون كان تجمعًا كثيفًا صغيرًا بطاقة وحرارة هائلتين وأطلق العلماء تسمية المتفرد على ذلك التجمع السابق للانفجار الكبير “Big Bang singularity”.

اقرأ أيضًا: كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم وكيف بدأ الكون – ملف شامل

نظرية العدم

في الحقيقة لا أحد يستطيع تحديد بالضبط ما الذي كان موجودًا قبل حدوث الانفجار العظيم أو ما يُعرف بالبيغ بانغ (إذا افترضنا أن هذا الانفجار حقيقة ثابتة) لذلك قام العلماء بوضع فرضيات تعتمد على نظرتهم وخبرتهم العلمية عن هذا الكون، من بينهم العالم ستيفن هوكينغ.

بداية الكون

تم عرض نظريته ضمن مقطع مصور نشرته مجلة بابيولار ساينس “Popular Science” حيث بدأ إجابته وقال ببساطة: “لم يكن هناك شيء قبل الانفجار العظيم”، كانت رؤيته تتلخص بأن الكون الشاسع الذي بدأ كنقطة متناهية الصغر واحتاج إلى 13.8 مليار سنة كي يتوسع ويصبح بالشكل الذي نراه اليوم جاء ببساطة من العدم، فالعالم هوكينغ يفترض أن الكون قد خَلق نفسه بنفسه باتباع قوانين ميكانيك الكم فقط، ودعم تفسيره هذا بقوله: “لا يوجد شيء جنوب القطب الجنوبي وينطبق ذلك على الكون كله، لم يكن هناك شيء قبل الانفجار العظيم”، بالرغم من أن هذه الفكرة قد صمدت لفترة جيدة إلا أن العلماء لم يكونوا مقتنعين تمامًا لكنهم لم يملكوا أدلة حقيقية لنفي هذه النظرية.

وبالنسبة لهوكينغ أيضًا فإنه بالرغم من كون المكان والزمان محددان وقابلان للقياس لكنهما غير محدودين أي ليس لهما نقطة بداية ونهاية، وهذا ما اعتمد عليه في نظريته عند توضيح ما كان قبل الانفجار الكبير فبالنسبة له كان عدمًا، حيث اعتمد في فرضيته هذه على اعتبار الزمكان منحنيًا كالمنحنيات الأخرى في هذا الفضاء واستبدل الوقت الحقيقي المعروف لدينا بالوقت التخيلي في الفضاء والذي يمثل بعدًا رابعًا.

نظرية الأوتار الفائقة

الأوتار الفائقة

اقترح العالم ألبرت أينشتاين فرضية غريبة وفريدة حاول فيها ربط نظريته في الجاذبية مع ميكانيكا الكم، وحاول إثباتها خلال حياته لكنه توفى قبل أن يحقق حلمه، حيث تم إثبات صحتها رياضيًّا تقريبًا بعد أكثر من 40 سنة وجعلتنا نرى أن هذا العالم الذي نعيش فيه أغرب مما نتوقع.

تقول الفرضية إن كوننا هذا مكون من 10 أبعاد بينما نعلم نحن أن الأبعاد هي ثلاثة مكانية وواحد زماني، لكن آينشناين وجد 10 أبعادًا بعضها ملتف على مستويات مجهرية والبعض الآخر كبيرٌ جدًا لا يمكننا استيعابه، ولا يمكن التمييز بين الزمان والمكان (كما تدرسه النسبية العامة)، حيث قال العالم بريان جرين، الأستاذ في جامعة كولومبيا ومؤلف كتاب حول هذا الموضوع “إذا كانت نظرية الأوتار صحيحة، فإن كوننا له خصائص كانت ستبهر حتى أينشتاين”.

دعيت نظرية الأوتار الفائقة “بنظرية كل شيء” حيث كان هدفها الأساسي توضيح وشرح للإشكاليات النظرية المُبهمة، كفهم تأثير الجاذبية على الجسيمات الصغيرة كالإلكترونات، فقد كانت النسبية تقتصر على توصيف الجاذبية كرد فعل لأجسام ضخمة كالكواكب على انحناء الزمكان في الفضاء، وبالنسبة للأجسام المغناطيسية فإنها تتجاذب فيما بينها عن طريق تبادل الفوتونات لكن بالنسبة للجسيمات الصغيرة لا يمكن لذلك أن يحدث.

يمكن للعلماء التنبؤ رياضيًا بالشكل الذي تأخذه الجاذبية في عملها، لكن هذه العملية تصبح خاطئة عند تفسيرها لما يحصل عند اصطدام جسيمي جاذبية (كالجرافيتون مثلًا)، لأن ذلك ينتج كمية كبيرة من الطاقة محصورة في مساحة ضيقة وهذا ما يفسر قصور الرياضيات في تفسير مثل هذه الحركات، وهذا ما يسمى باللانهائيات الفيزيائية المستحيلة.

استطاع العلماء طرح أحد التفسيرات لهذه المعضلة حيث تم التخلص من مفهوم جسيمات الجاذبية (الجرافيتون) ليحل محله مفهوم الأوتار، لأن هذه الأوتار يمكن لها الاصطدام والارتداد بدون ترك تلك الكمية الكبيرة من الطاقة.

واستطاعت نظرية الأوتار أن تمنحنا نظرة جديدة لفهم كوننا، فاستبدلت جميع المفاهيم عن جسيمات المادة وجسيمات القوة بمفهوم جديد يعتمد على مكوّن واحد فقط وهو أوتار دقيقة ذات اهتزازات معينة تقوم بحركات عديدة بطرق معقدة من التفاف ودوران لتبدو لنا وكأنها جسيمات صغيرة، إلا أنها عبارة عن أوتار بأنماط اهتزازية مختلفة وكل نمط اهتزازي يكسبها خاصية معينة فبعضها يكتسب خواص الجسيمات دون الذرية كخواص الكوارك مثلًا وذلك حسب التفافه ودورانه وتردده.

استطاعت هذه النظرية تقديم تفسير محكم لسلوك الجاذبية وحافظت على مفاهيم ثابتة ككتلة الإلكترون، ولكن بقي على العلماء تقديم شرح لكيفية حركة الأوتار وهذا ما شكّل معضلة حقيقية للعلماء بانتظار حلها، فالرياضيات الوترية تحتاج إلى 10 أبعاد لتفسير حركة الأوتار وليس فقط الأبعاد الأربعة المعروفة.

اقرأ أيضًا: كل شيء عن نظرية كل شيء

نظريات أخرى تفسر بداية الكون

يقترح بعض العلماء أن الانفجار الكبير لم يكن لحظة البداية أساسًا للزمان والمكان، بل يمثل نقطة أو لحظة تناظر بين حقبتين هي حقبة كوننا هذا وحقبة قبل الانفجار لكون مناظر له تمامًا كما لو أنك وضعته أمام مرآة، وهذا يعني أن الإنتروبيا أو ما يُعرف بالفوضى أو الانتقال الطاقي في الكون السابق سيسير بعكس الاتجاه الذي يسير عليه كوننا هذا وبما أن زيادة الإنتروبيا تعني تحرك الزمن فإن تحرك الزمن في الكون السابق سيكون نحو الماضي بحسب العالم سين كارول، وبذلك يكون الانفجار الكبير ليس لحظة البداية بل هو نقطة زمنية تحول فيها الكون من الانكماش الفائق إلى التوسع الفائق.

اعتمدت العديد من النظريات على هذه الفكرة فقد اقترح بعدها إمكانية حدوث عدد لا متناهي من الانفجارات الكبيرة، وبذلك فإن الكون يمر بفترات متعاقبة من الانكماش والتوسع وينتقل بين الحالتين، فسميت هذه الأفكار والنظريات بـ “الارتداد الكبير” ولكن بحسب كارول أيضًا فإن هذه النظريات ما زالت عاجزة عن تفسير كيفية تقلص الكون للعودة إلى نقطة الإنتروبيا المنخفضة أي كتلة فائقة الكثافة والحرارة.

هناك نظرية أخرى تمثل رؤية خاصة للعالم كارول والعالمة جينيفر تشين تتمثل بأن كوننا هذا هو وليد لكون أم (كون أصلي) وظهر كوننا الوليد هذا بعد انفصال الزمان والمكان من الكون الأم وكان ذلك مثلما يحصل عندما تصدر النواة المشعة أثناء تحللها جسيمات ألفا وبيتا.

على ما يبدو فإن تفسير بداية الكون وما قبله لن يكون سهلًا بالاعتماد على الفيزياء النسبية أو الكم بل يجب أن نعتمد على فيزياء جديدة تستطيع تفسير هذه الأحداث والنظريات، وبالرغم من أن الاعتماد على النسبية والكم قدّم العديد من الإجابات لكن الحلول الرياضية تزداد تعقيدًا أكثر فأكثر لتصبح في نقطة ما عاجزة عن تفسير الأحداث وهنا تكمن الحاجة لفيزياء جديدة تخلق أدوات جديدة وتسهل العمليات الحسابية الرياضية لنصل لفهم أعمق عن كوننا العظيم.

اقرأ أيضًا:  رسالة إلى أصحاب نظرية الأرض المسطحة ومُفكّري سمكة التونة العنيدة 🐟

0

شاركنا رأيك حول "ما الذي حدث قبل الانفجار الكبير 🎇"