المدينة المصرية المفقودة
0

شهدت مصر في الثالث من أبريل الجاري حدثًا شديد الأهمية جعل أنظار العالم تتجه إليها، وهو موكب المومياوات الملكية والذي تم خلاله نقل اثنين وعشرين مومياء لملوك وملكات من مصر القديمة، المنتمين إلى عصور الأسر السابعة عشر والثامنة عشر والتاسعة عشر والعشرين.

انطلق موكب نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بمنطقة التحرير في القاهرة إلى المتحف القومي للحضارة بالفسطاط بعربات مخصصة للمومياوات ومزينة بالنقوش المعبرة عن الحضارة المصرية القديمة.

وبلغ عدد المومياوات المنقولة ثمانية عشر ملكًا وأربعة ملكات من أشهر الحكام لمصر القديمة، مثل: الملك رمسيس الثاني، وحتشبسوت، والملكة تي، وأحمس نفرتاري، وميريت آمون، وتحتمس الرابع، وسقنن رع الذي تقدم المومياوات المنقولة لاعتباره أول ملك شهيد في تاريخ مصر القديمة، والذي قُتل بعدما قرر أن يبدأ حرب تحرير مصر من الهكسوس، ولذلك لُقب بـ “الملك الشهيد”.

اقرأ أيضًا: أجمل روايات تدور أحداثها عن الحضارة المصرية القديمة: منها أحمس بطل الاستقلال

صورة من موكب نقل المومياوات الملكية
صورة من موكب نقل المومياوات الملكية.

تميزت عملية نقل المومياوات الملكية باحتفال أبهر العالم باستعراضاته والأزياء المستوحاة من قدماء المصريين، وكذلك بموسيقاه بقيادة المايسترو نادر عباسي، وخاصة الجزء المعروف بـ “أنشودة إيزيس” والتي غنتها مغنية السوبرانو المصرية أميرة سليم باللغة المصرية القديمة.

وسرعان ما نجحت مصر في إعادة أذهان المهتمين بالآثار حول العالم إليها مرة أخرى عبر اكتشاف جديد وفريد من نوعه هو المدينة المصرية المفقودة أو المدينة الذهبية أو “صعود آتون”، فما أهميته؟

ما هي المدينة المصرية المفقودة؟

بعد موكب نقل المومياوات بأيام قليلة، وتحديدًا في الثامن أبريل الجاري، أعلنت بعثة أثرية بقيادة الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار ووزير الدولة السابق لشؤون الآثار، عن اكتشاف مدينة مصرية قديمة كانت مختفية تحت الرمال على الضفة الغربية لمدينة الأقصر، ويرجع تاريخها إلى عصر الملك أمنحوتب الثالث، وهي المدينة الذهبية “صعود آتون”.

أسس المدينة أمنحتب الثالث الذي حكم مصر القديمة من عام 1391 إلى 1353 قبل الميلاد، وشاركه ابنه الحاكم الشهير إخناتون بالحكم في آخر 8 سنوات من حكمه، وأكد “حواس” على أن المدينة المكتشفة هي أكبر مستوطنة صناعية وإدارية في تاريخ مصر القديمة.

بدأت البعثة المصرية في التنقيب في سبتمبر 2020، وبعدها بأسابيع بدأت ملامح المدينة في الظهور، تتكون المدينة من مناطق وأحياء مكونة من الطوب اللبن، وشوارع مقسمة ومنظمة.

احتوت المدينة على مكان للطبخ والطهو بما به من أواني وأفران، بل وعثرت البعثة على بقايا من اللحم المُعد للأكل بصورة مسلوقة أو مجففة، بالإضافة إلى احتوائها على أدوات الحياة اليومية للمصري القديم من معادن وزجاج وخواتم وجعارين، وأدوات الغزل والنسيج، فالحالة الجيدة التي وجدت عليها المدينة جعلت الكثيرين يصفون الأمر وكأن أهلها تركوها فقط بالأمس وليس من ثلاث آلاف عام.

أحد الأواني التي عثرت عليها البعثة في مدينة "صعود آتون".
أحد الأواني التي عثرت عليها البعثة في مدينة “صعود آتون”.

 عثرت البعثة كذلك على هيكل عظمي لشخص مدفون بطريقة مختلفة عن أسلوب الدفن المصري القديم، فوجدوه مدفونًا بذراعين ممددين بجانبه وقدمين مربوطتين، بالإضافة إلى عثورهم على بقرة وثور مدفونين، وما زال البحث جاريًا لمعرفة أسباب هذه الدفنات الغريبة.

صورة الهيكل العظمي الذي عثرت عليه البعثة في المدينة الذهبية
صورة الهيكل العظمي الذي عثرت عليه البعثة في المدينة الذهبية 

من هو “آتون”؟

في البداية وقبل أن نفهم أهمية المدينة المصرية المفقودة علينا أن نعرف من هو “آتون” الذي تنتسب إليه.

حين حكم أمنحوتب الرابع مصر في حوالي 1350 قبل الميلاد أكمل مسيرة أبيه في الحكم، ولكن بعد السنة الخامسة قرر أن يُحدث ثورة دينية في مصر ما زالت محل الإعجاب والانبهار حتى الآن.

غيّر أمنحوتب الرابع اسمه إلى أخناتون، أي ألغى الإله آمون واستبدله بـ “آتون”، فبدلًا من تعدد الآلهة في مصر القديمة، قرر أخناتون أن يوحد الآلهة ويدعو إلى عبادة إله واحد، ورمز له بقرص الشمس، كما بنى له معابد جديدة ذات طراز مختلف عن المعابد التي بُنيت لآمون.

قرر أخناتون بعد ذلك أن ينتقل من العاصمة طيبة في الأقصر إلى تل العمارنة في المنيا، وبعد وفاة أخناتون عادت عبادة آمون مرة أخرى، حتى أن ابنه توت غيّر اسمه من توت عنخ آتون إلى توت عنخ آمون.

اقرأ أيضًا:  8 أخطاء شائعة عن الحضارة المصرية القديمة .. والحقيقة ستذهلك !

موكب المومياوات الملكية
رسوم مصرية قديمة تصور أخناتون وزوجته نفرتيتي 

وقد عثرت البعثة المصرية التي اكتشفت المدينة المفقودة على نقش “جم با آتون”، والذي يعني مقاطعة آتون الساطع، وهو ما يتشابه مع اسم المعبد الذي بناه أخناتون في الكرنك لعبادة الإله آتون.

كما أكدت أبحاث البعثة أن المصريين القدماء منحوا هذه المدينة اسم “صعود آتون”، وهو ما يعطي دلالات شديدة الأهمية حول الوقت الذي بدأت فيه عبادة “آتون” في مصر القديمة، والتي ستتأكد بمزيد من البحث والدراسة.

“صعود آتون”: ما علاقتها بتوحيد المصريين القدماء؟

أطلقت البعثة المصرية على مدينة “صعود آتون” لقب المدينة الذهبية لأنها تنتمي لفترة ذهبية من العصر المصري القديم.

ولمدينة صعود آتون أهمية كبيرة جعلت أنظار العالم تتجه إليها للتعرف على هذه المدينة عن قرب، ودراسة تفاصيل هذا الاكتشاف العظيم.

تقول أستاذة علم المصريات في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، بيتسي بريان، إن اكتشاف مدينة صعود آتون هو ثاني أهم اكتشاف أثري بعد مقبرة توت عنخ آمون.

وترجع هذه الأهمية البالغة إلى عدد من الأسباب، منها أن المدينة يمكنها أن تجيب عن اللغز الذي حير علماء الآثار على مدار العديد من العقود.

هذا اللغز هو البحث عن السبب الذي جعل أخناتون ونفرتيتي ينتقلا من العاصمة طيبة ويؤسسا مدينة تل العمارنة، وهي التي جعلها أخناتون مركزًا لدعوته إلى عبادة الإله آتون.

يمكن لمدينة صعود آتون أن تصيغ فهمًا جديدًا للتاريخ المصري القديم، فبعد أن كانت عبادة آتون مرتبطة بالملك أخناتون وحده، يجعلنا هذا الاكتشاف أمام معلومات بالغة الأهمية مفادها أن المدينة التي حملت اسم الإله “آتون” بنيت في عهد أمنحوتب الثالث والد أخناتون.

موكب المومياوات الملكية
صورة لمدينة “صعود آتون”

لا تتوقف أهمية المدينة على هذا فحسب، بل تمتد لتكشف لنا عن التكنولوجيا التي استخدمها المصريين القدماء في العمارة والصناعة، فقد قسموا المدينة إلى قطاعات متعددة، إدارية وصناعية وسكنية.

كما سيساعدنا اكتشاف مدينة “صعود آتون” على معرفة تفاصيل الحياة اليومية لقدماء المصريين، والصناعات التي احترفوها في فترة حكم أمنحوتب الثالث وحتى استمرار استخدام المدينة في عهد الملك توت عنخ آمون ابن أخناتون.

يأتي هذا الاكتشاف كدليل جديد على أن الحضارة المصرية القديمة تأبى إلا أن تستمر في إبهار العالم كنهر من التاريخ لا ينضب أبدًا.

اقرأ أيضًا: أضخم كشف أثري في سقارة المصرية: مصر تحدث أبناءها عن ماضيها

0

شاركنا رأيك حول "اكتشاف المدينة المصرية المفقودة.. ما علاقتها بديانة التوحيد لدى المصريين القدماء؟ "