قصص الحيوان في القرآن الكريم
0
لم تشتهر حضارة شبه الجزيرة العربية بشيء مثلما اشتهرت بإتقان اللغة العربية والتمكن منها والحديث الطليق بها، ومن هنا اتخذ القرآن الكريم أهم نقاط ارتكازه. نزل القرآن بلغة بديعة متقنة لتؤثر في أهلها، كذلك استخدم القرآن القصص في أكثر من موضع لنفس السبب. وما أكثر ثيمات القصص في القرآن تلك التي اعتمدت على الحيوان! سواء كان محركاً أساسياً للقصة أو في بعض الأحيان بطلاً من أبطالها، وهنا نتساءل: كيف استخدم القرآن الكريم قصص الحيوان لتحقيق غايات سامية في حكاياته؟

ماذا كنت ستفعل يا قابيل بدون غرابك؟

وعلى الرغم من قصص الحيوان في القرآن الكريم نجد في ثقافتنا العربية ينال الغربان والبوم بالأخص كرهاً من الإنسان غير عادل تماماً لما تم تناقله عنهم في الثقافة الشعبية أنهم فأل شؤم، مع أن القرآن والكتب السماوية بشكل عام نهتنا عن التطير. فقال الله تعالى في سورة الأعراف:

“فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَة يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ”.

وبغض النظر عن حرمانية التطير المؤكدة سواء دينياً أو إنسانياً، فالغراب بالأخص له فضل عظيم على الإنسان. لقد علم الغراب أول قاتل في التاريخ الإنساني أصول عملية الدفن، والأهم من تكنيكات عملية الدفن نفسها هو الرمزية والدلالة في قصة الغراب مع قابيل وهابيل.

قتل قابيل لهابيل هي أول عملية قتل في التاريخ الإنساني، ليكون قابيل وهابيل هما نموذجان خالصان من الخير المطلق والشر المطلق. أما عن قابيل/الشر فهو نموذج الغل، الحقد، عدم الرضا والأذى، وأما عن هابيل/الخير فهو خير تجسيد للسمات الحسنة مثل المسالمة، والطيبة، الرضا وطاعة الوالدين، ويمكن تلخيص علاقة الإخوة في الآية الكريمة رقم 28 من سورة المائدة:

“لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ”.

الرمزية في قصة قابيل وهابيل مع الغراب

أما عن الرمزية في القصة فهي في استخدام الغراب نفسه ليكون المرشد والدليل لقابيل؛ حتى يتخلص من جريمته التي شعر بعد ارتكابها بحجم فداحة غلطته.

فتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الغراب يعد من أكثر الطيور ذكاءً في سلسلة الكائنات الحية، كما أن له سمة مميزة وهي قدرته الهائلة على التعرف على وجوه البشر وتذكرها جيداً، بل والتفرقة بين السيئ والصالح بينهم، وكأن الغراب في قديم الأزل استطاع أن يتعرف على قابيل من سمات وجهه، وقرر النبش في الأرض ضمن عملية دفن غراب آخر؛ ليكون بهذا أول طائر معلم للإنسان في التاريخ. وأيضاً رحمة الله عز وجل بالإنسان في كثير من التفاسير للآية ٣١ من سورة المائدة:

“فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”.

ظل قابيل يحمل هابيل سنين كثيرة على كتفه لا يدري ماذا يفعل به حتى بعث الله هذا الغراب لسببين الأول تعليم قابيل والإنسان من بعده عملية الدفن، والثاني تلقين قابيل -والإنسان بشكل عام- ألا يكن بهذا القدر من الغرور، فبالرغم من أنه سيد الكائنات الحية وأذكاها إلا أن الغراب كان أذكى منه واستطاع التخلص من جثة الغراب الآخر.

الطير كأداة ليطمئن قلب أبي الأنبياء إبراهيم

الإنسان كائن مفكر شكاك متسائل بطبعه، وأي محاولة لتغيير هذه الصفات في الإنسان ستخلق منه مسخ ناهيك عن الأضرار التي قد تصيب المجتمع إذا تكون من مسوخ لا يعملون عقولهم.

قصص الأنبياء التي تظهر بها هذه السمة الإنسانية كثيرة نخص بها بالذكر هنا قصة سيدنا إبراهيم خليل الله، الذي بدأ قصة حبه وإيمانه بالله من طفولته وكان في كل موقف يؤكد على حبه وإيمانه الصادق بالله الذي لم يراه بعينه ليصل لحد أن يذبح ابنه. يتساءل خليل الله عن ماهية الخلق وأسراره، فيجيبه ربه أولم تؤمن يا إبراهيم!

فيؤكد إبراهيم إيمانه ويوضح أن سبب طلبه هو طمأنة قلبه بسبب التفكير والتدبر في أمور الخلق، كما يقول الله عز وجل في سورة البقرة الآية 260:

“إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”.

ولم يكن رد الله على خليله أن نهره أو استنكر طلب واعتبره تشكيكاً في قدراته حاشاه، ولكن برحمته وحكمته أعطى إبراهيم طريقة يقبلها عقله وهو الدليل المادي، فأمره بجمع أربعة من الطير وذبحها ووضع كل جزء على جبل ثم ينادي عليهم، وسيرى كيف يحيي الله الموتى من خلال الطير.

“قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.

استخدم الله الطير في تأكيد إيمان إبراهيم، كما استخدم الكبش في اختبار إيمانه في موضع آخر.

حوت موسى ذريعة لمقابلة الخضر

وعند الحديث عن قصص الحيوان في القرآن الكريم نتوقف عند مقابلة سيدنا موسى لسيدنا الخضر والتي تعد في الرؤية الإسلامية للقصة أمراً محورياً ومهماً في قصة وحياة النبي موسى بشكل عام، يلاحظ -حسب الرؤية الإسلامية- أن بني إسرائيل كانوا كثيري الاستفسار والتشكك مثل استفسارهم المُلح عن البقرة.

أراد الله أن يعلم نبيه موسى درساً في التدابير الربانية التي لن يمكنك مهما حاولت التفكير أن تصل إلى الحكمة منها، وأنه عليك فقط في بعض المواقف الاستسلام للإرادة العليا، وكان درسه على يد سيدنا الخضر.

هذا وبالإضافة إلى حادثة أخرى، حينما سأل بني إسرائيل موسى من أعلم أهل الله فجاوبهم “أنا” ليوحي له الله أنك يا موسى لست أعلم الأرض هناك من هو أعلم منك وهو عبدنا الخضر. نجد نهاية قصة الخضر وموسى، في سورة الكهف بعد حكاية طويلة بين الخضر وموسى.

“قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا”.

بعد ثلاثة محاولات من سيدنا موسى أن يكبت استفساراته وفضوله البشري، يعلن سيدنا الخضر الفراق بينهما وتفسير تصرفاته غير المفهومة للطرف الثاني، بعدما أتم درسين مهمين لموسى؛ لست أعلم أهل الأرض، علاوة على ذلك لن يستطيع مخك مهما حاول أن يعرف كل شيء.

ما دور الحوت في الحكاية؟

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا”.

ومن قصص الحيوان في القرآن الكريم نجد في رحلة موسى مع فتاه يوشع لمجمع البحرين ومع اعتزامه الكامل على إنهاء سفره كان يحمل سمكة/حوت في سلة بأمر من الله عز وجل، حينما وضح له عندما تعود السمكة للحياة وتهرب في البحر هنا ستقابل الخضر العبد الصالح.

عندما استراح موسى وفتاه عند صخرة دبت الروح في الحوت وشق طريقه في البر أمام يوشع وبالرغم من غرابة الحدث إلا أنه أنساه الشيطان ذكره لموسى.

عندما علم بعد ذلك موسى بما حدث رجع على إثر طريقه ليبحث عن النقطة التي هرب فيها الحوت والتي هي في الأساس مقصده. فلم يكن الحوت فقط علامة على ظهور الخضر، إنما كذلك هو سبب من ضمن الأسباب التي وضحت إصرار موسى على مقابلة العبد الصالح الخضر والتعلم منه.

قصص الحيوان في القرآن الكريم

قصص الحيوان في القرآن الكريم

في النهاية، وما نريد أن نقوله حقاً من ذكر مقتطفات صغيرة جداً من كتاب سماوي عظيم هو التأكيد على الأهمية القصوى التي أعطاها الله عز وجل للحيوان وتكريمه له.

بالإضافة إلى الرحمة والحب الذي ظهر من الأنبياء والصالحين مع الحيوان نجد الله اِستخدم الحيوانات كأداة لتحقيق غاية سامية وهي تعليم الإنسان درس ما.

قصص الحيوان في القرآن الكريم

كما أنه من المهم تعليم الأطفال من الجيل الجديد هذه القصص حتى يعلموا كم هو رحيم الله وديننا بالحيوانات، ومدى أهمية الحيوان في تاريخنا الديني.

وما أكثر كتب قصص الأطفال التي توضح قصص الحيوان في القرآن الكريم لهم بأسلوب شيق وسهل نعرض للكتاكيت الصغار منهم:

  1. قصة غراب هابيل وقابيل للكاتب عبد الحميد عبد المقصود، صادرة عن المؤسسة العربية الحديثة.
  2. طير إبراهيم للكاتب عبد الحميد عبد المقصود  صادرة عن المؤسسة العربية الحديثة.
  3. قصة سيدنا موسى للكاتب عبد الحميد عبد المقصود، صادرة عن المؤسسة العربية الحديثة.

لك أيضًا:

بمناسبة شهر رمضان المعظم: تعرف على الكتب الدينية الأكثر تداولًا بين القراء

0

شاركنا رأيك حول "منها غراب قابيل وهابيل: قصص الحيوان في القرآن الكريم لتحقيق غايات سامية"