1
تعلمتُ الطبخ عندما انتقلت إلى سكن الطلبة مع بداية الجامعة. أول مرة طبخت فيها في حياتي، لم أكن أعرف المقادير المناسبة للأرز. وقفت في مطبخ السكن، غسلت الأرز تحت الحنفية، أطلت الغسيل، ثم ناديت على صديقي. عندما جاء سألته ماذا أفعل؟ سخر مني ومن سذاجتي أنني وصلت سنتي الجامعية الأولى دون أن أتعلم واحدة من بديهيات الحياة: طبخ الأرز.

عندما تجاوزنا السخرية، أخذ صديقي الأرز المغسول ووضعه على جنب، حتى يتسنى له تحمير بعض الشعرية في الزيت. ظللنا نراقب الشعرية وهي تتقلى في الزيت حتى استحال لونها البني إلى أحمر ذهبي، عندها رفع صديقي الشعرية عن النار، وخلطها على الأرز في حلته، ثم قلب لدقيقتين. وضع الحلة كاملة على النار وأضاف الماء، حتى ارتفع فوق الأرز بمقدار عقلتين.

وكانت هذه أول نصيحة أتلقنها في حياتي كي أستطيع إطعام نفسي. عندما عدت إلى البيت في نهاية الأسبوع وأخبرت أمي عن تعلمي لأساسيات الطبخ، فرحت جدًا وأصرت أن أعد لهم بعض الأشياء التي تعلمتها. لم أستطع تفسير فرحة أمي تلك في وقتها، وحتى الآن لا أفهمها تمامًا، وكل ما أملكه من تفسير هو أنني تعلم شيئًا من طريقة ممارستها للحياة.

ترتبط الأم بأبنائها ارتباطًا غريزيًا لا يمكن التشكيك فيه، ومن الأشياء التي تفعلها لأجلهم يوميًا، وبشكل روتيني يجعله بديهيًا، هو الطبخ وإعداد الطعام. كثيرًا ما تعبر الأمهات عن الشبع بمجرد ما ترى الأولاد يتهافتون على أكلها، أو تعبر عن غضبها الجم إذا ما أعدت شيئًا ولم يتناوله الأولاد.

مع الوقت يصير الطبخ جزءًا لا يمكن فصله عن شخصية أي أم، وتصبح طريقتها في الطهي وإضافة المكونات جزءًا أساسيًا من ذكريات أطفالها بل وتكوين شخصياتهم أيضًا، كل ذلك مرجعه إلى فعل سحري بسيط جدًا: الطبخ.

اقرأ أيضًا:

أبلة نظيرة صاحبة أول موسوعة عربية للطهي: منقذة الفتيات في عصر ما قبل اليوتيوب

الطبخ طوال الحياة.. وإلى الأبد

يعد الطبخ من المهارات الأساسية التي اكتسبها الإنسان في بداياته، بدءًا من أبسط الأفكار من إنضاج لحم الصيد بالنار، ووصولًا إلى التعقيد الهائل في الأطباق والمكونات الذي وصلنا إليه اليوم.

cooked netflix - الطبخ له تاريخ وفنون

في وثائقي cooked أو مطبوخ الذي أنتجته شبكة نتفليكس اعتمادًا على كتاب بنفس الاسم، يشير المؤلف مايكل بولان، إلى أن اللحظة التي اكتشف الإنسان فيها طرق الطبخ، هي تلك اللحظة التي قرر فيها أن يكون متحضرًا. يعرض الوثائقي على أربع حلقات تستمد عناوينها من عناصر الحياة الأربعة، النار، والماء، والهواء، والتراب.

يحاول البرنامج مناقشة تاريخ الطبخ بصفته واحدًا من أذكى الأنشطة البشرية وأكثرها شيوعًا وتكرارًا على مستوى التاريخ. ينتقل بنا الوثائقي إلى بلدان مختلفة بين أستراليا، وأميركا، وكولومبيا، والهند، والمغرب، ليناقش عادات وأفكار المطبخ المختلفة في تلك البلدان، ويفند ثورة الصناعات الغذائية المتفجرة حاليا، ليخلص في النهاية إلى حقيقة وحيدة وحزينة، أن فعل الطبخ يعاني اليوم من استثقال الناس له حتى بات السؤال:

من الذي سيطبخ؟

لا شك أن الطبخ فعل حيوي ومهم جدًا للإنسان بيولوجيًا وروحيًا، إلا أن المطبخ اليوم يعاني بشكل قاسي من قلة الاقبال عليه. قد يبدو الوضع مختلفًا على صفحات السوشيال ميديا، مع تكاثر المنشورات اللاتي يتباهي أصحابها بأطباق ووصفات أعدوها، أو حتى يتغنون فيها بحب المطبخ وإحساس التحقق الذي يمنحهم إياه فعل الطبخ، إلا أن تلك المنشورات ما هي إلا من نوع إبراز اللقطة واعتبار المطبخ شيئًا ترفيهيًا أو نوستالجيًا كمن يلتقط صورة في مدينة الملاهي أو على شاطئ فاخر يذهب إليه مرة كل سنوات.

يفتقد المطبخ اليوم أهم سمة ميزته على مدى أجيال وهو أنه مكان تشاركي منوط به أن يتعرف فيه الإنسان على ذاته أكثر وعلى بيئته وأن يكون قيّمًا على ما يدخل إلى جوفه.

غذاء للقبطي – شارل عقل

غذاء للقبطي - الطبخ له تاريخ وفنون

في كتابه غذاء للقبطي يشير شارل عقل إلى نقطة الانخراط في مشاركة وإعداد ما يتناوله الإنسان ولو لمرة واحدة على الأقل لأنه:

“كل علاقة الإنسان بما يتذوقه تتغير تمامًا ما إن يختبر مراحل إنتاجه. بذلك تتعمق علاقتك بما تأكله، وتشذب حواسك لاستقصاء تفاصيل أدق أو حتى داخل المكون الواحد”.

هنا تظهر الوظيفة الأساسية لفعل الطبخ، وهو أنه لم يكن مجرد فعل لإنتاج الأكل واستمرارية الحياة فقط، وإنما فعل خلاق لتعزيز إحساس الإنسان بذاته وبما حوله من مكونات، وصولًا إلى إعطاء الحياة متعة ومعنى أيضًا.

اقرأ أيضًا:

غذاء للقبطي: ورقة وقلم يا ست الكل – كتاب يعطي تشريحًا مجتمعيًا للأقباط من المطبخ!

أفروديت – إيزايبل الليندي

أفروديت

في كتابها أفروديت تمسك الكاتبة العالمية إيزايبل الليندي ذلك الوتر المشترك بين إعداد الطعام لمجرد الأكل وإعداده للمتعة البحتة، فتقول أنه لا مانع إطلاقًا أن يكون الهدف الأول من الأكل هو المتعة.

خلال صفحات الكتاب تلعب الليندي ببراعة شديدة لعبة الكتابة والطعام، فتناقش علاقة الطعام بالجنس، حيث أفوى غريزتين داخل جسد الإنسان، وكيف قادتها طرق طهي الطعام المختلفة والشعبية من أكثر من بلد إلى اكتشاف جسدها واشتعال رغبة الحب من جديد بينها وبين زوجها رغم التقدم في السن. تقول اللندي مركزة على نقطة إثارة الحواس وتضفير كل الغرائز لشتعل معًا في لحظة واحدة:

لا أستطيع أن أفصل الإثارة الجنسية عن الطعام ولا أري أي سبب لذلك، أعتزم الاستمرار في الاستمتاع في كليهما بينما تصلني القوة والفكاهة”.

وتشير في موضع آخر إلى ندمها على ما فوتته من قبل:

“في حالتي يدفعني الشفق إلى الخطيئة، أنا نادمة على الحميات والأطباق اللذيذة المرفوضة بدافع الغرور، بقد ما أندم على مناسبات الحب التي فاتتني لأجل الاهتمام بالأشغال المعلقة”.

هذا الفهم الواعي بمتطلبات الجسد هو ما يدفع الإنسان إلى إعادة التفكير في وجبات الطعام التي يتناولها وكيفية إعدادها، والتعامل معها بشكل جديد، شكل تتحقق فيه الاستفادة والإشباع المرجوان، والمتعة المنشودة أيضًا.

فالطعام على مر التاريخ كان أحد مفاتيح المتعة الإنسانية، سواء أكان محفزًا للمتعة الجنسية كما تشير الليندي، أو كان الاستتماع به في حد ذاته. ذلك الاستمتاع الذي قاد البشرية إلى محاولات الخلق والإبداع في المكونات والأطباق، فقد لا نبالغ إذا قلنا أن الطبخ هو أحد أقدم الفنون البصرية والتشكيلية. حتى أن الإنسان لم يكتف بتلك المتعة الدنيوية فقط، بل أصر على أخذ الطعام معه إلى الجنة، في الحياة الآخرة.

وليس المقصد هنا عادات الحضارات القديمة، كالحضارة المصرية القديمة، من دفن أطباق الطعام مع الميت، وإنما أقصد الطعام بمعناه الفردوسي، كمكافأة وملذة على العمل الصالح.

كتاب التّوابل – فريد كزارا

كتاب البهارات - الطبخ له تاريخ وفنون

في سلسلة التاريخ الكوني، في كتاب التّوابل تحديدًا، يشير المؤلف فريد كزارا أن بعض شعوب الهند كانت تتخيل أرضية الجنة عبارة عن تربة تحتشد فيها انواع البهارات، بألوانها المتباينة، وروائحها الساحرة، في لوحة فنية لا نهائية على مد البصر. أما في القرآن فلا يرد ذكر الجنة التي وعد الله بها عباده، إلا ويأتي ذكر أوصاف الطعام التي تحتويه، من بساتين النخل والأعناب، وأنهار اللبن والعسل والخمر، وحتى لحوم الطير مما يشتهون، مع ترك التفضيلات مفتوحة في لفظة “مما يشتهون”، حتى  يتسنى للمخيلة الجموح إلى أبعد صورة ممكنة إلى ذلك الطعام الذي لن ينفد أبدًا.

اقرأ أيضًا:

أفضل كتب الطبخ والطعام في 2020: قائمة لمحبي إعداد الأكل والتهامه

الخلطة السرية في كتاب الطبخ

تزدهر اليوم الصناعات المطبخية حتى تصل إلى حد الفيضان تقريبًا، فيضان في كل شيء يتعلق بالمطبخ، من فيديوهات اليوتيوب إلى مواقع الإنترنت إلى شركات تصنيع الأجهزة والأدوات.

وسط هذا الكم الهائل من المنتجات التي تعني بتقديم الوصفات وطرق إعداد الطعام يصبح الاختيار صعبًا جدًا، حد الحيرة المفرطة أحيانًا، كان من المتوقع أيضًا أن تخفت صناعة “كتاب الطبخ” نوعًا ما، إلا أنها استمرت وبقوة أيضًا.

مطبخ منال العالم – منال العالم

مطبخ منال العالم

في مقدمة كتابها مطبخ منال العالم تشير الطاهية الشهيرة منال العالم إلى تلك الظاهرة عندما طبعت الكتاب لم تكن تتوقع أن يبيع هذه الكميات، لكنها فوجئت بالإقبال عليه.

يمكن القول إن كتاب منال العالم كان ناجحًا من قبل طباعته، فمنال التي يمكن وصفها “أبلة نظيرة” هذه الأيام، هي واحدة من القلائل في الطهاة العرب الذين يتعاملون مع الطبخ بمؤسسية واحترافية، فالسيدة لا تمارس الطبخ كمن يؤدي وظيفة فقط، بل تهدف إلى تشكيل علاقة حميمية مع جمهورها وإيصال رسالتها أن الطبخ فعل حب حميمي وحقيقي.

تقول في مقدمة كتابها إنها تدرك نجاحها فقط عندما يتعرف عليها الأطفال في الأسواق ويخبرونها أنهم أكلوا أطباقًا أعدتها الأمهات بناءً على وصفاتها. في كتابها تجمع منال العالم معظم الوصفات التي أدتها على شاشات التلفاز، في جمع ثري بين الوصفات المشرقية والمغربية.

لم تتوقف عند طباعة الكتاب فقط، بل أطلقت موقعها الإلكتروني الذي يضم كمًا كبيرًا من المحتوى المرئي والمقروء، والعمل الخيري، للتأكيد على رسالة الطبخ ودوره الإنساني.

أنا حلبي – محمد أورفلي

أما الشيف محمد أورفلي، فيتناول المطبخ من مظور مختلف قليلًا عن منال العالم، وإن كان يتفق معها في مضمون الرسالة النهائية. محمد أورفلي هو أيضًا واحد من نجوم قناة فتاتفيت، وأحد مؤسسيها في انطلاقتها. في عام 2009 أصدر كتابه الأشهر أنا حلبي ليؤرخ لشغفه الشخصي بمطبخ مدينة حلب، مسقط رأسه وعشق طفولته.

يتحدث أورفلي عن الطبخ عمومًا، والمطبخ الحلبي، بعشق لا مثيل له، كأن المطابخ لم توجد إلا في حلب. يتناول الكتاب وصفات مختلفة ومتنوعة جدًا من تاريخ المدينة القديم والحديث، وصفات تناقلتها الاجيال، ووصفات اكتسبت رونقها ومذاقها من خصوصية المدينة نفسها. يقدم أورفلي تلك الوصفات مع تأريخ بسيط لكل وصفة ليصر على العبق التاريخي لها، وبإضفاء لمسته الخاصة ليبرهن أن العصرية موجودة أيضًا.

الوليمة – أنيسة حلو

الوليمة - الطبخ له تاريخ وفنون

تأريخ الطعام وجد شغفًا أكبر وأكثر احترافية لدى أنسية حلو في كتابها The Feast أو الوليمة. أنيسة حلو – Anissa Helou وهي لبناية من أصل سوري، طاهية ومدونة عن فن الطهي، وصنفت عام 2013 ضمن أقوى 500 شخصية عربية حول العالم، وضمن أفضل 100 امرأة عربية.

في كتابها الوليمة لا تقدم أنيسة حلو الوصفات باعتبارها وصفات فقط، وإنما تقدم لنا كتابًا تعليميًا متكاملًا عن فن الطبخ لدى الشعوب الإسلامية، حيث تعنى بتاريخ كل وصفة متتبعة بذلك خريطة انتشار الشعوب الإسلامية، ومسهبة الفروق الواضحة والمتأصلة في ثقافات الشعوب من سواحل إندونيسيا وحتى شواطي المغرب العربي.

ذلك التعامل غير التقليدي مع وصفات الطعام يضفي بعدًا آخر على قراءة الكتاب، وعلى فعل الطبخ ذاته، فينقل جوهره من مجرد وقوف في حيز المطبخ بين الأواني والأطباق، إلى فعل عابر للأجيال تتراكم فيه خبرات الإنسان الممتدة ورغبته في الاستمتاع بكل شيء، حتى لو بمجرد فعل بسيط جدًا كإشعال النار.

لك أيضًا:

عادات غذائية ضارة في رمضان عليك تجنبها

1

شاركنا رأيك حول "يّلا على المطبخ: كيلا يفقد الطبخ بريقه، تأملات في كتب الطهي"