0

صيام رمضان أحد أهم الطقوس الدينية في بلاد المسلمين حول العالم، ينطوي على الامتناع عن الطعام والشراب منذ الفجر وحتى المغرب حوالي 29-30 يومًا، وفيه، يتعلم المسلم الصبر والإحساس بالفقراء، ويشعر بضرورة الاتصال الروحي مع الله، والبعض يراه فرصة للبداية كإنسان جيد وملتزم. طبعًا، هناك بعض المسوغات التي تمنع البعض من الصيام، أو ربما تجعلهم يستشيرون الأطباء حول كيفية تقبّل جسمهم للصيام، مثل مرضى السكري، النساء الحوامل، أو كيفية الصيام بدون أن يتأثر جسمهم جراء مرضهم مثلًا.

جائحة كورونا التي بدأت في نهايات العام 2019، أثرت على بلدان العالم كافة، سواء قتصاديًا أو طبيًا أو في الحياة العملية. هناك أناس أُصيبوا وشُفيوا، والكثير توفاهم الله، وحتى هذه اللحظة، لم يتخلص العالم من هذا الفيروس اللعين. ولكن بما أنه مرض كغيره من الأمراض، يؤثر على الجسم بأعراض منهكة مختلفة، فما حكم الصيام في حال ظهرت علينا أعراض الإصابة به؟ هل يمكننا الصيام أم أن جسمنا لن يتحمل فقدان الطعام والسوائل لعدة ساعات مع نقص المناعة جراء الإصابة؟ فكما نعلم، يجب مواجهة المرض بدعم جهاز المناعة بالتغذية المناسبة..

لا يشكل الصيام بحد ذاته خطرًا للإصابة بأي مرض، ولكن السؤال المطروح هنا، هل الامتناع التام عن الطعام والشراب وخاصةً “المياه” من شروق الشمس وحتى غروبها، يمثل خطرًا صحيًا وضغطًا على جهاز الجسم المناعي ويجعل الجسم مغناطيسًا لفيروس كورونا؟ لنرى في هذا المقال.

اقرأ أيضًا: فلسفة الصيام: للذين قرّروا الحياة في شهر الثورة والميلاد

هل يمكننا الصيام إذا ظهرت علينا أعراض فيروس كوفيد-19؟

وفقًا لما قالته أليسا رامزي (Alissa Rumsey)، مالكة موقع “التغذية والعافية وفقًا لأليسا رامزي (Alissa Rumsey Nutrition and Wellness)، هذا الوقت- تقصد وقت الجائحة – ليس مناسبًا لأداء فروض الصيام تماشيًا مع جائحة كورونا، لأن الصيام سيؤدي إلى إضعاف جهازك المناعي بدون قصد، وسيجعلك تشعر بالسوء أكثر، فأنت بدايةً لديك كورونا، وليس من المحبذ أن تُضعِف جهازك المناعي أكثر من اللازم. سنرى في فقرة قادمة كيف يؤثر الصيام على الجهاز المناعي.

حتى أنه في غير شهر رمضان الكريم، هناك البعض ممن يتبعون حمية الصيام المتقطع، كنوع من الحفاظ على الوزن والصحة لما له من فوائد، صيام لمدة 16 ساعة، ولكن إذا كانت لديك أعراض الفيروس، فبذات مبدأ صيام رمضان، ليس من المحبذ إضعاف جهازنا المناعي أكثر. حتى ربما قد لاحظ متابعي الصيام المتقطع الذين لديهم تطبيق زيرو (Zero) للصيام المتقطع، إرسال التطبيق دليلًا إلى البريد الإلكتروني للمستخدمين ليتّبعوه، وهو موثّق بشكل خاص من الدكتور الأمريكي الكندي ذو الأصول المصرية، بيتر عطيّة (Peter Attia)، ينصح فيه عدم الصيام لنفس الأسباب التي ذكرتها رامزي.

من جهتها، أكدت أيضًا الدكتورة جينا ماكيوتشي (Dr Jenna Macciochi)، وهي عالمة المناعة في جامعة ساكس، أن مكافحة عدوى كورونا تتطلب الكثير من الطاقة، وتتطلب تقوية جهاز المناعة، وفترات الصيام (فترة طويلة من عدم الأكل والشرب) من شأنها إضعاف جهاز المناعة لدى الإنسان.

أيضًا، قد يؤدي الصيام مع العمل إلى خطر الإصابة بالجفاف وبالتالي يؤثر على المخاط المبطن للمسالك الهوائية، وكما نعلم، يعمل المخاط كحاجز وقائي هنا، لذا قد يقلل الجفاف من مناعة الجهاز التنفسي، وفي حالة الوباء الذي نعيشه، يُفضل عدم الصيام إذا كنت من الكادر الطبي، أو في حال شعرت بأعراض المرض.

إذًا الجواب النهائي أنه يُعفى المرضى، بمن فيهم مصابي كوفيد-19، من الصيام.

اقرأ أيضًا: الأمراض المزمنة ورمضان ….كل ما عليك أن تعلمه وما يجب أن تفعله

كيف يؤثر الصيام على جهاز المناعة؟

ليس هناك من أدلة علمية كافية تثبت إمكانية “تعزيز” الصيام لجهاز المناعة على المدى القصير. أغلب الأبحاث تضمن فوائد الصيام على المدى الطويل، مثل تجنب الإصابة بداء السكري والسرطان، الأمراض المزمنة عامةً والشيخوخة، لذا من يريد أن يستفيد على المدى البعيد، يجب أن يكون جسمه صحيًا تمامًا. حتى بالنسبة لتجنب الإصابة بالفيروس، ادعى أحد المعالجين أن الصيام، وبما أنه ينظف جسم الإنسان من الميكروبات والبكتيريا والفيروسات والطفيليات، فيجب أن يمنع الفيروس، ولكن للأسف، ليس هناك من أدلة علمية مطلقًا تؤكد هذا الكلام.

الصيام وفيروس كورونا

جهاز المناعة عبارة عن منظومة مكونة من خلايا وجزيئات لها دور أساسي في الدفاع عن الجسم ضد العدوى. لدينا نوعان من المناعة: الفطرية التي تعمل عند التعرض للعامل الممرض، والمكتسبة التي تتعزز بتكرار التعرض للعامل الممرض. هناك أنواع مختلفة من الخلايا التي تلعب دورًا في الجهاز المناعي الفطري، وتعاون الخلايا البائية والتائية أيضًا في الاستجابة المناعية المكتسبة. هذا شرح مختصر جدًا للجهاز المناعي، مختصر جدًا جدًا.

ما يهمنا الآن هو دراسة تأثير الصيام على جهاز المناعة، حيث بينت عدة دراسات أن الصيام يمكن أن يجدد الجهاز المناعي، كيف ذلك؟ حسنًا لا تستعجل، نحن لم نتوقف عن الكلام عند تلك النقطة، لوحظ ذلك في أول 3 أيام من الصيام، حيث يبدأ الجسم بإنتاج خلايا دم بيضاء جديدة، وهذا يعني تجديد جهاز المناعة وجعله أقوى وأكثر مقاومة للأمراض، ولكن أُثبت أيضًا أن عدد خلايا الدم البيضاء يتناقص مع الصيام طويل الأمد، وبالتالي، غالبًا إن الصيام يجبر الجسم على استهلاك مخازنه من الجلوكوز والدهون، وتحطيم كميات كبيرة من كريات الدم البيضاء، تعوض عنها الخلايا الجذعية.

من جهة أخرى، بينت نتائج الأبحاث أيضًا أنه بصيام شهر رمضان، تقل السيتوكينات المحرضة على الالتهاب (Inflammatory Cytokines) وعلامات الإجهاد التأكسدي، والبروتينات التفاعلية-C، ولكن أكدت عدة دراسات أيضًا أن مهاجمة فيروس كورونا من قِبل الجسم بحاجة إلى “عاصفة” من السيتوكينات الالتهابية، أي يحتاج إنتاج الكثير منها بالإضافة إلى العديد من المواد الكيميائية، ومن جهة أخرى، يحرض إنتاج السيتوكين في الجسم استجابة التهابية لا يمكن السيطرة عليها أحيانًا في المريض، وتتسبب في مهاجمة الجهاز المناعي للجسم، وأمراض مثل فشل الجهاز التنفسي وما إلى هنالك.

اقرأ أيضًا: ذكريات رمضانية بأقلام الأدباء: كيف كان رمضان نجيب محفوظ وطه حسين وآخرين؟

الصيام وفيروس كورونا: التعامل مع الوباء في شهر رمضان في مختلف أنحاء العالم

الصيام وفيروس كورونا

ناهيك عن إجراءات التباعد الاجتماعي وعدم الصلاة في المساجد مجتمعين، والقرارات التي اتُخذت بشأن الحج في جائحة كورونا، عادةً، في المدارس الإسلامية في العديد من البلدان، يُعلَن عن الأمراض ومخاطرها بفتاوى دينية، من خلال التعاون بين علماء الفقه الإسلامي رفيعي المستوى والأكاديميين والأطباء، ويتم إصدار الفتاوى على أساس سنوي قبل بداية الشهر الكريم.

أحيانًا، يتخذ الأشخاص قرار الصيام من عدمه على أساس فردي وفقًا لتوصيات أطبائهم، ولكن بعد انتشار الوباء، وقع علماء الدين والممارسون الطبيون في حيرة بشأن فتوى الصيام مع ظهور أعراض كوفيد-19، وهل يؤثر الجوع والجفاف المؤقت على معدل إمكانية الإصابة بالفيروس؟

إعفاء العاملين في مجال الرعاية الصحية في بريطانيا من الصيام

في أبريل من العام الماضي، وبحسب موقع bbc.com، نشر المجلس الإسلامي في بريطانيا مُرفق يقول: “إن طاقم الرعاية الصحية المسؤول عن توفير الرعاية والطبابة لمرضى كوفيد-19 المعرّض بشكل دائم لخطر الجفاف والأخطاء الطبية المتعلقة بارتداء معدات الوقاية الشخصية من المرض، ونوبات الدوام الطويلة، مُعفى من الصيام”.

إجراءات في بعض الدول العربية وإيران

في جمهورية إيران مثلًا، نشرت أكاديمية العلوم الطبية عدة إعلانات رسمية تضمنت توصيات بأن يراقب الأفراد “الأصحاء” ممن هم أقل من 65 عامًا، صيامهم جيدًا، بحيث يتبعوا عدة احتياطات: الالتزام يإرشادات مكافحة العدوى، واستهلاك نظام غذائي متوازن خلال ساعات الإفطار والترطيب المناسب لأجسامهم، وتجنب البيئات الجافة، وكانت هناك توصيات أخرى تخص المرضى، أما الأمر بالنسبة لمصابي الفيروس، فكان أن يمتنعوا عن الصيام لعدة أسابيع حتى بعد الشفاء الكامل.

بينما في مصر، أصدرت جامعة الأزهر بيانًا في 18 أبريل من السنة الفائتة ذكرت فيه المسلمين بوجوب الصيام دون استثناءات خاصة كالوباء مثلًا، وأصدر رجل دين بارز في العراق فتوى تقضي أن الصيام يقوي جهاز المناعة وقد يمنع المسلمين من الإصابة بالكورونا، بينما طبيًا، لا يوجد دليل على أن الصيام يقوي المناعة.

أعراض الإصابة بفيروس كوفيد-19

الصيام وفيروس كورونا
أعراض الإصابة بكوفيد-19

يُصاب البعض ولكن لا تُلاحظ أية أعراض حيث يتحسنون بسرعة، إنما يعاني حوالي 1 من كل 6 أشخاص من مشاكل خطيرة، وتزداد الأعراض خطورة مع التقدم بالسن أو في حال كان لديك مرض مزمن. عمومًا، إن آخر تحديثات أعراض الإصابة بالمرض، حسب موقع webmd هي (مع النسبة المئوية لإمكانية ظهور كل منها):

  • حمى بنسبة 99%.
  • تعب ووهن بنسبة 70%.
  • سعال جاف 59%.
  • فقدان الشهية بنسبة 40%.
  • آلام عامة في الجسم بنسبة 35%.
  • ضيق التنفس بنسبة 31%.
  • مخاط وبلغم 27%.

وقد تشمل الأعراض الأخرى صداع في الرأس والتهاب الحلق، فقدان حاسة الشم أو التذوق، إسهال، غثيان وقيء، ازرقاق الشفاه أو الوجه في الحالات الطارئة. تبدأ الأعراض بعد يومين إلى 14 من التقاط الفيروس كما نعلم.

اقرأ أيضًا: أجواء رمضانية وعادات طريفة بين الشعوب العربية والغربية

ما بين فوائد الصيام وآثاره السلبية

الصيام وفيروس كورونا

لا يسعُنا الآن ذكر فوائد الصيام، فهي كثيرة فعلًا، ناهيك عن آثاره النفسية المريحة التي يشعر بها كل شخص، للصيام آثار علاجية أو وقائية للعديد من الاضطرابات كالسمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، الصيام يعمل على إطالة العمر، ويعزز الوظائف الإدراكية، يعزز الصحة النفسية ويحسن أنماط النوم، يمكنه أن يؤخر أو يعكس تطور العيوب العصبية.. هناك الكثير والكثير، وبالرغم من ذلك، هناك آثار سلبية.

قد يجهد الصيام الجسد، خاصة إذا كنت معتادًا على تناول وجبات خفيفة بانتظام طوال اليوم، لذا قد يؤدي كسر الروتين فجأة وقطع الطعام ليوم كامل إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول، طبعًا الكورتيزول مرتبط بكثير من التغيرات الجسمية، والتي أهمها التوتر وتثبيط الاستجابات المناعية، كما يؤثر على عمليات التمثيل الغذائي، سكر الدم والالتهابات، والذاكرة أيضًا، وزيادته في الجسم قد تؤدي إلى تخزين الدهون وانهيار العضلات.

صيام تلك الساعات الطويلة قد يؤدي انخفاض شديد في سكر الدم، يتبعه ارتفاع فجائي عندما تأكل، وهذا شيء قد يمر طبيعيًا عند الإنسان الطبيعي، أما إذا كنت مصابًا بمرض ما أو لديك نقص مناعة أو غير ذلك، فذلك حتمًا ليس شيئًا عاديًا.

في النهاية عزيزي، نستنتج أن صحتك “علميًا” لا يُمكن التلاعب بها، فأنت تصوم تقرّبًا من الله عزّ وجل، لا مانع، ولكن عند وجود مانع صحي، فلا بدّ من التعقّل والتوقف واتخاذ التدابير اللازمة لتدارك المرض، لا بأس في تعويض أيام الصيام بعد أن تكون قد شفيت من المرض. لذا، إذا ظهرت عليك أعراض الفيروس، توقف عن الصيام، فحتى الآن لا يمكننا البتّ بقرار نهائي حول إمكانية تأثير الصيام على جهاز المناعة. استشر الطبيب في الأدوية اللازم متابعتها، والتزم بنصائحه حول الأكل والشرب والتدابير الوقائية.

رمضان كريم والعافية للجميع.

اقرأ أيضًا: نصائح للعاملين عن بعد في رمضان

0

شاركنا رأيك حول "هل يمكننا الصيام إذا ظهرت علينا أعراض فيروس كوفيد-19؟؟"