0

الحليب هو تلك الكلمة التراثية المخزنة في عقولنا جميعًا منذ طفولتنا، يقابلها الكثير والكثير من المشاهد والأفكار، بداية من رفض معظم الأطفال لتناوله ومحاولات الأمهات بالخدع أن يجعلن أطفالهن يشربونه بتغيير هيئته- كإدخاله كمكون لبعض الوصفات- أو تغيير شكله بإضافة الشكولاتة إليه مثلًا.

لست هنا للحكي عن طرق خداع الأمهات ولا رفض الأبناء، لكني سأذكرك يا عزيزي بمشهد آخر مرتبط بالحليب، مشهد تأكيد والدتك عليك أن تشتري الحليب من مكان محدد ولا تشتريه من عم ” فلان” لأن حليبه مغشوش.

الحليب: مادة من السهل غشها

الحليب الذي يتكون بالأساس من الكازين ولاكتو البومين وسكر اللاكتوز ودهن الحليب وبعض الأملاح والمعادن والفيتامينات، يمكن غشه بسهولة بالغة.. فقط بإضافة مادة لها لون شفاف او لون أبيض يسهل دمجها مع لون الحليب الأبيض، مادة شبيهة بالبروتينات والدهون الموجودة به، من بين تلك المواد المنظفات، الملح، كربونات الصوديوم، الفورمالين، كبريتات الأمونيوم، المياه، الميلانين.

تعتبر عملية غش الحليب من الأمور التي تسبب خطرًا على الصحة العامة للإنسان، لأنها تتسبب في ارتفاع المستويات القلوية في الدم- معظم المواد المضافة تكون مواد قلوية لأن إضافة الأحماض يسهل اكتشافها بطعمها المميز- كما أننا حتى لو أضفنا الماء، فمن أين لنا بالعلم بأن هذا الماء معقم ونظيف؟

العسل أيضًا كمنتج مغشوش

يعتبر العسل أيضًا من المواد الغذائية ذات القيمة العالية، فالسكريات والأحماض والمركبات النيتروجينية والمعادن والماء الذين يدخلون في تكوينه كلها مواد تساعد على إمداد الجسم بالطاقة وشعور الإنسان بالحيوية، لكنها كمعظم المنتجات من حولنا نالها نصيبها من الغش.

تزامن ظهور أوائل العمليات في غش العسل في سبعينات القرن الماضي تحديدًا عند ظهور منتج شراب الذرة عالي الفركتوز High- fructose corn syrup حيث يعتبر ذلك الشراب هو الأكثر استخدامًا في طرق الغش عن طريق مزجه بالعسل، بالطبع ليس المنتج الوحيد فبدائل السكر الرخيصة كثر كسكر القصب وشراب الذرة. وبالرغم من كون غش العسل لا يسبب أضرارًا على صحة الإنسان، لكنه يسبب ضررًا اقتصاديًّا واضحًا.

الحليب والعسل

إنتاج العسل والحليب: متطلبات اقتصادية وظروف خاصة

تتمكن الأبقار من إنتاج الحليب بعد أسبوع تقريبًا من وضعها لصغارها وتستمر طوال فترة الإرضاع في إنتاج الحليب، وتختلف العوامل التي تؤثر على الإنتاجية بنسبة تصل الى 75٪ من بين تلك العوامل جودة الأعلاف والمكان، باختصار كلها عوامل اقتصادية فكلما أنفقت أكثر كلما زادت إنتاجية الحليب.

أما النحل الذي يوجد منه أكثر من 20 ألف نوع حول العالم، فإن نسبة النحل المكون للعسل أقل من 4% أي أقل من 800 نوع. تبلغ إنتاجية النحلة منفردة ملعقة ونصف من العسل طوال حياتها، لكن بالتعاون بين آلاف أفراد النحل يمكن إنتاج أكثر من 90 كيلو جرامًا من العسل كل بضعة أيام.

مما سبق نستنتج أن عمليتي إنتاج الحليب والعسل من العمليات المكلفة اقتصاديًا، وتتدخل بها العديد والعديد من العوامل البيئية الخارجة بشكل ما عن تحكم الإنسان الكامل.

فماذا لو تمكننا من إنتاج الحليب والعسل صناعيًا داخل المختبرات؟

اقرأ أيضًا: ليس على ما يرام وخسائر فادحة بانتظار البشر: عن أكبر المخاطر التي تهدد النحل اليوم!

عسل بدون نحل وحليب بلا أبقار🤨

خارج المختبرات يتمكن النحل من إنتاج العسل عن طريق تجميع الرحيق وحبوب اللقاح وتخزينها داخل معدته حيث الإنزيمات الهاضمة التي تقوم بعدة تحويلات تساعد على تغيير التركيب الكيميائي له، وعند العودة إلى الخلية يقوم النحل بعدة عمليات مكررة وهي نقل الرحيق عن طريق الفم من نحلة لأخرى، وبالتالي يتم تحويل الرحيق إلى عسل والذي يعتبر المكون الأساسي له الفركتوز والجلوكوز.

أما داخل المختبرات فتستخدم تقنية التخمر، وهي عبارة عن عملية تستخدم فيها عناصر أولية صغيرة الحجم للغاية كمواد أولية لتكوين العسل.

تعتبر عملية التخمير هي الفكرة الأساسية لصناعة منتجات تُنتج طبيعيًا بالأساس، فعملية التخمير تعتمد على استخدام الكائنات الحية الدقيقة التي تقوم كمواد البناء الأساسية للمواد المراد تصنيعها. تستخدم تلك التقنية شركة MeliBio بلندن، وهي تعتبر من الشركات الرائدة في صناعة الألبان بدون أبقار.

يقول جيفان ناجا راجاه المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة “إن الطريقة التي نعمل بها مماثلة لطريقة استخدام التخمر لإنتاج المواد الكحولية، لكننا نقوم ببعض عمليات التعديل في الخميرة لنتمكن من إنتاج ما نريد”.

وتعتبر تلك التقنية التي تستخدمها شركة Clara Foods في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في إنتاج كميات كبيرة من البيض، بحيث تتطلع بأن تكون المنتج الأكبر للبيض عالميًا بحلول عام 2028.

أما شركة Legendary Foods تستخدم أيضًا تقنية التخمر الميكروبي لإنتاج كميات كبيرة من الحليب عن طريق جمع البروتينات الموجودة بالحليب وبعض الدهون النباتية معمليًا دون الحاجة إلى تربية أي حيوان. ومن أهم أهداف الشركات التي تنتج ألبان بديلة للطبيعي إنتاج منتجات الألبان بصورة تجعلها مماثلة للمنتجات المصنوعة بالحليب الطبيعي من حيث الطعم والملمس كجبن الموتزريلا.

عدم هضم اللاكتوز والمحافظة على البيئة، أسباب لأهمية تلك الصناعات

قد يبدو من المنطقي السؤال حول الأسباب التي تجعلنا نلجأ لتصنيع الحليب والعسل بدلًا من تربية الأبقار والنحل، إلا أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل ذلك ضروريًّا.

أولًا: العسل

كما ذكرنا فإنه برغم وجود آلاف الأنواع من النحل، إلا أن أنواع قليلة منها هي القادرة على إنتاج العسل، ومع زيادة استخدام العسل عالميًا، فالعسل الآن لا يستخدم فقط كمادة غذائية بل يدخل في منتجات أخرى كمنتجات التغذية والمشروبات ومستحضرات التجميل وبعض الأدوية، لذا فإن زيادة استهلاكه عالميًا يلزم أن يقابلها زيادة في الإنتاج.

فائدة أخرى عظيمة وهي القدرة على الاستغناء عن سكر اللاكتوز كمكون أساسي في العسل، يعتبر سكر اللاكتوز من السكريات صعبة الهضم كما أنه يسبب نوعًا من الحساسية لنسبة قليلة من البشر، لذا فإن استبداله يعتبر فائدة كبيرة نجنيها من القدرة على تصنيعه.

ثانيًا: اللبن ومنتجات الألبان

بحسب منظمة التغذية والزراعة العالمية فإن اللحوم ومنتجات الألبان تنتج حوالي 14.5٪ من الغازات التي تزيد نسبة الاحتباس الحراري، لذا فإن عدم الاعتماد على منتجات الألبان من الأبقار يمثل فائدة بيئية. كما أنها تساعد على عدم هدر المياه.

كما أن الألبان المنتجة صناعيًا يمكن التحكم بطريقة تصنيعها، فهي منتجات خالية من الهرمونات والأدوية كالمضادات الحيوية، مما ينعكس إيجابًا على صحة الإنسان.

وهناك أيضًا العديد من الإيجابيات من بينها منع الفصل بين صغار الأبقار والأمهات، وأيضًا فإن العمليات الصناعية هي عمليات قابلة للتطوير والتحديث باستمرار مما يعطي قابلية أكبر لزيادة الإنتاج بما يتناسب مع متطلبات سكان العالم الآخذين بالتزايد.

العسل والحليب

أخيرًا، فإن تصنيع تلك المنتجات مفيد للأشخاص النباتيين الذين يجدون مانعًا أخلاقيًّا في التغذية على كائنات حية أو منتجاتها.

اقرأ أيضًا: لماذا يعتقد النباتيون أن نظامهم الغذائي صحي كنظامٍ غذائي شامل؟

بالنهاية، لا أعلم إلى اين ستصل بنا التكنولوجيا والحياة داخل المعامل، ولكن المؤكد أنه بالرغم من الأضرار التي نجمت عن استخدام الإنسان للآلة، إلا أن هناك العديد من المزايا لذلك، فلنستمتع بالمزايا.

0

شاركنا رأيك حول "حليب بدون أبقار وعسل بدون نحل 🤔 أحدث إنتاجات الصناعة التي يمكن أن ترضي حتى النباتيين"