0

عند البحث في السجل الأحفوري للأرض، نجد 5 انقراضات جماعية، آخرها قضى على عمالقة الأرض “الديناصورات”، ويُقال أننا في حقبة الانقراض الجماعي السادس الآن. على أي حال، إنّ مسألة الانقراض أو الخلود ليست موضوعنا، لكني رأيتها نقطة مهمة يجب إضافتها، فقد كشفت الطبيعة عن أسرارها الخاصة بالانقراضات، وكأنها تقول له:

“أيها الكائن الفضولي، التزم حدودك، ولا تتجرأ علي وإلا سيصبح مصيرك مثل مَن سبقوك!”

حسنًا، أتذكر في صفوف الثانوية، ربما السنة الأولى أو الثانية، في إحدى دروس القراءة (صدقًا لا أتذكر أي درس بالضبط)، لكن كانت هناك بعض السطور تفيد بأنّ الطبيعة أقوى من أي كائن آخر، ولا يقوى أي مخلوق على مجابهتها حتى الإنسان المغرور الذي ظن بعلمه وتطوره التكنولوجي أنه سيمسك زمام الأرض بيديه كما استطاع التحكم في بقية الكائنات.

لكن كلا، لن يحدث ذلك مهما حاول، فهو الطرف الخاسر في هذه المعركة، وإذا سئمت منه الطبيعة من فرط فساده فيها، سترد عليه الرد الحاسم، وهذا لن يضعف قوتها. إنها أذكى منا بكثير، وستَسترد عافيتها من جديد، وتفرش الحياة وردًا لكائنات أخرى تستقبلهم بصدر رحب، آملة أن يكونوا أفضل ممن سبقوهم. وكأنّ شيئًا لم يكن، تمامًا كما حدث مع – عمالقة الأرض – الديناصورات.

توحي المعلومات الموجودة في السجل الأحفوري برسائل خفية ترسلها الطبيعة لنا من حين لآخر، فقد وصل الفساد والتخريب فيها إلى ذروته، ولم ينتبه الإنسان إلى ذلك إلا منذ عقود قليلة، وعرف ذلك فقط عندما لاحظ التغيرات المناخية وانقراض الكائنات بغزارة وحدوث الكوارث العالمية التي يرجع منشأها إلى سوء تعامل الإنسان.

اقرأ أيضًا: شاهد: بث مباشر فائق الجودة للأرض من المحطة الفضائية الدولية

راشيل كارسون..ناقوس الصحوة الأولى

راشيل كارسون
راشيل كارسون.

عام 1962، أعلنت صحيفة نيويورك تايمز عن الكتاب الأكثر مبيعًا وقتها بعنوان “الربيع الصامت”، للمبدعة “راشيل كارسون”، وهي كاتبة علمية أمريكية وعَالمة أحياء بحرية، كانت تهتم بالكائنات الحية والطبيعة بشكل عام. بيع أكثر من 500 ألف نسخة من كتابها في 24 دولة حول العالم وقت صدوره. ما أتاح الفرصة لزيادة الوعي بالكائنات الحية وما تتعرض له وأثر ذلك على النظام البيئي. أوضحت راشيل في كتابها أثر المبيدات الحشرية المدمر على الطبيعة والإنسان، وأحدثت ضجة كبيرة، ثم رحلت كارسون بسلام عن عالمنا عام 1964، بعدما دقت ناقوس الصحوة الأولى ونشرت الوعي – بناءً على علمها ودراستها – حول القضايا البيئية.

أبولو 8..صورة شروق الأرض

شروق الأرض
شروق الأرض

في يوم 25 ديسمبر عام 1968، خرج مجموعة من رواد الفضاء من الأرض، وهم: فرانك بورمان وجيمس لوفل وويليام اندرس، ولأول مرة يدور الإنسان في مدار جرم سماوي آخر وهو القمر، والتقطوا صورة للأرض من هناك. سُميت هذه الصورة بـ”شروق الأرض”، وحصلت على إعجاب الناس، ومن هنا بدأت الحركات البيئية التي شجعت على الاهتمام بكوكبنا الرائع المتألق في الكون الفسيح.

اقرأ أيضًا: رفقًا بكوكبنا: أخطر 10 مشاكل تواجه البشرية في القرن الواحد والعشرين!

جايلورد نيلسون..شرارة الانطلاق!

جايلورد نيلسون
جايلورد نيلسون.

بينما كان السيد جايلورد نيلسون يراقب المهزلة التي تحدث في البيئة، شهد حادثة انفجار في سانتا باربرا بولاية كاليفورنيا، نتج عنها تسرب نفطي دمر البيئة هناك. لم يتحمل جايلورد أكثر من ذلك، استلهم فكرة من الاحتجاجات الطلابية المناهضة للحرب، وقرر أن يوجه طاقة هؤلاء الطلاب إلى الاحتجاجات المناهضة للوعي البيئي، واختار يوم 22 أبريل بالتحديد، لأنه يقع بين عطلة الربيع والامتحانات النهائية، ما يتيح فرصة مشاركة أكبر عدد من الطلاب. في تلك الأثناء، كان هناك شاب في مقتبل العمر يُدعى “دينيس هايز”، اتحد مع جايلورد، واستطاع جذب نحو 85 موظفًا في مؤسسات مختلفة للتضامن معهم.

امتد نشاطهم وأعطوا هذا اليوم اسم “يوم الأرض”، وما إن اطلقوه، اهتمت وسائل الإعلام الوطنية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، حفز هذا عدد كبير من المواطنين، يبلغ عددهم 20 مليون أمريكي (هذا العدد يمثل نحو 10% من سكان الولايات المتحدة وقتها) للنزول إلى الشوارع والمنتزهات للتظاهر، كما نظمت العديد من الجامعات احتجاجات ضد التدهور البيئي الناتج عن الصناعة بعد 150 عامًا من النشاط الصناعي بالولايات المتحدة. يضم الفيديو التالي بعض المقاطع المسجلة بخصوص انطلاق يوم الأرض وقتها:

لم يكن جايلورد هو المناهض الوحيد من أجل الوعي البيئي، كان هناك العديد من الجمعيات التي تحارب فساد البيئة بصورة فردية. منهم من يحارب المصانع الملوثة أو محطات الطاقة أو مياه الصرف الصحي أو المخلفات السامة أو المبيدات الحشرية أو تدهور الحياة البرية وغيرهم. توحدوا جميعًا في يوم الأرض عام 1970، وانضم إليهم صفوف الشعب المختلفة في اتحاد نادر الحدوث من أغنياء وفقراء، عمال وموظفين، سكان الحضر والمزارعين.

بحلول نهاية 1970، تحديدًا في 2 ديسمبر، كانت الحكومة الأمريكية قد استجابت للحركة البيئية التي حدثت في يوم الأرض، وأُنشئت وكالة حماية البيئة الأمريكية. وسُنت بعض القوانين البيئية الأخرى، منها: قوانين خاصة بالتعليم البيئي لتوعية الناس بالقضايا البيئية وقانون النظافة وقانون السلامة والصحة المهنية. وقانون الهواء. بعد ذلك بعامين، سن الكونجرس الأمريكي قانون المياه النظيفة وبعد عام آخر، صدر قانون حماية الأنواع من المهددة بالانقراض ثم قانون بخصوص أنواع المبيدات المختلفة، مثل: الحشرية ومبيدات الفطريات والقوارض. ساعدت هذه القوانين في حماية ملايين الناس من الأمراض، كما منعت انقراض مئات الأنواع من الكائنات الحية.

الوصول للعالمية

مع اقتراب عام 1990، وتوسع الاهتمام بالحركة البيئية، تواصل عدد من قادة جمعيات الحفاظ على البيئة مع هايز، وطلبوا منه التعاون لتجهيز حدثًا دوليًا كبيرًا في يوم 22 أبريل. في هذه المرة، رُفعت القضايا البيئية على المسرح العالمي، حيث تضامن 200 مليون شخص من 141 دولة، وأصبح يوم الأرض حدثًا عالميًا وحتى يومنا هذا يحتفل به العالم في كل عام في نفس الوقت. وفي عام 1992، نُظم قمة الأرض للأمم المتحدة في ريو دي جانيرو. حصل “جايلورد نيلسون” على تقدير كبير من العالم، ما دفع الرئيس الأمريكي وقتها “بيل كلينتون” إلى منح نيلسون وسام الحرية الرئاسي. وهو أعلى جائزة للمدنيين في الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضًا: لماذا اليوم الأزرق للمحيطات رغم أن الماء لا لون له

كيف تحتفل الشعوب باليوم العالمي للأرض؟

earth day

يحتفل الناس باليوم العالمي للأرض بطرق مختلفة كالتالي:

  • الولايات المتحدة الأمريكية: تتمثل طرق الاحتفالات في تقديم مجموعة من الدورات التعليمية حول الوعي البيئي، يحاضر فيها مجموعة من علماء البيئة، وهناك مَن ينظمون مسيرات.
  • الدنمارك: حيث يكون الاحتفال الرئيسي في ساحة كريستيانسبورغ في قصر كوبنهاغن، وتتضمن احتفالاتهم قرع الطبول، والمسيرات المطالبة بإنشاء المبادرات التي تسعى للحفاظ على البيئة وإبقائها خضراء.
  • اليابان: تحتفل اليابان بيوم الأرض لمدة يومين كل عام في حديقة “يويوجي” بطوكيو، حيث تُنظم العديد من الأنشطة العائلية الهادفة لزيادة الوعي البيئي هناك، ويذهب الكثير من اليابانيين للتضامن.
  • المملكة المتحدة: يُنظم هذا الحدث في العاصمة البريطانية لندن برعاية مجموعة من النشطاء والموسيقيين، وتُجمع الكثير من الأموال لصالح الجمعيات الخيرية التي تكافح ضد مشكلة التغير المناخي.
  • إسبانيا: تعقد مدينة غرناطة الإسبانية لقاء يتضمن مجموعة من الدورات وورش العمل تهدف لتعزيز البيئة ونشر الوعي حولها.
  • الهند: تقدم الهند مجموعة متنوعة من الأنشطة، وتشجع المشاركين على ارتداء اللون الأخضر، كما تقدم الدولة عروضًا تركز على حماية الفيل الآسيوي من الانقراض، لأنه على حافة الانقراض الآن.
  • سويسرا: تجمع مدرسة جنيف الدولية أموالًا لزراعة الأشجار في المناطق المحيطة بالمدرسة، كما توفر أنشطة كثيرة، مثل: ألعاب إعادة التدوير وأنشطة صديقة للبيئة.
  • كندا: تقدم العديد من المدن في كندا أنشطة ودورات تعليمية هادفة لزيادة الوعي البيئي.

وأخيرًا..يساهم اليوم العالمي للأرض في تذكير الناس بمشاكل البيئة، كما تُعزز فعالياته في بلدان العالم المختلفة فهم الناس للقضايا البيئية من خلال الدورات وورش العمل والأنشطة المصاحبة لهذه الاحتفالات. وهو يوم مفيد للبيئة على أي حال، إذ يقدم البشر للأرض بعض الهدايا التي تجعلها تتنفس من خلال زراعة الأشجار والنباتات والتخلي عن العادات الضارة لها.

مع ذلك، لا نستطيع جزم ما إذا كانت الطبيعة ستتقبل هذا اليوم من الإنسان، وكأنه اعتذار عما بدر منه طوال العام. ربما كائن صغير لا يُرى مثل فيروس كورونا، كان أفيد لها، إذ انطلق وقيد أيادي البشر عن العبث في الأرض قليل من الوقت، وكانت النتائج مذهلة. هل سيساعد اليوم العالمي للأرض في رد بعض من جميل الأرض علينا واحتمالها لنا؟ حسنًا، لا استطيع حتى قول (ربما). شاركني رأيك..

0

شاركنا رأيك حول "في محاولة تقديم اعتذار للأرض..تعرف على قصة اليوم العالمي للأرض ومظاهر احتفالاته"