أنقذوا رالف
0

تخيلي أن أحمر الشفاه الذي تتزينين به دفع ثمنه قبلك كائن حي بآلامه، وتخيل معي أن مزيل التعرق الذي تستعمله لتحافظ على رائحتك طيبة كان سببًا في موت حيوان بريء، وروح تتنفس وتحس وتتألم مثل البشر.. فكيف سيكون شعورك تجاه مستحضرات التجميل التي تستخدمها بشكلٍ يومي؟

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في إبريل الجاري تضامنًا واسعًا مع الحيوانات ضد استغلال شركات مستحضرات التجميل، وذلك بعد انتشار فيلم رسوم متحركة قصير تحت عنوان Save Ralph أي أنقذوا رالف وهو من إنتاج جمعية الرفق بالحيوان الدولية وهي مجموعة دولية لجمعية الرفق بالحيوان الأمريكية، تأسست في 1991، وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا في مختلف دول العالم، وتفاعلًا ملحوظًا بلغات متعددة.

اقرأ أيضًا:  تجربة مارينا أبراموفيتش: هل تؤدي الحرية المطلقة إلى كشف الجانب المظلم من الإنسان؟

أنقذوا رالف Save Ralph: الواقع تمثله كوميديا سوداء

يبدأ الفيلم بظهور أرنب بريء الملامح وتبدو عليه آثار الألم كأنه خرج لتوه من حادث أليم أو معسكر لتعذيب الحيوانات، في سياق تسجيل فيلم وثائقي معه عن حياة أرانب المختبرات، وهو ما جعلني أتساءل من أول وهلة، لماذا قد يعذبه أو يضربه أي شخص!

ثوان معدودة ويبدأ “رالف” في التعريف بنفسه وبالآلام التي يعانيها في جسده مثل فقده لعينه اليمنى، وتوقف قدرته على السمع بإحدى أذنيه، كل هذه التضحية من أجل الإنسان، الذي يُشعر “رالف” بالدونيه لأنه أرقى كائن حي عاش على الأرض، بل وتمكن من الوصول إلى الفضاء!

يواصل “رالف” حديثه مدعيًا أنه موافق على ما يقوم به من عمل، وأنه خُلق من أجل التجارب مثل أمه وأبيه وإخوته وأولاده، وسيموت مثلهم جراء استخدامهم كـ “أرانب للتجارب”، ويمكنك أن تلمس الكوميديا السوداء في حديثه حين يقول: “هذا ما يجعلنا نحن الأرانب سعداء”.

كيفية استغلال الحيوانات في اختبار مستحضرات التجميل

تُستخدم العديد من الحيوانات في التجارب من أجل إنتاج مستحضرات التجميل مثل الأرانب والفئران والكلاب، فيتم إطعامها قسريًا بمواد تدخل في تركيب المستحضرات التجميلية، وتُجبر على استنشاق مواد كيميائية، ويُفرك جلدها بعد حلقه لمدة قد تصل لأيام، مما ينتج عنه حدوث عاهات مثل فقد البصر وحروق بأجساد الحيوانات، كما قد تظل في معاناة مع الألم حتى تموت.

توضح دراسة بحثية صادرة عن المكتبة الوطنية الأمريكية للطب عام 2019 أن بيانات الحيوانات الأكثر استخدامًا في الأبحاث الطبية وإنتاج مستحضرات التجميل جاءت كالآتي: الفئران والأرانب بنسبة 72.8%، الأسماك 13.6%، والجرذان 6.3%، والطيور 3.9% والأنواع الأخرى مثلت 3.4%.

هناك عدة أنواع لاختبار منتجات التجميل على الحيوانات ووفقًا لموقع Animal Ethics تشتمل هذه الأنواع على اختبار درايز (وهو اختبار لقياس مدى سمية المواد الكيميائية بوضعها على جلد أو عين الحيوان)، واختبار السمية الحادة، وحساسية وتآكل وتهيج الجلد، والسرطنة، والسمية الإنجابية والنمائية (اختبار يقيس تأثير المواد الكيميائية على الخصوبة والأعضاء التناسيلة).

أنقذوا رالف
صورة من فيلم Save Ralph

كل هذه الاختبارات بما تتضمنه من حقن وحروق تقوم بها المعامل لقياس مدى أمان مستحضرات التجميل بالنسبة للبشر مثل: الماسكارا وكريم الأساس ومزيلات التعرق، والشامبو، وواقي الشمس، وغيرها من المنتجات التجميلية.

اقرأ أيضًا: فرانكشتاين والاستنساخ.. هل حقًا نستطيع استدعاء آينشتاين ونيوتن إلى الحياة مرة أخرى؟

مدى قانونية وأخلاقية تجريب مستحضرات التجميل على الحيوانات

من الناحية القانونية بدأ حظر بيع منتجات التجميل التي اختُبرت على الحيوانات في 2013 بدول الاتحاد الأوروبي، طبقًا لموقع the humane society، وهو ما مهد الطريق للجهود المبذولة للتشجيع على إنهاء استغلال الحيوان في تجارب مستحضرات التجميل.

وفي 2019 نجحت كاليفورنيا في إصدار تشريع ينهي بيع مستحضرات التجميل التي تُختبر على الحيوانات، فكانت بذلك أول ولاية أمريكية تنجح في هذا الأمر بعد سنوات من مطالبتها بإصدار تشريع مماثل.

وهو ما يعتبره الناشطون في مجال حقوق الحيوان انتصارًا كبيرًا وصياغة جديدة للتاريخ، خاصة وأن كاليفورنيا من أكثر الولايات اكتظاظًا بالسكان في أمريكا، وواحدة من أهم مراكز التجارة والاقتصاد في العالم.

وتدعم هيئة الدواء والغذاء الأمريكية FDA استخدام بدائل أخرى للحيوانات خلال إجراء اختبارات الأمان والسلامة على منتجات التجميل المختلفة، لكن هل تكفي القوانين والتوصيات الرسمية؟

رغم الجهود المبذولة في هذا المجال، تؤكد جمعية الرفق بالحيوان الدولية على أن الاختبار على الحيوانات ما زال قانونيًا في 80% من دول العالم، وهذا ما دفع نفس الجهة إلى إنتاج فيلم أنقذوا رالف Save Ralph للتوعية بخطورة الأمر وقسوته.

الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلوا مع الفيلم على الوسمين SaveRalph#، وanimaltesting#، ونددوا باستخدام الحيوانات كأداة للتجريب، وبينما رفض بعضهم التجريب على الحيوانات بشكل عام، رأى البعض الآخر أن التجريب على الحيوانات من أجل أمور سطحية مثل مستحضرات التجميل أمر قاسٍ ولا يمكن تبريره.

بالنسبة لي، عند التفكير في استغلال الحيوانات وتعذيبها لاختبار مستحضرات التجميل لا أستطيع إلا أن أتخيل دماء حيوان بريء في أحمر الشفاه، واستحضرت صرخات الأرانب والفئران عند استخدام الـ “شامبو” وواقي الشمس، وكذلك الحال فيما يخص “الماسكارا”.

على أي حال فإن قانونية التجريب على الحيوانات في بعض البلدان لا تعني أخلاقيته، ولذلك وُجدت حملات مثل أنقذوا رالف أو Save Ralph لحث المجتمعات والأفراد على القيام بدور إيجابي وفعال في مواجهة استغلال الحيوانات على وجه السرعة.

وسائل الضغط على شركات التجميل

الإيذاء الواقع على آلاف الحيوانات حول العالم، دفع المنظمات المهتمة بشؤون الحيوان إلى تشكيل ضغط على شركات التجميل التي ما زالت تستغل الحيوانات في مختبراتها ومصانعها، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

الفيلم القصير Save Ralph، هو جزء من حملة دعائية قامت بها جمعية الرفق بالحيوان الدولية لتشجيع البشر في كل مكان على توقيع تعهد إلكتروني ينص على الآتي:

“أؤمن أنه لا ينبغي على الحيوانات أن تعاني أو تموت من أجل اختبار سلامة مستحضرات التجميل أو مكوناتها، بل يجب أن تكون مواد التجميل خالية من القسوة، لذا أؤيد إنهاء اختبارات مستحضرات التجميل على الحيوانات، كما أؤيد منع بيع المستحضرات التي اُختُبرت على الحيوان”.

شجعت الحملة كذلك على مقاطعة المنتجات المُختبرة على الحيوانات وشراء منتجات cruelty-free أو خالية من القسوة، وهو ما لاقى تأييدًا واسعًا من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين تشاركوا العلامات التجارية لشركات التجميل التي تستغل الحيوانات للحث على مقاطعتها.

هل يوجد بديل عن استغلال الحيوانات؟

بدأت العديد من الشركات في التوجه إلى إنتاج مستحضرات تجميل دون استغلال الحيوانات، واتباع أساليب أخرى في التأكد من أمان وسلامة المنتجات، دون الإضرار بأي كائن حي، وتحمل هذه المنتجات علامات تدل على عدم استغلالها للحيوانات أثناء إجراء الاختبارات على مستحضراتها.

مستحضرات تجميل لم تختبر على الحيوانات
علامات تحملها المنتجات التي لم تستغل الحيوانات في إجراء الاختبارات المعملية.

بعضها شركات جديدة، وأخرى قررت أن تعدل من طرقها، مثل شركة يونيليفر الشهيرة، والتي أعلنت تضامنها مع حملة “أنقذوا رالف”، وافتخرت باستخدامها لأساليب بديلة للتجربة على الحيوانات على مدار أكثر من أربعين عامًا.

كما أن الحملات لمناهضة القسوة ضد الحيوانات تدعم باستمرار إنهاء التجربة على الحيوانات من أجل إنتاج مستحضرات التجميل، مثل مؤسسة Cruelty free international، والتي تقوم بجهود كبيرة في ذلك الأمر عبر منصاتها الإلكترونية.

كذلك، شجعت نفس الجهة شركات التجميل على البحث عن بدائل للتجربة على الحيوانات، عبر استخدام حوالي 20000 مكون موجود في قاعدة بيانات الاتحاد الأوروبي، من المكونات التي تتوفر بها عوامل الأمان والسلامة، مما يُغني عن إجراء تجارب على الحيوانات.

وأنت عزيزي القارئ إذا لم تحسم أمرك بعد في موقفك من التجربة على الحيوانات، فتخيل معي أنك أرنب سلبك أحدهم من أي حرية وقادك إلي مختبر مقيدًا قدميك، أو بالأحرى أقدامك، ثم بدأ في حقنك وحلقك وتعذيبك بطرق مختلفة، كيف ستشعر حيال ذلك؟  

اقرأ أيضًا: الإنسانية الغائبة في Humans of New York ! – قصص وعِبَر

0

شاركنا رأيك حول "“أنقذوا رالف”.. أن تكون دماء الحيوانات ثمن مستحضرات التجميل (الآمنة) 💔"