فهرنهايت451
0

451 فهرنهايت – Fahrenheit 451 هي رواية تراجيدية للكاتب الأمريكي راي برادبري – Ray Bradbury نُشرت في عام 1953 وتُعتبر من أفضل أعمال برادبري، وهي مقسمة لثلاثة أجزاء رئيسية، تصور رواية 451 فهرنهايت مجتمعًا مستقبليًا يقمع الفكر الحر عن طريق حظر الكتب وحرقها، يتم تعيين رجال الأطفال لإشعال النار في أي مادة مكتوبة قد يجدونها.

جاي مونتاج، هو رجل إطفاء بارع في عمله، وفي الزمن الذي يكون فيه الأدب على وشك الانقراض، تكون وظيفة رجل الإطفاء هي إشعال الحرائق بدلًا من إخمادها، وظيفته هي تدمير أكثر السلع غير القانونية، الكتب.

لا ينكر مونتاج أيًا من الخراب الناتج بسبب أفعاله، ويعود كل يوم راضٍ عن وظيفته إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي سيقابل فيه كلاريس ماكليلان ذات السبعة عشر عامًا، دون أن يدرك أن حياته على وشك أن تنقلب رأسًا على عقب.

رواية 451 فهرنهايت وإبادة الوعي البشري

هناك الكثير للتحدث عنه حول رواية 451 فهرنهايت لمؤلفها برادبري، أزمة السلطة والمعرفة، صراع الثقافات في المجتمعات البشرية، الحيل التي تقوم بها القوى السياسية لإبادة الوعي البشري، سنحاول تحديدًا أن نركز على: (التجربة الثقافية لبطل الرواية، جاي مونتاج، وكيف تمكن من مقاومة وكسر الحصار الأيديولوجي الذي فرضته السلطة السياسية وكيف كان الأدب الذي أثر في جاي سببًا في إنقاذ العالم).

اقرأ أيضًا:

السلطة السياسية، المعرفة والأفراد في رواية فهرنهايت 451

فهرنهايت451

شهد تاريخ البشرية سلسلة طويلة من الصدامات والصراعات افي أنواع مختلفة (دينية، ثقافية، أو اقتصادية) ما يميز جميع هذه المعارك هي إنها قامت على مبدأ الثنائية الإمبريالية (Binarism) وأنها جميعها تقريبًا ليست اشتباكات جسدية.

الأدب كما يُقال بشكل عام هو نشاط اجتماعي، تناولت أطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو العلاقة بين السلطة والمعرفة وكيف يتم استخدامها كشكل من أشكال الرقابة من خلال المؤسسات§ استنادًا لمظور فوكو، تستند السلطة غالبًا إلى المعرفة، من ناحية تستفيد السلطة من المعرفة، ومن ناحية أخرى تعيد السلطة إنتاج المعرفة من أجل تشكيلها وفقًا لنواياها ومعتقداتها الخاصة، وهكذا طور فوكو منهجية كاملة (الـ Genealogy) للتعامل مع السياق التاريخي ضمن نظرية السلطة والمعرفة.

اعتقد فوكو أن السلطة ليست ظاهرة خارقة للطبيعة بل إنها “موجودة في كل مكان في الحياة ومتأصله في الحياة الاجتماعية، الحياة في المجتمع ليست إلا آخرين يمارسون سلطتهم على آخرين”.§

يمكن القول إن فوكو يخلق نظامًا شبكيًا بين الأيدولوجيا والسلطة وتأثيرهما على الهوية بشكل الخاص والطبقة الاجتماعية بشكل عام، يفكك فوكو آليات السلطة على أساس السلطة في حين يعامل الأيدولوجيا (بالتالي المعرفة) على أنها تجريد لها.

إن أنماط فوكو المعرفية التي ذكرتها هنا أعلاه تعمل كتفسير جيد لرواية 451 فهرنهايت في سياق السرد السياسي، في رواية برادبري، ينكشف الوضع الإنساني للفرد في مكان أسوء من ممارسة السلطة المجتمعية عليه، بل يصبح البشر مجرد أدوات لتنفيذ رغبات الأيدولوجيا المسيطرة.

لم يكن جاي يؤدي وظيفة عادية Regular Job نجدها في أي مجتمع، بل كانت وظيفة تهدف تحديدًا لخدمة أيدولوجية السلطة المسيطرة على المجتمع.

“أولًا، أنا لا أكتب الخيال العلمي. الخيال العلمي الوحيد الذي كتبته هو 451 فهرنهايت وهو استناد للواقع، الخيال العلمي هو تصوير للواقع، أما الخيال هو تصوير للخيال” – راي برادبري.

رواية 451 فهرنهايت والتحريم المعرفي

تستند رواية 451 فهرنهايت إلى الواقع كما قال برادبري، إلى حدث حصل في خمسينيات الولايات المتحدة الأمريكية عندما ظهرت قائمة سوداء (عُرفت فيما بعد باسم Hollywood Blacklist) تضمن صانعي الأفلام والممثلين وكتاب السيناريو الذي اعتبرهم مكتب التحقيق الفيدرالي شيوعيين، بالإضافة إلى تطهير أعضاء هيئة التدريس في الجامعات لنفس السبب.

كانت الولايات المتحدة تحت حكم داويت أيزنهاور آن ذاك، مرشح الحزب الجمهوري اليميني، حولت سلطة أيزنهاور أفراد الـ FBI إلى أدوات لإيقاف انتشار الفكر المضاد لأيدولوجيته السياسية.

هذا تمامًا ما حدثت في رواية 451 فهرنهايت، تفرض السلطة السياسية أيديولوجيتها على مجتمعاتها، وتمنع المجتمع والأفراد من الحصول على المعرفة أو الثقافة، ويُنظر إلى قراءة الكتب على أنها نوع من الجريمة من قِبل السلطات.

هذا التحريم المعرفي يعيد تشكيل الوعي الفكري للمواطنين، ويتحولون من رغبة البحث عن متعة القراءة إلى:

كان من دواعي سروري إحراق الأشياء، كان من الجميل جدًا رؤيتها تسود وتتغير“.

بهذه الجملة الكارثية تبدأ 451 فهرنهايت للكاتب الأمريكي راي برادبري.

فهرنهايت 451
“كان من دواع سروري إحراق الأشياء” رسم كراكيتيري لماهية الكتب في عالم رواية فهرنهايت 451

اقرأ أيضًا:

ملتقى الموصل للكتاب: مبادرة ثقافية تعيد الكتب إلى الموصل بعد هزيمة داعش (حوار)

فردانية جاي مونتاج

برع الكاتب الأمريكي راي برادبري في استخدام الاستعارات في روايته، وتحديدًا استعارة طائر الفونيكس (العنقاء)، الطائر الأسطوري المصري، وهو الطائر الذي أحرق نفسه حتى الموت وعاد من رماده للشباب مرة أخرى، من خلال شخصية جرانجر، يعرب برادبري عن أمله في أن يستخدم الإنسان معرفته للولادة الجديدة، سنرى مثالًا على هذا في شخصية جاي الآن.

استخدمت العنقاء من خلال شخصيتين، الكابتن بيتي وجاي الذي كان يركب “سيارة فينيكس” ويرتدي قبعة بها علامة العنقاء على رأسه، بخبرة العمل الطويلة، كان لجاي الكثير من المعرفة بالماضي في رأسه، ولكن المأساوي أنه لا يعرف كيف يستخدم معرفته ويتعامل معها فقط على أنها مجرد فضول، هو فقط مهتم بالحفاظ على الوضع الراهن من الحرق بنقل رجال الإطفاء كل يوم.

عندما يقتل غي بيتي، سيكون موته رمزًا لإعادة الولادة المرتبطة بعلامة العنقاء التي ذكرناها، سينضم جاي إلى جرانجر وسيكون هذا بالنسبة لجاي ولادة جديدة لحياة فكرية جديدة.

بتوالي الأحداث يتشجع جاي في أن يقرأ عدة صفحات من كتابٍ كان أخفاه في الماضي ويقرأ:

“لا يمكننا تحديد اللحظة التي تتشكل فيها الصداقة، كما الحال في ملء وعاء قطرة قطرة، يوجد أخيرًا تلك القطرة التي ستملؤه”.

يشير جاي إلى أن هذا الاقتباس يذكره بالفتاة المجاورة، كلاريس ماكليلان، التي وصفتها بيتي أنها “قنبلة موقوتة” لأنها كانت شخصًا ناقدًا مستاءً من المجتمع، ولذا تم القضاء عليها من قبل المحكومة، قام مونتاج بخلق رابط عاطفي بينه وبين كلاريس.

وهو رباط صادق وحقيقي إذا ما قورن في عالم بلا مشاعر كعالم جاي، كانت العلاقة بين جاي وكلاريس هي أول “قطرة” بالنسبة لجاي، وفيما بعد كانت الأحداث التي تلت وفاتها سببًا أكثر لجاي كي يتساءل ويفكر أكثر، حتى انفصل تمامًا عن مجتمعه المريض في نهاية الرواية.

بعد عودة جاي من إحدى زياراته لفابر، يجد زوجته تتحدث هي واثنين من أصدقائها، حديث النساء في ذلك الوقت يعكس ضحالة تفكيرهم، وكونهن نتاج هذه الثقافة الفارغة فمناقشتهن للسياسة، على سبيل المثال، له علاقة بالتصويت لمرشح الرئاسة لأنه كان أجمل من خصمه الآخر، عندما يدخل جاي يكون لديه كتاب من الشعر، ما سيصدم زوار ميلدريد بحصوله على الكتاب، ستحاول حينئذ الزوجة التغطية على الكتاب بالقول أن جاي يسمح بإحضار الكتب كي يظهر للعائلة “مدى سخافة الكتب”.

في وقت مبكر من هذا الحدث في بداية الكتاب عندما يبدأ جاي بالشكل أول مرة، يستدعى وفريقة لمنزل امرأة أُكتشف أنها تمتلك بعض الكتب، رفضت المرأة أن تغادر منزلها واختارت أن تموت في النيران مع كتبها.

في طريق العودة لغرفة الإطفاء، ذكر جاي، الذي هزته التجربة، لبيتي الكلمات الأخيرة لتلك المرأة: “سيد ريدلي”، ويخبر بيتي أنها كانت تشير إلى نيكولاس ريدلي، أسقف لندن (لاحظ أن جاي لديه المعرفة)، في القرن السادس عشر، الذي قُبض عليه باعتباره مهرطقًا لسماحة للمعارضين بالتحدث بحرية.

لقد حُرق هو وزميله هيو لاتيمر، تذكرنا هذه القصة بفكرة فينيكس عن الولادة الجديدة، كانت وفاة المرأة عاملًا مهمًا لجاي بأن يتحقق من جديد بشأن الكتب.

كابوسية عالم بدون الأدب

يمكننا الآن أن نرى أن رواية 451 فهرنهايت للكاتب الأمريكي راي برادبري لا تتعلق فقط بمستقبل بائس وقاتم (بالرغم أن ذلك جزءُ منها) ولكنها تعني أكثر من ذلك: قيمة الأدب وضرورة المكتبات والمعرفة، إن الكابوس المستقبلي هو عالم بدون الأدب ومليء بالرقابة.

“اليوم يمكنك أن تكون سعيدًا حقًا، لا بأس القراءة غير مهمة، سيسمح لك بقراءة بعض الكتب المصورة أو المجلات التجارية” – رواية 451 فهرنهايت.

النقطة المهمة التي أثارها راي برادبري هي أن حياة الأفراد ستكون أكثر صعوبة حين يقرؤون فقط ما يسمح (أو يطلب) لهم قراءته:

“مونتاج، خذ كلامي على محمل الجد، كان عليَّ أن أقرأ القليل منها كي أعلم ما الذي أفعله: والكتب لا تقول شيئًا! إنها فقط عن أناس غير موجودين من نسج الخيال ليس بها أي شيء عما يمكنك تعلمه أو تصديقه، بل إذا كانوا غير خياليين فالأمر أسوء بكثير، أحد الأساتذة يلقب الأخر بالأخرق، وفيلسوف يصرخ في حنجرة الآخر، كلهم يركضون ويطفئون النجوم والشمس”.

الرسالة الأهم هي أن الأدب كان السبب الذي حرك مونتاج للتفكير وجعله يفكر بأن “هناك خطبٌ بالعالم“، للأسف لم يدرك سكان مدينة فهرنهايت غير المُسماه ذلك قبل أن يتم قصفهم بالصواريخ النووية، كانت تلك الضربة القاضية لموت طائر الفينيق والذي، كما يخبر جرانجر في نهاية الرواية، أنه سوف يولد من رماده مرةً أخرى.

لك أيضًا:

منها رواية الفك المفترس: تعرف على الكتب الأكثر شرًا في تاريخ البشرية ☠️

0

شاركنا رأيك حول "في رواية 451 فهرنهايت للكاتب راي برادبري: كيف يتحول الأفراد لمجرد أدوات؟"