العنصرية في أمريكا
0

في مطلع صيف عام 2020، استخدم الناس كلمة “Racism”، وهي تعني العنصرية، في محركات البحث. وحدث ذلك بعد حادثة مقتل الأمريكي جورج فلويد في 25 مايو 2020. مع العلم، كان ذلك الأمريكي من السود الذين يعانون من العنصرية. من ناحية أخرى، أشارت بعض الدراسات إلى أنّ السود يتأثرون بفيروس كورونا أكثر من البيض. هناك سؤال يراودني منذ فترة، لماذا نخاف من الأجانب؟ آه، صحيح، لقد اتُهم ترامب أكثر من مرة بالعنصرية. هذه كلها خطوط متفرقة، سنَربطها ببعضها ونكوّن حلقة منطقية الآن، باتحاد العلم والمنطق والتحليل والمعلومات التي بين أيدينا.

اقرأ أيضًا:  مالكوم إكس أيقونة النضال لأجل حقوق السود في أمريكا، ماذا تعرف عنه؟

الخط الأول.. جورج فلويد (ضحية 20$ أو العنصرية، أيهما أقرب)

لا أستطيع التنفس

كانت هذه إحدى عبارات مواطن أمريكي من أصل أفريقي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، إنه جورج فلويد الذي أحدث موته (أو بصحيح الكلمة مقتله) ضجة في الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع صيف 2020. تبدأ القصة في يوم 25 مايو، عندما دفع السيد فلويد -46 عامًا- عملة نقدية بقيمة 20$ لشراء علبة سجائر من متجر بقالة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. من سوء حظ جورج تقديم البائع لبلاغٍ يفيد بأنّ هذه العملة مزورة.

بينما كان فلويد يجلس مع اثنين من أصدقائه في سيارة متوقفة في الجوار، ذهب إليه ضابط يُدعى “توماس لين”، وسحب بندقيته ثم أمره بإظهار يديه ثم أخرجه من السيارة وقيده. بعد ذلك، قبض عليه بتهمة تمرير عملة مزورة. عندما أُمِر جورج بالدخول في سيارة الشرطة، بدأ الصراع، الذي برره فلويد فيما بعد بأنه يخاف من الأماكن المغلقة.

العنصرية في أمريكا
جورج فلويد قبل مقتله مباشرة.

سقط السيد جورج على الأرض. فما كان من الضابط الآخر “ديريك مايكل تشوفين” إلا أن مكث بركبتيه فوق رقبة فلويد، وهنا صرخ وقال: “لا أستطيع التنفس”. وقتها، رد عليه أحد الضباط قائلًا: “كف عن الصراخ، فالكلام يستهلك أكسجين”. تجمع العامة وطلبوا من الضباط الرحمة بهذا المسكين، لكن لم تُعرهم الشرطة اهتمامًا، وما هي إلا دقائق معدودة حتى لفظ فلويد أنفاسه الأخيرة. وعندما جاءت الإسعاف كان قد فارق الحياة.

عندما سُئل صاحب المتجر، محمود أبو ميالة، وهو مواطن أمريكي من أصل عربي فلسطيني، قال إنه لم يكن في المتجر يوم الحادث، كما أشاد أبو ميالة بالسيد فلويد وقال إنه كان رجلًا لطيفًا ولم يُحدث مشكلات من قبل قط، حتى أنه قد يكون لا يعرف أنّ هذه العملة مزيفة أصلًا. من ناحية أخرى، لقد شهد أحد أقرباء فلويد بأنّ تهمة التزوير لا تليق بالسيد جورج من الأساس.

الخط الثاني.. الأمريكيون السود أكثر عرضة لمخاطر فيروس كورونا

العنصرية

يواجه الأمريكيون السود مخاطر أعلى فيما يتعلق بفيروس كورونا المستجد، فهم لا يثقون بعلماء الطب، وظهر ذلك في استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث “Pew Research Center”، عندما وجد البالغين السود أكثر ترددًا في منح الثقة لعلماء الطب والحصول على التطعيم واستخدام العلاج الطبي التجريبي مقارنة بالأعراق الأخرى. هذا يدفعنا للتساؤل، لماذا يخافون هكذا؟ قبل الإجابة، لننظر إلى بعض الإحصائيات الصادمة:

  • يمثل الأمريكيون السود نحو 13% من نسبة سكان الولايات المتحدة الأمريكية، ويشير مشروع تتبع كوفيد إلى أنّ السود يمثلون نحو 24% من حالات الوفاة بالكوفيد منذ 2 يونيو 2020.
  • يمثل السود في ولايتي كانساس وويِسكونسن نحو 6% من سكان كل ولاية منهما، لكن تشير التقديرات إلى أنّ حالات وفاة السود بسبب الكوفيد تمثل 29% من وفيات كانساس و26% من وفيات ويسكونسن.
  • في ثماني ولايات، يمثل السود 12% من السكان، لكنهم 37% من الوفيات بسبب الفيروس.

عندما سُئل خبراء الصحة العامة عن هذه النسب الكبيرة، قدموا عددًا من التفسيرات، منها تطور الفيروس بمرور الوقت، وزيادة الأعراض المختلفة، مما يزيد من خطر الكوفيد، بالإضافة إلى العوامل الأخرى، مثل: العوامل الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن العنصرية وعدم المساواة التي تقلل من فرص السود في الحصول على الرعاية الصحية الكاملة مثل المواطنين الآخرين من البيض والعروق الأخرى. لذا، ليس من الغريب تزعزع الثقة بين السود والفئات الأخرى في المجتمع الأمريكي.. لكن الأمر ليس هكذا فقط!

اقرأ أيضًا: عن كيفية صنع ديكتاتور: كتاب يسرد تاريخ والد هتلر بشكلٍ لم يُطرح من قبل!

الخط الثالث.. العنصرية في أزهى عصورها، عن ترامب أتحدث

العنصرية
دونالد ترامب

“تشير التقديرات إلى أنه على الأقل 12 رئيسًا ممن حكموا الولايات المتحدة الأمريكية، استعبدوا السود بعنصرية”

في أكتوبر 2020، بينما يتصارع اثنان من البيض (ترامب وبايدن) على كرسي حكم أقوى دولة في العالم، سُئل كلاهما عن موقفهما من العنصرية التي طال أمدها في بلاد ترفع لواء الحرية. كانت إجابة بايدن هي نفس الإجابة المثالية التي تؤكد عزمه على مكافحة التفرقة والعنصرية. وعندما سُئل السيد ترامب -الذي لم يهتم قط بما يحتاجه السود- سرد مسيرته في النهوض بالسود.

“لم يقدم أحد للأمريكيين السود أكثر مما قدمت، باستثناء أبراهام لنكولن”

هذا ما قاله ترامب عن نفسه. فهو يرى أنه تفوق على رؤساء أمريكا السابقين في محاربة العنصرية، ويَستثني منهم “أبراهام لنكولن”، وهو رئيس أمريكي سابق، حكم أثناء القرن التاسع عشر، ويُعد أبرز المعارضين للسياسات التي تفرق بين السود والعروق الأخرى في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

حاول ترامب إظهار أنه فعل ما لم يفعله أحد قبله، لقد انخفضت نسبة البطالة في مجتمع السود الأمريكيين بالفعل حتى فبراير 2020 (بداية الجائحة). هل هذا مؤشر جيد؟ حسنًا، أعترف أنه تفوق على رؤساء سابقين في خفض نسبة البطالة لهذا الحد. (هيا نصفق لترامب) لكن لحظة بالنظر إلى هذه الوظائف التي شغلها السود، نجد أنها تتركز في القطاع الأدنى، أي أنها غير مجزية الأجر، حتى إنّ أغلبهم لا تكفيهم رواتبهم للإنفاق على أسرهم. كما أنها لا توفر مزايا الإجازات المرضية ولا تتحمل التأمين الصحي. (لا داعي للتصفيق لترامب).

تضمنت خطة ترامب خلق أعمال لتدعيم شركات السود، لكن تشير المصادر إلى أنه أكثر من 90% من شركات السود رُفض تمويلها، مما أدى إلى إغلاق نحو 40% من هذه الشركات خلال فترة الجائحة. وتشير التوقعات إلى أنه حتى إذا قُبلت طلبات السود، ستكون الفوائد أكبر من شركات البيض. بعبارة أخرى، خطة ترامب لم تكن عادلة من الأساس.

من ناحية أخرى، تُشير التقديرات إلى أنّ جرائم الكراهية زادت بنسبة 200% في عام 2016 أثناء الانتخابات الرئاسية (التي فاز فيها ترامب). وفي نفس العام، قال ترامب في بيان موجهًا كلامه للأمريكيين السود: “ماذا لديكم لتخسروا؟” وفي هذه العبارة تقليل واحتقار من شأن السود.

اقرأ أيضًا: جرائم الكراهية: حجر الرحى التي تدور فتلتهم الجميع!

الخط الرابع والأخير.. العنصرية غير الواعية ونظرية الهوية الاجتماعية

لنعود بالزمن إلى الوراء، في عام 2001، تحديدًا بعد أحداث 11 سبتمبر، بعدها أبلغ مركز العلاقات الأمريكية الإسلامية في العاصمة الأمريكية واشنطن عن 1700 حالة اعتداء ضد المسلمين. وهذا يتفق تمامًا مع مَثل “الحسنة تخص والسيئة تعم”.

إنّ الاضطهاد البشع الذي تعرّض له المسلمون وقتها، كان نتيجة حالة نفسية يُطلق عليها “رهاب الأجانب”، حيث يميل البشر إلى تكوين مشاعر الكره تجاه الغرباء أو الدخلاء خلال ساعات قليلة. ربما لأن الغرباء أشخاص مجهولون. بالرغم من الدعوات الكثيرة لمنع العنصرية حول العالم إلا أنّ البشر مُهيأون نفسيًا لإظهار الكراهية والخوف من الأجانب، حتى وإن تخفوا وراء شعار (لا للعنصرية!).

من ذلك نخلص إلى أنّ ما يعانيه السود من العنصرية أمر طبيعي، حتى وإن كان في بلدٍ شعارها الأول هو الحرية. وما يؤكد ذلك، ما حدث منذ عام 1942، عندما أُسر نحو 120 ألف من الأمريكيين الذين تعود أصولهم إلى بلاد اليابان دون إدانة.

في هذا الصدد، أُجريت تجربة في إحدى المدارس، حيث فصلت المُعلمة الطلاب ذوي العيون الزرقاء عن الآخرين ممن يمتلكون عيونًا خضراء وبنية، وأعطت أصحاب العيون الزرقاء امتيازات خاصة، وكانت تردد أنهم الأعلى شأنًا من الآخرين. مرَّ أسبوعان، وانقسم الفصل إلى حزبين، واستاء الحزبان من بعضهما. نسيت أن أذكر معلومة مهمة، لقد كان الأطفال في الصف الثالث الابتدائي!

ما معنى هذا؟ حسنًا، هناك نظرية تُعرف بالهوية الاجتماعية، وهي تفيد بأنّ البشر لديهم دافع داخلي إلى تقسيم العالم. لأبسط لك الأمر بعيدًا عن أحاديث السيكولوجية العميقة. هناك مَثلٌ مصري يقول: (أنا وابن عمي على بعض.. أنا وابن عمي على الغريب)، بمعنى أنه قد تنشأ مشكلة عائلية بين شخص وابن عمه، وتنقسم العائلة إلى قسمين، ويميل كل قسم فيهما إلى تمييز نفسه عن الآخر. بينما إذا جاء شخص غريب وألحق ضررًا بأحد أفراد العائلة، حتى وإن كان هناك تاريخ للخلاف، تتحد العائلة ضد الغريب هذا.

في كلتا الحالتين يحدث الانقسام، فابن العم ليس قريبًا كالأخ والأب والأم مثلًا، فيُفضل الشخص التحيز لعائلته، في نفس الوقت، إذا جاء دخيل، يتحد الشخص مع ابن عمه الذي هو مثله ضد الغريب، فهما في النهاية العائلة، بينهم جينات مشتركة.

هذا ما يحدث عندما يعيش البشر مع أناس مختلفين عنهم في اللون أو الشكل أو الثقافات أو الأديان. حتى وإن دعت كل المبادئ إلى حسن معاملة الغرباء، سيظل هناك دافع داخلي يدفع البشر إلى التحيز والانقسام، ربما للرغبة القوية في إبقاء جيناتهم والحفاظ على عروقهم.

هنا تكتمل الحلقة.. فلويد وكورونا وترامب والعنصرية 

بدءًا من حادثة جورج فلويد، لم يرض عنها أحد، تشير بعض المصادر إلى أنّ فلويد كان يعمل حارسًا في مكانٍ عمل فيه أحد الضباط الذين تسببوا في قتله، لكن لا أحد يعلم إذا كان الأمر عداءً شخصيًا أم أنها هي العنصرية التي رسخت في المجتمع الأمريكي منذ وقت طويل، ففي حالة السود تحديدًا، لا يمكننا غض الطرف عن تاريخ الولايات المتحدة، عندما كانوا يأتون بأهل العرق الأسود من أفريقيا كعبيد للأوروبي الأبيض. لقد زعم البعض أنّ السود ليسوا بشرًا، وهذا ادعاء ظالم -طبعًا- كما أنه مهين.

حسنًا، يشهد تاريخ الولايات المتحدة على عدد كبير جدًا من الجرائم التي ارتُكبت بحق السود، ليس السود فقط بالمناسبة، بل ضد الكثير من المجموعات العرقية المختلفة. لكن لنُركز أكثر على حالة اضطهاد العرق الأسود. لقد تعرضوا للعنصرية كثيرًا، وهذا ظهر في استطلاع أُجري لمعرفة ما إذا كانوا على استعدادٍ للمساهمة في تجارب اللقاح أو يريدون الحصول عليه، وجاءت الإجابة من أغلبهم أنهم لن يتعاونوا في هذا الأمر! ليس شرًا منهم، بل لتزعزع الثقة نتيجة أفعالٍ غير آدمية تعرضوا لها منذ وقتٍ طويل.

فقط تخيل أن يُلقنك والداك كل يوم درسًا يفيد بأنّ هناك مجموعة من الناس قد يتسببوا في إيذائك دون سبب، فلا تقترب منهم قدر الإمكان. هذا ما يرسخه الآباء السود في الأبناء! ربما يكون رهاب الأجانب شافيًا لبعض الفئات، لكنه ليس مبررًا كافيًا أمام عدالة الإنسانية. لقد زادت حالات وفيات السود بسبب كورونا المستجد. وجد العديد من الرؤساء لذة في العنصرية ضد المجموعات العرقية. توفي شخص بسبب عدم الرحمة، وفقدان معاني الإنسانية.

ربما نحتاج إلى علاج سلوكي للتخلص من حالة رهاب الأجانب التي يتخذها البعض حجة لممارسة ما يحلو له بدافع الكراهية. لكن قبل هذا، نحتاج التفكر في معنى الإنسانية وإدراكها جيدًا.. وقتها فقط، ربما، ربما لن يعاني أحد!

اقرأ أيضًا: قصص العبودية والاضطهاد لأصحاب البشرة السمراء: روايات توثق جرائم الرق

0

شاركنا رأيك حول "هنا تكتمل الحلقة.. عن رباعية فلويد وكورونا وترامب والعنصرية!"