كتاب امرأة في برلين
0

امرأة في برلين – A woman in Berlin كتاب يلقيك في قلب المأساة، التي مهما قرأت عنها أو شاهدتها في أفلام سينمائية فأنت لم تتخيل كل هذا القبح بهذه التفاصيل من قبل.

تتوقف معلوماتي عن برلين الحرب العالمية الثانية عند هزيمتها واستسلامها، ثم بتقسيمها إلى برلين الغربية والشرقية، ولكن ماذا عن الفترة الوسيطة بين هاتين المرحلتين؟ هناك عدة أسابيع ضائعة في سرد حكاية هذه المدينة، والتي تكملها كاتبة هذا الكتاب المأساوي، عبر قصة 8 أسابيع في المدينة المحتلة.

امرأة في برلين

امرأة في برلين
غلاف كتاب امرأة في برلين (الطبعة العربية)

عتبة هذا النص أو عنوانه “امرأة في برلين” مجهول تمامًا، هي قصة امرأة في برلين، ليس بالضروري أن تكون هذه المرأة هي الكاتبة، بل تقريبًا قصة كل امرأة عاشت في برلين خلال هذه الفترة. معاناة جماعية لجنس كامل تُرك في مواجهة وحشية الجنود المتضررون بدورهم من حرب طويلة وعنيفة، وكيف استطاعت هؤلاء النساء النجاة واستغلال إرادة الحياة للخروج سالمات جسديًا وإن ليس نفسيًا بالتأكيد.

بطبيعة الحال، يستشف القارئ أن هذه المرأة خاصة بشكل ما، قدراتها على الكتابة والتعبير، وثقافتها الواضحة، تجعلها في موضع يسمح لها بتمرير هذه الخبرة المروعة عبر الكلمات، ولكن هذه الخصوصية لم تعطها مزايا إضافية في مواجهة الهول القادم على المدينة.

اقرأ أيضًا:

الكاتبات والوحدة.. نساء جمعت صرخاتهن الروائية نورا ناجي عبر التاريخ الأدبي

رعب من نوع خاص

فيلم امرأة في برلين
لقطة من فيلم امرأة في برلين

امرأة في برلين كتاب يمكن وضعه في نفس الرف مع كتب الرعب، ولكنه رعبًا ليس من نسج الخيال، بل من واقع عاشته ملايين النساء على مر التاريخ، ولكن ربما لم يكتب بشكل أدبي ومحكم بهذه التفاصيل إلا في هذا الكتاب.

لا تعد الفصول الأولى من الكتاب القارئ لما هو قادم، فيطمئن لأن القصة تحمل بالتأكيد علامات الحرب الحزينة، وافتقاد أبسط سبل العيش الإنسانية، وسكان المدينة مهددة حياتهم بالموت في كل وقت، ولكن يظن أن تلك نهاية المطاف، قصة كر وفر ومحاولات بشر للنجاة بحياتهم.

حتى تظهر الحقيقة بالتدريج، هو ليس قصة كل السكان، ولا قصة كل المدينة، إنها قصة نساء المدينة، اللواتي أخذن غنائم حرب في العصر الحديث، وبدأت حملات جماعية من الاغتصاب على كل من تبدو مؤنثة، ووضعها الرجال قربانًا لينجو بحياتهم.

وبعد الصدمة الأولى والاغتصاب الوحشي الذي تتعرض له الكاتبة وغيرها، تبدأ الرحلة الأكثر حزنًا، وهي الحيلة الدفاعية الشهيرة التي قامت بها النساء على مر تاريخهن المكتوب بالعنف، “المواءمات” ومحاولات التخطي، والحفاظ على أقل القليل من كرامة الجسد والروح، اختيار رجل واحد أكثر نفوذًا ليصبغ الحماية على كل امرأة وحيدة.

برلين المحتلة عادت بسكانها إلى حياة الكهوف، عندما كانت المرأة الضعيفة جسديًا تحتاج لحماية من الاغتصاب، وتكون هذه الحماية في الاندماج تحت حماية أقوى رجل في محيطها، وتلك الحيلة اضطرت إليها نساء برلين للحفاظ على البقية الباقية من آدميتهن، في ظل الاغتصاب المتكرر من كل جندي روسي عابر.

تدرج وعي النساء -بما فيهن البطلة- في الوصول إلى هذا الحل كانت أكثر لحظات الكتاب رعبًا، خاصة عندما توصلت إليه كقارئة قبل الوصول ليه في النص، شعرت بالخوف ليس على مصير نساء برلين فقط، ولكن على التردي الذي يمكن أن تصل إليه الطبيعة البشرية وتخليها السريع عن كل قناعات الحضارة الزائفة في ظرف أيام قليلة.

رعبت عندما تماهيت مع البطلة لثواني، ووضعت نفسي مكانها، هذا الرعب الذي يبدو بعيدًا الآن، هو قريب للغاية، وحلوله معروفة لم تتغير منذ بداية الزمان بالنسبة للمرأة.

المدينة تتبرأ من نسائها

رواية امرأتان
رواية امرأتان للكاتب ألبرتو مورافيا

وعلى الرغم من كون المأساة حدثت تحت مسمع وبصر كل من في المدينة، إلا إنها تدخل في نفس السيرورة القديمة التي عانتها النساء على الدوام، عبر إدانة رد الفعل وليس الفعل، إدانة محاولات التشبث بالحياة، وذلك ما نقرأه من النص وخارجه.

في النص حبيب الكاتبة والراوية يعود بعد غياب طويل، ولكنه يلومها على تغيرها الواضح بعد حوادث الاغتصاب التي تعرضت لها ومحاولات النجاة، يؤنبها لأنها لم تعد خجولة كما كانت وتتحدث عن مأساتها بأريحية، ثم يتركها ويذهب، ومن خارج النص بقراءة بسيطة عن ردود أفعال ما بعد نشر الكتاب بدون اسم الكاتبة مارتا هيلرز نكتشف أنه لاقى هجومًا كبيرًا، مع اتهامه بأنه يسيء لسمعة نساء برلين، فلم ينشر مع اسم كاتبته إلا بعد وفاتها.

هذا الهجوم هو جزء من ذات السيرورة التاريخية، المجتمع البرليني لم يحاول حماية نسائه، بل ضحى بهن في سبيل النجاة من رعب الاحتلال، ولكن هذا المجتمع يرغب في الاحتفاظ بصورته الزائفة عن نفسه والتي حطمها الكتاب، وبالتالي أدان الكاتبة، وأدان النساء لأنهن الطرف الأضعف في كل معادلة.

امرأة في برلين ليس الكتاب الوحيد الذي يتناول قصة النساء المغتصبات خلال الحروب، ولا حتى خلال الحرب العالمية الثانية فقط، فعام 1957 نشر ألبرتو مورافيا روايته “امرأتان” عن سيدتان أخرتان، أم وابنة يهربان من الحرب في روما، يلوذان بإحدى القرى الجبلية محتميتان بالمال الذي جمعته الأم خلال عملها بعد وفاة الأب.

ومع نهاية الحرب، تحاولان العودة إلى المنزل وروما، ولكن في الطريق تتعرضان إلى الحادثة التي تغير حياتهما، على أيدي مجموعة من الجنود، لتعاني المراهقة الصغيرة من كرب ما بعد الصدمة الذي يدفعها إلى التخلي عن كل الأخلاقيات التي تمتعت بها مسبقًا ولم تحمها من الاغتصاب هي وأمها في أرض الكنيسة المقصوفة.

وفي الرواية تعود الأم وابنتها إلى روما مهزومتان مثل المدينة، ومثلما حدث في كتاب امرأة في برلين لم تبالي المدينة بسكانها بمآساة نسائهم، فالمهم هو الحياة، المهم هو الغد، وهو ما دفع كاتبة امرأة في برلين إلى أن تنهي كتابها أو مذكراتها ما أن انتهى الحصار، وبدأت في جمع أشلاء حياتها، والعمل من جديد، فكل من الكتابين كما كانا صرخة ألم، يركزان بالأساس على التشبث بالحياة مهما كانت ويلاتها.

لك أيضًا:

النسخة الأنضج من إيزابيل الليندي تعيد سرد التاريخ في سفينة نيرودا 

0

شاركنا رأيك حول "امرأة في برلين: نساء المدينة المحتلة قرابين بشرية مدانة حتى الموت"