ستالين الطيب: رواية عن خبايا الاتحاد السوفيتي من قلب الكريملين ذاته..
0

رواية ستالين الطيب – Good Stalin (الصادرة عن منشورات كيكا، وترجمها إلى اللغة العربية خالد الجبيلي) مستوحاة من تجربة الكاتب فيكتور إيروفييف الحقيقية مع خبايا وأسرار الاتحاد السوفيتي والوجه الآخر للديكتاتور ستالين، فقد كان والد الكاتب يعمل كمترجم فوري إلى الفرنسية للديكتاتور.

لدينا في التاريخ الكثير من البشر الذين تم تصنيفهم على أنهم جبابرة الأرض، وذلك امتدادًا منذ بدء تدوين التاريخ الإنساني نفسه، وحتى وقتنا الحاضر. الجبابرة صفاتهم ثابتة: الظلم، القهر، العدوان، الديكتاتورية، سلب الحريات، قمع الإبداع، والكثير من الأشياء بالمنتصف.

وإذا أردنا الحديث عن شخص ظهر من الخارج عكس كل تلك الصفات، بينما من الداخل احتواها؛ فيجب أن نأتي على ذكر ستالين بالطبع، زعيم الاتحاد السوفيتي الذي أثر في روسيا لسنين طويلة، وبات الرمز غير الرسمي للاشتراكية.

سياسات جوزيف فيساريونوفيتش ستالين استطاعت أن تجعل الجميع في خوف منه، حتى الحلفاء كانوا مرتعدين من ردود أفعاله غير المتوقعة، وكذلك رفاقه في الحكم، ببساطة لم يكن هناك شخص لم يبجل هذا الزعيم إلا بدافع الخوف، وسياسة الترهيب كانت ناجعة جدًا في فترة حكمه فعلًا، ولهذا عرَّفه التاريخ على أنه ديكتاتور.

التاريخ تسرده النوازع الشخصية

لكن كما نعلم جميعًا، فالتاريخ لا يُسرد بقلم المؤرخين فقط، بل بنزعاتهم الشخصية كذلك. فبالرغم من كون ستالين شخصية مكروهة على مستوى العالم لعقود خلف عقود، هناك من ظهروا وقالوا إن العكس كان الحقيقة؛ إن هذا الديكتاتور المزعوم، طيب، وكانت لديه مآرب إصلاحية للاتحاد السوفيتي، بغض النظر عن المجازر التي ارتكبها في الفقراء بجرّة قلم بداخل مكتبه العملاق.

ستالين

أحد تلك الكتب (وأحدثها من حيث الترجمة إلى الإنجليزية) هو الكتاب الذي سنتحدث عنه اليوم، إنه كتاب عن ستالين الطيب – Good Stalin، مسرود بقلم فيكتور إيروفييف وهو كاتب مرموق، عمل والده في نفس مكتب الزعيم السوفيتي الشهير، وكانت له ذكريات متضاربة بين كونه ابن أبرز أعضاء الـ номенклату́ра (بالروسية تعني نخبة النخبة في إدارة الحزب الشيوعي السوفيتي) من جهة، وكونه صاحب موهبة واعدة في الأدبيّات التي كان يمقتها الحزب من جهة أخرى.

فما هي قصة الوجه الآخر لديكتاتورنا الشهير يا ترى؟

  • ملاحظة: على مدار المقال سنقدم مجموعة اقتباسات على لسان ستالين ذاته.

في رواية ستالين الطيب وجه آخر للديكتاتور

في الواقع، الكتاب ليس سرديًّا بالطريقة التقليدية كما تتوقع، فهو مسرود في صورة رواية ذات محاور وأبعاد: بداية ومنتصف ونهاية، العناصر الروائية كاملة هنا، وهذا ما يجعل الأمر مشوقًا. لكن الذي يدفع رواية (ستالين الطيب – Good Stalin) إلى رفوف المكتبات دفعًا بينما نتحدث، هو أنها مبنية على قصة حقيقية؛ فهي رواية تجمع بين السيرة الذاتية، أدب الاعترافات، وكذلك الدراما الواقعية.

أنا لا أثق في أحد، ولا حتى نفسي. _ من أقوال ستالين.

بطل القصة هو فيكتور يايروفييف الكاتب الروسي الشهير، والذي يتصادف أنه ابن فلاديمير يروفيف، أحد أهم أعضاء الـ номенклату́ра سابق الذكر. حتى أن البطل تفاخر في صِباه بمنصب والده، حيث عندما كان يمر بجانب مبنى الكريملين مع رفاقه، يتباهى بأن والده يعمل في ذلك المكان، مباشرة بجانب الرفيق ستالين نفسه، ليساعده في إدارة شؤون الحزب، وبالتبعية البلاد كلها.

غلاف رواية ستالين الطيب للكاتب فيكتور إيروفييف
غلاف رواية ستالين الطيب للكاتب فيكتور إيروفييف

لكن المشكلة هي أنه عندما كبر الفتى، كبرت معه الآمال والطموحات، وتضاخمت في أروقة عقله الكلمات والسطور، وأراد أن يضرب باب القفص ويهرب، وهذا ما فعله بدون شك، إنها روح الشباب على كل حال.

في ذلك الوقت أدرك الفتى فيكتور إيروفييف فداحة ما فعل، لم يرد الاتحاد السوفيتي الأدب بكل صوره، كانت سياسته قمعية بالكامل، ولذلك خسر الوالد عمله في الكريملين، وبات من المنبوذين في البلاد، وكان محظوظًا لأنه لم تتم تصفيته هو وابنه (وهذا متوقع بشدة في ذاك الوقت بالمناسبة).

على الجانب الآخر من المعادلة، يسلط الكاتب فيكتور إيروفييف ضوء سطوره على التناقض الواضح بين تفكيره في الماضي والحاضر، وبالتحديد تفكيره في الفترة التي شهدت التزعزع الملحوظ بين الانتماء الأعمى للحزب تارة، والتصادم معه تارة أخرى.

ستالين الطيب رواية للكاتب فيكتور إيروفييف عن خبايا الاتحاد السوفيتي

الجدير بالذكر أنه تُرجمت الرواية إلى العربية على يد خالد الجبيلي، منشورة من قِبل دار منشورات كيكا للنشر والتوزيع، وموجودة حاليًّا في مختلف المكتبات المحلية والعالمية.

اقرأ أيضًا:

لماذا عليك قراءة رواية ستالين الطيب للكاتب فيكتور إيروفييف بالذات؟

السبب الأول بالطبع يرجع لكونها رواية (بدلًا من تقديم كتاب تاريخي ممل)، والثاني لكونها مسرودة بقلم شخص عاش التنازع الفعلي بين الانتماء والترك، ولديه حصيلة خبرات وذكريات حقيقية لم تُسرد في الكتب ولم يشعر بها إلا من عاش في تلك الفترة، واحتكّ مباشرة بالرموز السياسية العملاقة فيها.

لكن بين هذا وذاك، السبب الحقيقي هو مطالعة جزء من التاريخ غير المسرود في الكتب أو المقدم في اللقاءات الصحفية. في العادة ما يتم إظهار كل شيء للناس من قِبل الميديا حسب الطريقة التي يريد الناس بها استقبال الشيء من الأساس. فمثلًا إذا أراد الناس أن يظهر هذا الشخص في صورة جيدة (بينما هو شخص سيئ في الواقع)، ستقوم الميديا بالرضوخ للناس، لحصد المشاهدات والشهرة، إنها قاعدة عامة.

نحن لا نسمح لهم بامتلاك الأفكار، لماذا نسمح لهم بامتلاك الأسلحة؟ _ من أقوال ستالين.

لذلك الحياة التي عاشها ستالين كديكتاتور، تم تخليدها في التاريخ بشكلٍ مأساويّ نظرًا للفظائع التي ارتكبها في حق الإنسانية، وكلها قامت بردم وإضاعة اللحظات الإنسانية في حياته، وهنا يأتي دور الكتاب، حيث يمسك المؤلف العصا من المنتصف، ويقدم لنا وجبة درامية-واقعية مثيرة للانتباه فعلًا.

الوجه الآخر للزعيم

ويجب التنويه على أن ذكر اللحظات الإنسانية في حياة البشر قساة القلوب، لا يغفر بأي حال من الأحوال الفظائع التي ارتكبوها في تاريخهم. ستالين مجرم حرب، الأمر منتهي، لكن هذا لا يمنع طمس كل شيء إيجابي أو إنساني قام به بشكلٍ متواتر على مدار حياته، خصوصًا تجاه أعضاء الكريملين، وعلى وجه التحديد المقربين منه على المستوى الشخصي.

إذا نقلنا الدفة إلى صناعة التلفاز، سنجد أن مسلسل Chernobyl المقدم من شبكة HBO الرائعة، طرح وجهة النظر الأمريكية لانفجار مفاعل تشيرنوبل، وغرق بيلاروس في الإشعاع لفترة طويلة، بل وكون ذلك أحد الأسباب الرئيسية في تفكك الاتحاد السوفيتي تمامًا بعد سنوات قليلة. لكن هذا في النهاية مجرد وجهة نظر واحدة للحادث، الوجهة الأمريكية بمعنى أصح. لذلك من المرحب به جدًا في المجال أن تقوم روسيا بتقديم رؤيتها الخاصة للعمل، وكل شيء يوضع على طاولة النقد بنهاية المطاف.

اقرأ أيضًا:

القوة الحقيقة تأتي من البندقية الطويلة. _ من أقوال ستالين.

أعتقد أن الهدف الرئيسي من هذا الكتاب ليس تقديم سيرة ذاتية كما يتم الترويج له، بل إظهار الوجه الآخر للعملة، ومحاولة إقناع الناس أن الإنسان به كتلة مختلطة من الألوان، تظهر مجملًا بالرماديّ، به الغثّ والسمين.

هنا يمكن القول إن شرور الإنسان لا تعني بالضرورة عدم وجود محطات إنسانية في حياته، وقداسة الإنسان لا تعني بالضرورة عدم وجود سقطات لا تغتفر في حياته.

ستالين في الزي العسكري - بعيدًا عن الشعارات الرنانة للاتحاد السوفيتي رواية للكاتب فيكتور إيروفييف

في بعض أجزاء الرواية، يقدم الكاتب شخصية ستالين على أنه أبّ فعلًا، بعيدًا عن الشعارات الرنانة للاتحاد السوفيتي بكونه الأخ الكبير والحامي الأوحد، إلخ. لدينا نظرة شخصية لستالين هنا، وهي حقًا نظرة ستعمل الكثير من الصحف والمجلات على منع ظهورها للنور عبر التغطيات الصحفية والإعلامية المطلوبة، ليبقى الديكتاتور هكذا في عقول الناس للأبد، وكأن القرّاء حمقى لدرجة تجعل قلوبهم تلين تجاه مجرم حرب لمجرد أنه كان عطوفًا تجاه أحد المقربين إليه مثلًا.. الأمر كوميدي فعلًا.

اقرأ أيضًا:

ستالين بعيون الأدب

في السطور التالية يرشح لكم فريق الكتب بأراجيك مجموعة أعمال أدبية قدمت شخصية ستالين للجمهور بأكثر من شكل وصورة، ويمكن لها أن تطلعكم على المزيد من الخبايا والأسرار التي طالت حياة أشهر من ترأس منصب السيكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي منذ تأسيسه.

ستالين الصغير – Young Stalin

ستالين الصغير كتاب معلوماتي هام من تأليف سايمون سيباغ. يتحدث الكتاب بالمجمل عن الكثير من المحطات الهامة في حياة ستالين منذ الصِبا وحتى كونه زعيم الاتحاد السوفيتي الذي نعرفه اليوم.

من ضمن تلك المحطات لدينا الدراسة في الكنيسة لبدء مسار مهني في سلك القساوسة، الكتابة الشعرية الرومانسية، التخطيط الإجرامي للعصابات، الرومانسية الفيّاضة في العلاقات الحميمية، التفكير الثوري باستخدام الترهيب والقتل، وبالتأكيد عدم إظهار الرحمة تجاه الخصوم السياسيين.

غلاف كتاب ستالين الصغير - Young Stalin.
غلاف كتاب ستالين الصغير – Young Stalin.

كلها مراحل عملت على تشكيل ستالين بالكامل، ولذلك يعتبر الكتاب واحدًا من أكثر الأعمال شمولية تجاه الاتحاد السوفيتي على وجه العموم، وتجاه هذا الشخص على وجه الخصوص.

المجاعة الحمراء – Red Famine

المجاعة الحمراء (تعرف باسم هولودومور)، هي المجاعة التي ضربت أهل الاتحاد السوفيتي في الفترة من 1932 وحتى 1933، والتي تمثلت في حرمان البلاد من استيراد المنتجات، وتقييد حركة المواطنين، ومنع وجود السوق السوداء والتهريب الداخلي، وحجب كل وسيلة نجدة ممكنة لشعب أوكرانيا، مما أدى إلى وفاة الملايين في أقل من عام.

غلاف كتاب المجاعة الحمراء - Red Famine.
غلاف كتاب المجاعة الحمراء – Red Famine.

بسبب هذه المجاعة بالتحديد ستالين هو مجرم حرب، وهذا الكتاب يعمل على توثيق كل ما ورد بخصوصها في التاريخ، وذلك على يد الناجين مِنها أنفسهم، وأيضًا الباحثين الذين قضوا عمرهم كله في جمع المواد الأرشيفية الرسمية لإدانة الديكتاتور الراحل.

في النهاية، يجب القول إن ستالين مجرم حرب، وأيًّا كانت اللحظات الإنسانية في تاريخه (والتي يسردها الكتاب الذي تحدثنا عنه اليوم)، لن تغفر له ما فعل، ولن تمحي صفحاته السوداء في تاريخ البشرية، وسيظل ستالين دائمًا وأبدًا الرجل الذي لا يجب أن نكون مثله، والهدف الوحيد من استمرارية تردد اسمه على الألسنة هو أن يكون عبرة لمن يعتبر.

لك أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "رواية ستالين الطيب عن خبايا الاتحاد السوفيتي من قلب الكريملين ذاته"