الصوابية السياسية
0

مع توزيع جوائز الأوسكار في السينما تظهر عدة انتقادات ومقالات، تتناول تلك المقالات والانتقادات مفهومًا يسمى بالصوابية السياسية، وشيوعه في الأوساط الثقافية الغربية، وكيف أنه سيطر على المؤسسات الغربية، ومنها مؤسسة الأوسكار، التي لم تعد تعتمد أفلامًا لجوائزها سوى تلك التي تلتزم بالتمثيل المنصف للأقليات الاجتماعية، ومنها أصحاب البشرة الداكنة والمثليين وغيرهم. فما هي دلالة تلك الانتقادات في الواقع العربي؟

ما هي الصوابية السياسية؟

يُستخدم مصطلح الصوابية السياسية لوصف اللغة الخطابية التي يتعمد قائلها تجنب الإساءة للجماعات الاجتماعية المختلفة عنه، مثل الأعراق أو الجندر أو الثقافة أو الميول الجنسية المختلفة، فمثلًا، ستكون كلمة زنجي أو شاذ كلمات غير صائبة سياسيًا، لأنها تنطوي على عنف لفظي أو إهانة لتلك الجماعات الاجتماعية، وستكون الكلمات الأفضل للتعبير «مثلي» و«صاحب بشرة داكنة أو سمراء».

ازدهر المصطلح في الأدبيات الثقافية وتعرّض للانتقاد في آن. ينتشر المصطلح بصورة أساسية في الأوساط الغربية، ويستخدمه اليسار محاولة لتصدير خطاب مدافع عن الأقليات التي قد لا تجد لها صوتًا سياسيًا. ولكن الاستخدام توسع إلى الأوساط الثقافية والفنية مثل السينما والأوسكار، حتى تحول لحالة من التمييز العكسي، فلم يعد يحظى أي فيلم خارج تلك المنظومة بالقيمة أو يستحق جائزة.

أصول مصطلح الصوابية السياسية

ظهرت ينابيع استخدام المصطلح للمرة الأولى في الأدبيات الماركسية اللينينة بعد الثورة الروسية في عام 1917. في ذلك الوقت، انتشر المصطلح للتعبير عن أهمية الالتزام بخطاب الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، فكأن ما يقوله الحزب هو الحقيقة والصواب وما دونه زيف وخداع!! كما حكى جورج أورويل في رواية 1984، بقلب الحقيقة رأسًا على عقب.

تغير استخدام المصطلح في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، فقد استخدمه السياسيون المحافظون للتعبير عن سخافة التزام اليسار بالخطاب واللغط بدلًا من الاهتمام بالمحتوى، فكأن نقاد المصطلح، وهم أول من أذاعوه، يعتبرون الالتزام بخطاب محايد تجاه الفئات المهمشة مجرد طنطنة لغوية ليس لها مضمون ملموس، وأن الالتزام بتلك اللغة المراعية للاختلاف لن يغير من عقائد الناس وسلوكياتهم الفعلية، لذا فإنه صراع ليس له جدوى، ولن يخرج عن المستوى اللغوي.

الصوابية السياسية

أما اليسار، فاعتبر ذلك النقد اليميني والاستهزاء بالمصطلح قناعًا لإخفاء الممارسات التمييزية ضد الجماعات المهمشة اجتماعيًا، كما أنهم يجادلون بأن اليمين السياسي يدعم شكلًا خاصًا من الصوابية السياسية بما يحقق غاياته وأجندته، ويكبح الأيديولوجيات اليسارية الداعمة للفئات المهمشة كأصحاب البشرة السمراء والنساء والمثليين والطبقات الأكثر فقرًا.

اقرأ أيضًا: نون النسوة في الأدب العربي: هل أثرت عليها الصوابية السياسية دائمة التغيُّر؟

هربرت ماركوزه واليسار الجديد

لقد انقسم اليسار في ستينات وسبعينات القرن الماضي إلى تيارين أساسيين؛ اعتمد التيار الأول على النصوص الماركسية الأصلية، التي يتناول فيها كارل ماركس صراع الطبقات وثنائية البروليتاريا والبورجوازية، فقد رأت الماركسية بأطيافها أن التغيير الاجتماعي سينشأ من هذا الصراع الطبقي على الثروة ووسائل الإنتاج، أي أن سبب الظلم الاجتماعي اقتصادي، وأن التغيير سيكون اقتصاديًا أيضًا.

تغيرت تلك النظرة الماركسية مع الاتجاه الثاني، أو ما يُعرف باسم اليسار الجديد، ورائده المفكر هربرت ماركوزه، المشارك في مدرسة فرانكفورت. رأت تلك الجبهة أن الاعتماد على الصراع الطبقي والعمال للتغيير لن يؤتي ثماره، وبدلًا من ذلك يحتاج اليسار إلى كوادر جديدة قادرة على دفع قاطرة التغيير للأمام. تشمل تلك الفئات الطلبة وأصحاب البشرة الملونة، والنسوية، والمثلية، وغيرها من القضايا المعبرة عن الهوية.

أدى هذا الانقسام في اليسار إلى تربص التيارات السياسية المخالفة، فبعد ازدهار سياسات الهوية identity politics، ظهرت اللغة الساخرة من اليمين للصوابية السياسية، فكأنهم ينتقدون اليسار السياسي لخلو خطابه من المضمون، أو أن الدفاع عن المرأة والمثليين والأقليات يعارض بالضرورة الماركسية الأرثوذكسية (المتشددة)، ويعارض محاربة الفقر أو التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي ويحول الانتباه إلى قضايا يراها هؤلاء «أقل أهمية».

الاستخدام في الأوساط العربية

يظهر المصطلح في التعليقات العربية، وبين الأوساط الثقافية العربية، لانتقاد الأصوات التي قد تطالب بحق بعض الفئات المهمشة، مثل الجماعات النسوية التي تطالب بحقوق المرأة وتبرز مناطق الاضطهاد التي تتعرض لها، مثل الختان والتفاوت الوظيفي والمهني، والتمييز الاجتماعي ضد المرأة.

تظهر تلك الانتقادات والتعليقات الساخرة على نفس نبرة الانتقادات اليمينية الغربية للصوابية السياسية، باعتبار أن جماعات الفئات المهمشة تهتم باللغة والأمور الشكلية أكثر من اهتمامها بالمضمون الفعلي لما تتعرض له المرأة من قهر، كما ينتقد المعلقون تلك الحركات على أنها تتحدث عن مشاكل أخرى غير أصيلة للمجتمع العربي، وتستنسخ المواضيع التي تتناولها من الغرب.

يأتي اليسار مدافعًا عن الآخر مقابل الإنسان الأبيض المسيحي الغربي، فالأسود الأفريقي مهدور الحق لأنه يخرج عن هذا النسق الأبيض، فبالتالي يهدر حقه في التعليم والصحة، وتعامله الشرطة معاملة المجرم إلى أن يثبت العكس، على عكس تعاملها اللائق مع الأبيض. بل قد وصل الأمر ببعض المعقلين المحافظين لوصف الصوابية السياسية بالمؤامرة التي حاكتها مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية لهدم القيم اليهودية المسيحية في ما يطلقون عليه بـ«الماركسية الثقافية».

اقرأ أيضًا: الصوابية السياسية .. هل تعيد تشكيل هوليود الآن؟

الاستشراق: إدوارد سعيد والآخر الأممي

بنى المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد نظرياته في كتابه “الاستشراق” على تراث البنيوية لدى ميشيل فوكو. حوَّل إدوارد سعيد نظرية «الخطاب» التي صاغها ميشيل فوكو إلى مجال الاستشراق، والاستشراق هو دراسة الغرب للشرق.

يرى إدوارد سعيد أن الغرب يرى الشرق بصورة مخالفة لما هو عليه الواقع، أي أنه يحكم عليه قبل أن يحلل المشاهدات، فالعربي بالنسبة للغربي هو ذلك المتخلف البدوي، الذي يحمل جينات أقل من نظيره الغربي. على هذا فإن الإنسان العربي بصورة عامة هو ذلك الآخر بالنسبة للغربي، فليس جزءًا منه أو يناظره، ولهذا فإن العربي يُصنف مع الفئات التي يهمشها الغربي على المستوى الأممي. فإذا كان الغربي الأبيض يهمش الأسود، والمغاير جنسيًا يهمش المثلي، ويهمش الرجل المرأة، فإن الغربي يهمش العربي ويستعمره.

إن الشعب العربي بصفة عامة لهو أحد ضحايا التهميش الغربي، بداية من الاستعمار العسكري إلى الاستعمار الثقافي الآن.

العرب والصوابية السياسية

وعلى هذا فإن انتقاد الصوابية السياسية ما هو إلا أحد تجليات هذا الاستعمار الثقافي، فكأن المثقف العربي الذي يدعي انتقاد الصوابية السياسية إنما يتحدث على لسان نظيره الغربي. أما عن تناولها بشأن الفئات العربية المهمشة، كانتقاد الخطاب النسوي على سبيل المثال، لأنه خطاب لغوي يفتقر للمعاناة الحقيقية للمرأة، إنما ينطوي على نبرة يمينية ساخرة من هذا الخطاب بأكمله، أو نظرة رجعية ترفض التقدم الاجتماعي، متعللة بأن هذا الخطاب لا يناسبنا، أو لا يناسب أجندتنا ومخططاتنا.

لقد نشأ مصطلح الصوابية السياسية بصورة ساخرة على لسان اليمين الغربي للاستهزاء باللغو والخطاب الرنان الذي لا طائل منه، الذي يهتم بالشكل على حساب المضمون، الذي يُثار باللغة بدلًا من الظلم الفعلي على الأرض.

نشأ المصطلح وامتزج بلون استعلائي في ثوب جديد للرجل الأبيض، في محاولة لتشتيت الانتباه عن المظالم الحقيقية، واختراع عدو وهمي كرد فعل دفاعي للحفاظ على المكتسبات الاجتماعية الناتجة عن الظلم والقهر الاجتماعي للفئات المهمشة. هذا بعد تحول المجتمعات الغربية من جماعات متجانسة إلى جماعات هجينة.

ليست الحال كذلك في المجتمع العربي، فليس هناك دخلاء تخشى منهم الكتلة الكبرى من السكان، ولن يكون استدعاء الصوابية السياسية في السياق العربي سوى محاولة رجعية لكبح أي خطاب تقدمي يعمل على تحرير الفئات المهمشة من قيودها، وتزويدها باللغة والأدوات اللازمة لذلك، أي أنه محاولة خفية لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، تحت مسمى أن هذا غريب على مجتمعاتنا.

اقرأ أيضًا: تغيير شروط الأهلية لأوسكار أفضل فيلم .. انتعاشة سينمائية للأقليات أم تسليع السينما؟

0

شاركنا رأيك حول "شبح الصوابية السياسية: كيف ينتقد المثقفون العرب وهمًا؟"