دراسة أكثر من تخصص
0

§صيغت هذه المقالة بعد مقابلة شخصية للطبيب وأخصائي تحليل البيانات الطبية والتسويق الرقمي: نائل القطاطي.

كانت السنة الأولى من الدراسة في كلية الطب، يستحث نائل خطاه مسرعًا إلى قاعة المحاضرة ليضمن مكانًا قريبًا من الأستاذ المحاضِر قبل امتلاء القاعة، يصل الباب ويرفع ناظريه. مدرجات القاعة بالكاد تتسع للطلاب، كان عددهم يزيد عن 300 طالب وطالبة.

يجلس نائل في الصف الأخير تبدو عليه الحيرة قائلًا في نفسه: “عدد طلاب الطب كبير جدًا، هل ستكون لي فرصة في العمل بعد التخرج؟” وتابع حديث نفسه “ينبغي علي مضاعفة جهدي، عليّ أن أتعلم المزيد من المهارات الطبية وغير الطبية تساعدني في تكوين مسار مهني ناجح”.

حوارات النفس كانت تتأرجح بين الشك والتردد، ربما كان هذا مبرَرًا بالنظر الى طبيعة التجربة التي يصنعها نائل، “أسير في طريق غير ممهدة، لا يوجد مثل أعلى أرتكن إلى تجربته ولو على سبيل الاستئناس” يقول نائل في نفسه التي ما انفكّت تقض راحة باله، ولا عجب فالسير عكس التيار وتكوين تجربة ناجحة ليس بالأمر السهل.

دراسة أكثر من تخصص

الخروج عن الفكرة السائدة لصورة مهنة الطبيب الذي يرتدي القميص الأبيض والسماعات الطبية لم تكن مهمة سهلة، ونظرات المجتمع المتعاطفة في غير محلها لنقص إدراك الهدف الذي كان نائل يسعى إليه.

اقرأ أيضًا: نساء عربيات يصنعن التاريخ: لنخرج عن النمطية في حكايات الأطفال ونحكي قصة هؤلاء 💖

نجاح مشهود من التجربة الأولى

في نهاية السنة الأولى من الدراسة في كلية الطب انضم نائل إلى مجتمع طبي طلابي كبير، وكان دائمًا يلاحظ أن مجرد وجوده في كلية الطب يعطيه نوعًا من المصداقية والموثوقية أمام الجمهور للحديث في الأمور الصحية. “معلوماتي الطبية البسيطة من الممكن أن تصنع فارقًا في حياة شخص ما”، يشرح نائل لصديقه محمود، وأردف “معلومات بسيطة كانت كفيلة بأن تحمي شخصًا من المرض أو حتى أن تجعله يعيش بصحة أفضل”.

في لحظة تأمل، أدرك نائل أن الطريق طويل وأنه بحاجة لست سنوات أخرى لكي يتخرج من كلية الطب ويصبح طبيبًا، أطرق رأسه وقال: “ستة سنوات من التعب والدراسة والاختبارات!” وفي هذه اللحظة، قرر نائل أنه لا يريد أن تنتهي أيام الكلية وإنجازه الوحيد هو شهادة الطب.

بدأ نائل حينها البحث عن تعلم مهارات التسويق الرقمي خصوصًا أنه وجد فرصة في دمج الصحة بالتقنية حيث التوعية الصحية عبر الإنترنت، الكثير من المواد تملأ الإنترنت، يستمر في البحث عميقًا ليقرر في النهاية من أين يبدأ، “لا أريد أن أضيع وقتي، هل أفعل؟” يتساءل نائل بتردد مبرر، فدراسته للطب تحتاج الكثير من ساعات الدراسة والعديد من الواجبات البحثية.

بالفعل، وجد نائل فرصة كبيرة في دراسة التسويق الرقمي وبدأ يَأْلف اختصاصًا جديدًا بالكامل أحبه بالفعل بجانب دراسته للطب مدفوعًا برؤيته عن جدوى ملحّة عن تأثير التوعية الصحية عبر القنوات الرقمية، ورأب فجوة المعلومات التي عايشها خلال دراسته في الكلية. عندما تخرّج نائل كان محظوظًا بمجموعة مهمة من المهارات التي خرج بها من الكلية سواء كانت الطبية وغير الطبية منها.

موسم التدريب بعد التخرج كسباق محموم. الأطباء الجدد يحاولون بشتى الطرق كسب مهارات عملية لدخول سوق العمل وكسب حالات مرضيّة جديدة ينافسهم عليها الأطباء القدامى الأكثر خبرة في السوق. يفكّر نائل بطريقة غير تقليدية لاجتذاب حالات مرضيّة للعيادة التي يتدرب بها. لمعت الفكرة في رأس نائل وقال: “نعم يوجد طريقة لا يجربها الكثيرون، محتوى طبي متخصص”.

كان نائل موفقًا في هذا الاختيار، فضَعف المحتوى على الإنترنت في هذا الجانب أوجد فرصة لتتصدر مقالاته الكلمات البحثية التي اختارها للتوعية بشأن الصحة العلاجية والوقائية، والتي اجتذبت له العديد من الحالات التي تطلب العلاج بناءً على المحتوى الذي قدمه على المدونة التي أنشأها بهدف الحصول على حالات جديدة للعيادة التي يعمل بها.

فجوة الفهم والتنميط

كانت من بين الأسباب التي تجعل الشك يتسلل إلى داخله، هي فجوة الفهم لدى الناس عن الجدوى الحقيقية لمجال التسويق الرقمي وتحليل البيانات الطبية، والتي يصعب على العامة إدراك أهميتها خصوصًا إذا كان الشخص طبيبًا! لكن بعد خطابه في أحد مؤتمرات المنصة العالمية تيدكس تغير ذلك.

في بداية خطابه طلب من الحضور (١٠٠ شخص) الوقوف وأخبرهم أنه سيذكر خمس مجالات من الوظائف والمهن (طبيب، مهندس، مدرس، موظف إداري، صاحب عمل خاص) وسألهم أن يجلسوا عند سماع اسم مهنة أو وظيفة يعملون بها حاليًا أو من الممكن أن تكون وظيفتهم المستقبلية في حال كونهم طلبة. هل يمكنك تخمين كم عدد الأشخاص الذين لم يجلسوا في نهاية هذا السؤال؟ العدد كان أقل من عدد أصابع اليد الواحدة!

التنميط في مسألة المهن والوظائف خلق تنافسية غير عادلة لعدد كبير على نفس الفرص، العدد الكبير من المتماثلين في المهارات والاختصاص يتنافسون على عدد أقل من الفرص الوظيفية، هذه القضية يرى نائل معالجتها في الابتعاد عن مناطق الاختصاص الواحد والجمع بين اختصاصين أحدهما على الأقل من العلوم الحديثة.

فرص أكثر لم تكن في الحسبان

بعد تخرّجه من كلية الطب، كان نائل يشعر بالاختلاف عن بقية زملائه الأطباء، كانت نظرته للأشياء مختلفة، منظور فريد يغلب عليه النظر إلى المشاكل على أنها فرص. لاحقًا في نهاية عام 2019 أنهى نائل درجة الماجستير في التسويق الرقمي من جامعة لافبرا لندن وفي نهاية عام 2020 أنهى درجة ماجستير أخرى في تحليل البيانات الطبية والذكاء الاصطناعي من جامعة لندن الإمبراطورية.

نائل قطاطي

قد يظن البعض بأنه قرار مرهق ويشتت جهودك ويمنعك من التركيز والنمو. على النقيض تمامًا، الجمع بين تخصصين عزّز من فرص نائل بشكل لافت في سوق العمل، وهذا ما خلصت إليه تجربته “الخروج من مناطق الازدحام والمنافسة العالية إلى مناطق تقاطعات العلوم حيث المنافسة المنخفضة في سوق العمل”.

تحدّث نائل القطاطي عن تجربته هذه في خطاب تيدكس مبررًا فيه جدوى دراسة أكثر من تخصص والخروج عن النمطية في اختيار التخصص والوظائف، على عكس المتوقع من هذا القرار والتشتت في أكثر من مجال.

اقرأ أيضًا: مهتم بالتسويق الرقمي ولا تعرف من أين تبدأ؟ هذا المقال سيأخذ بيدك لتخطو أولى خطواتك

0

شاركنا رأيك حول "لن تشتتك: كيف تعزز دراسة أكثر من تخصص فرصك خارج سرب الوظائف النمطية"