فرانكشتاين للمؤلفة البريطانية ماري شيلي : كيف أصبح الوحش وحشًا؟
0

اليوم يمر على نشر رواية فرانكشتاين Frankenstein للكاتبة الإنجليزية ماري شيلي Mary Shelley أكثر من 200 عام، إحدى روايات أدب الرعب التي غيرت هذا الفن إلى الأبد، لدى شيلي هي الأخرى حياة مثيرة ومؤثرة مثل والديها الثوريين، شيلي وولستونكرافت ويليام غودوين، سنحاول في هذا المقال أن نراجع العوامل التي أثرت على شيلي وعلى وحشها، وحش فرانكشتاين.

رواية فرانكشتاين أو بروميثيوس هذا العصر

أثناء تصفح العديد من الترجمات العربية للرواية، لم أجد إلا ترجمة واحدة، وهي ترجمة هشام فهمي من دار التنوير، التي ذكرت العنوان الجانبي للرواية: فرانكشتاين أو بروميثيوس هذا العصر على الرغم من أن ماري شيلي لم تتحدث كثيرًا عن العنوان الجانبي، سواءً في الرواية أو في الحديث عنها، ولكنه مهم للغاية لفهم الأصل الأدبي/الفلسفي للرواية، لذا لنبدأ باسترجاع قصة بروميثيوس، أله النار الإغريقي.

فرانكشتاين أو بروميثيوس هذا العصر ترجمة هشام فهمي
غلاف رواية فرانكشتاين أو بروميثيوس هذا العصر للكاتبة ماري شيلي (ترجمة هشام فهمي).

لبروميثيوس العديد من القصص في الحرب كمعظم العملاقة الإغريق، ولكن القصة التي يبدو أن شيلي تريدنا أن نلتفت إليها، هي قصة خلق البشر عندما كَلف زيوس كلًا من بروميثيوس وابيمثيوس بأن يقوما بخلق البشر والحيوانات، قام أبيمثيوس بخلق الحيوانات سريعًا فلم يستغرق سوى أيامٍ قليلة، بينما أطال بروميثيوس كثيرًا في خلق البشر لأنه أراد أن يكون البشر متقنين إلى أقصى درجة، هذا يفسر لماذا سُمي بروميثيوس فيما بعد بمحبوب البشر.

تسبب تأخير بروميثيوس في أن يسبقه أبيمثيوس بأخذ كل الصفات القوية والحَسنة في خلق الحيوانات، فأعطى لهم السمع الفائق، القوة، السرعة، الجسد الذي لا يقهر، وفي النهاية لم يجد بروميثيوس ما يضعه للبشر من صفات بعد أن استنفذها جميعها، حزن بروميثيوس على البشر وطلب المساعدة من العديد من الآلهة ولكنهم رفضوا جميعًا لأنهم أرادوا أن يعيش البشر خائفين دومًا.

في النهاية سيقرر بروميثيوس أن يعطي البشر صفات الآلهة التي سيسرقها من آلهة أثينا، فأصبح البشر عندهم معرفة لا نهائية وبهم جميع صفات الآلهة اليونانية: الحب، الكراهية، الجريمة، إلخ..

اقرأ أيضًا:

الحياة الغريبة والمأساوية للوحش فرانكشتاين

الآن لنعد إلى رواية فرانكشتاين للكاتبة ماري شيلي التي بدأت كتاباتها في الثامنة عشر من عمرها، أي بعد عامين من حملها بطفلها الأول الذي مات بعد ولادته بأيام قليلة، مع الحزن الشديد على تلك الخسارة، أصيبت شيلي فيما بعد بالتهاب الثديين بسبب الحليب الذي تجمد في مجرى ثدييها، كتبت شيلي في مذكراتها:

“أحلم أحيانًا أن طفلي الصغير عاد للحياة مرة أخرى، وأن الجو كان باردًا فقط وذهب لمكان أكثر دفئًا”.

حملت شيلي بعدها بأسابيع فقط، ومن المرجح أنها كانت لا تزال ترضع طفلها الثاني عندما بدأت في كتابة فرانكشتاين، وكانت حاملًا في طفلها الثالث بحلول الوقت الذي أنهت فيه من الرواية، نشرت شيلي فرانكشتاين فيما بعد باسم مجهول في عام 1818، لأسباب أقلها هي الخوف من أن تفقد حضانة أطفالها، وفي الواقع، كما لم تسمِّ شيلي طفلها الأول، فهي كذلك لم تسمي فرانكشتاين، بل كان اسمًا أطلقه أحد المراجعين للمسرحية التي ستنتج من الرواية في عام 1823، كانت شيلي في ذلك الوقت أنجبت أربعة أطفال ودفنت ثلاثة.

يقول فرانكشتاين، طالب جامعي، وهو يروي قصته: “كانت ليلة كئيبة من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عندما رأيت شدائدي تنتهي أخيرًا“، يهطل المطر من على زجاج النافذة مع وميض ضوء قاتم من شمعة تحتضر، ينظر فرانكشتاين إلى الشيء الهامد بجانبه والذي يعود للحياة “رأيت أخيرًا عينه الصفراء الباهتة مفتوحة وهو يتنفس بصعوبة“، بعد أن جاهد طويلًا لإعادة المخلوق للحياة، وجد نفسه مشمئزًا ومذعورًا، غير قادر على تحمل المظهر القبيح الذي خلقه، ويهرب متخليًا عن خليقته دون أن يسميها على الإطلاق، سيسمي وحش فرانكشتاين نفسه في نهاية الرواية قائلًا: “أنا، البائس والمهجور، أنا الفَشل“.

فرانكشتاين هو قصة داخل قصة وسردها مختلف بعض الشيء، فهناك ثلاث أصوات بالرواية، فيكتور، ووحشه وصوت صديقه، الذي يروي كل هذا بالتالي في خطابات بريدية لأخته، يمكننا أن نُعد الكابتن والتون، الذي قابل فرانكشتاين أثناء رحلته الخاصة في استكشاف منطقة مجهولة ويقود نفسه للموت المحتمل، تمامًا مثل فرانكشتاين.

في حالة فرانكشتاين، فإن حدود أرضه المستكشفة متعلقة بحدود العِلم، من الواضح أن فرانكشتاين شاب ذكي للغاية، حتى عندما يكون على وشك الموت يستنتج الكابتن والتون:

“يا له من مخلوق مجيد، لا بد أنه كان في أيام زهوه، عندما يكون المرءُ نبيلًا وضائعًا في الخراب! أتمنى لو أنه يشعر بقيمته حقًا”.

ما الذي جعل الوحش وحشًا؟

رواية فرانكشتاين للمؤلفة البريطانية ماري شيلي

تبدأ مشاكل فيكتور فرانكشتاين عندما كان طالبًا في إنغولشتات بعد أن فقد والدته الحبيبة، فقرر في أن يفكر في المجد “الذي سيجنيه من اكتشاف شيء يبعد المرض عن الإطار البشري، ويجعل الإنسان غير معرض للوفاة إلا دون موتٍ عنيف“، لكن من الواضح أنه لم يفكر في الآثار الأخلاقية في أن يصبح الإنسان غير معرضٍ للموت، ومن الواضح لنا أنه مدفوع جزئيًا بالمجد الذي سيجنيه من هذا الاكتشاف.

في سعيه وراء هذه المعرفة، يرتكب فيكتور الخطيئة المميتة المتمثلة في الرغبة في تعلم “قوانين الطبيعة الخفية” و “أسرار السماء والأرض“، بعبارة أخرى، قرر أن يلعب دور الرب.

سيباركني هذا النوع الجديد بصفتي خالقه ومصدره؛ العديد من الصفات الحميدة والممتازة التي سيتمتع بها سيكون مدينًا بها ليَّ. لا يمكن لأي أب أن يدعي امتنان طفله تمامًا مثلي بعد اليوم“.

حتى الآن نجد أن ما توقعه زيوس في الأسطورة القديمة لم يكن من فراغ، منح بروميثيوس للبشر كل صفات الآلهة، حتى صفات الخَلق تلك.

مستهلكًا تمامًا في هذه الرغبة “الكشف عن أعمق ألغاز الخلق“، لم يعد فيكتور للمنزل لزيارة عائلته لعدة سنوات، ولكن بدلًا من ذلك يكرس نفسه بلا كلل لهوس دراسته، هذا الهوس هو الذي حذرت منه شيلي على لسان بطلها بالفصل الرابع:

“إذا كانت الدراسة التي تقدم عليها تميل إلى إضعاف عواطفك وتدمير ذوقك للملذات البسيطة التي لا يمكن ولا يجب أن تُلوث، فمن المؤكد أن هذه الدراسة خطيئة، أي لا تليق بإي إنسان عاقل”.

يخبر فرانكشتاين والتون أنه أثناء دراسته “قد أصبحت نفسي قادرًا على منح الحياة للرسوم المتحركة” وخلق الحياة في شكل مخلوق مجهول، كما ذكرنا، كان ذلك “المخلوق المجهول” بشعًا بلا شك، أو على حد تعبير خالقه “قبحه الغريب جعله فظيعًا جدًا للعين البشرية“.

في الواقع لم تعطِ الرواية وصفًا دقيقًا لفرانكشتاين، أي أن صورة الوجه ذي القضيبين الكهربيين ليس من أصل الرواية، كل ما نعرفه عنه هو عيناه الصفراء وأنه طويل بشكل غير عادي، قوي، وقادر على العيش في أكثر الأماكن قسوة في العالم، وما أن يراه من هو من الأطفال أو النساء، يهربون ويصرخون أو يغمى عليهم فورًا.

اقرأ أيضًا:

لا تحكم على الناس من مظهرها

فرانكشتاين في السينما الأمريكية
صورة وحش فرانكشتاين كما صورتها السينما الحديثة

طيل الرواية، يتم نبذ الوحش، أولًا من قبل خالقه فرانكشتاين، ثم من قبل المجتمع، لا شك أن للوحش صفات نبيلة (ومن المحتمل أن تكون ماري شيلي قد جعلت منه هكذا لتذكرنا بمقولة مارتن لوثر: لا تحكم على الناس من مظهرها)، إنه ذكي، فصيح، مقنع، وحساس، ويبدأ في مراعة الآخرين من حولة في بداية الرواية.

على سبيل المثال، عندما كان يراقب كوخ عائلة De Lacey في كفاحهم اليومي من أجل البقاء، ويخرج عن طريقه -مجهول الهوية- ليقدم لهم المساعدة لأنه “يريد إعادة السعادة لهؤلاء الأشخاص المنبوذين“. يرفض سرقة طعامهم عندما يدرك قلة ما يمتلكونه من الطعام، وبدلًا من ذلك، يخرج ويجمع الحطب ويمسح ممر المشاة من الثلج. إن تعاطفه يجعله حزينًا عندما يكونون حزناء وسعيدًا عندما يكونون سعداء.

وبالرغم من كل ذلك، فإن العائلة مرعوبون للغاية من ظهوره في الكوخ، لدرجة أنهم يرفضون العيش هناك بعد الآن. مع تحطيم آماله بقسوة، يشعر المخلوق بمشاعر الانتقام والكراهية التي بدورها “شددت ذهني نحو الإصابة والموت” وفي غضبه العاجز، يدمر حديقتهم وكوخهم. ثم يقرر البحث عن خالقه وانطلق في طريقه للانتقام القاتل.

لكن الرواية توضح لنا أن المخلوق لم يكن شريرًا بطبيعته، ولكن ما يحدث له هو الذي يغيره “الأحداث، هي التي جعلتني، مما كنت عليه، لما أنا عليه الآن“. إن هذا الرفض المستمر من قبل المجتمع والافتراض أنه بسبب الشكل الذي يبدو عليه يجب أن يكون شريرًا، هو الذي جعله “يعلن الحرب الأبدية ضد هذا النوع، والأهم من ذلك، ضد الذي خلقه وأرسلني إلى هذا البؤس الذي لا يطاق“.

لم يتحول المخلوق “لما هو عليه الآن” كما ظن، بل ظل نبيلًا، فظل يساعد العائلة، وساعد فتاتين في النجاة من الغرق، ولكن في المرتين كليهما واجهته العائلة بكراهية مرة أخرى وهددوا حياته لمجرد ظهوره، الأسوأ من ذلك، أن الرجل الذي خلقه، نبذه وتركه لمصير -الوحدة- التي تملأه بالكراهية والاستياء. ومن المفارقات أن هذا المخلوق الذي يقتل الأبرياء من أجل الانتقام، كان في بداية الرواية لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن للإنسان أن يكون نبيلًا وشريرًا في آن واحد، على كلٍ فإنه بعد الآن لا يشعر فقط أنه يجب عليه أن ينتقم من خالقه بل “لقد أقسمت على الكراهية الأبدية والانتقام من البشرية جمعاء“.

المعرفة سلاحٌ ذو حدين، تمامًا كما يضع المخلوق النار في يده، ويدرك أن ما يوفر الدفء يمكنه كذلك أن يكون سببًا لألم فظيع، كذلك المعرفة يمكنها أن تساعد البشرية بينما تكون في الوقت ذاته مصيبةً لها. هذا ينطبق تمامًا على وحشنا، فهو:

  • أولًا، كلما زادت معرفته، زاد حزنه، لأنه يعرف مدى فردانية ووحدة مصيره.
  • ثانيًا، فإنه يقع دائمًا في خطر البحث عن المعرفة في فراغ أخلاقي.

بالنظر إلى الوقت الذي عاشت فيه، يبدو أن شيلي كانت تحذر من تحويل العلم إلى إله جديد ومن مخاطر المثالية المجردة.

الطريق إلى الجحيم مرصوف بالنوايا الحسنة

في رواية فرانكشتاين للكاتبة ماري شيلي نرى أيضًا دليلًا على القول المأثور بأن الطريق إلى الجحيم مرصوف بالنوايا الحسنة. ليس هناك شك في أن المخلوق أراد أن يساعد خالقه “لقد بدأت الحياة بنية الخير، وكنت متعطشًا للحظة التي أبدأ فيها العمل من أجلكم وأن أكون مفيدًا لبني البشر” ولكن في النهاية وعلى الرغم من كل شي: “بدلًا من هدوء الضمير الذي سمح لي بالنظر إلى الماضي برضا عن النفس، ومن هناك لأجمع الوعد بآمال جديدة، شعرت بالندم والشعور بالذنب الذي دفعني بعيدًا إلى جحيم من العذاب الشديد، الذي لا يمكن وصفه بأي لغة“.

عندما يلتقي المخلوق وفرانكشتاين أخيرًا، يطلب المخلوق من خالقه شيئًا واحدًا فقط، شريك يشاركه حياته، لقد وعد المخلوق بأنه سوف يوقف الأعمال العدائية، ويذهب إلى المنفى في أمريكا الجنوبية بعيدًا عن أي مكانٍ يسكنه الناس، يوافق فرانكشتاين في البداية: “لقد أثبتت حكايته والمشاعر التي أعرب عنها أنه مخلوق ذو أحاسيس رائعة، ألم أكن مدينًا له بصفتي صانعه بكل جزء من الساعدة التي كان في مقدوري أن أمنحه؟” لكن في النهاية، يتخذ فرانكشتاين الخيار الأكثر نكرنًا للذات، مدركًا أنه باختياره هذا قد يجلب الموت والدمار لأحبائه: إنه يرفض أن يصنع شريكًا للمخلوق.

من المفارقات كذلك، في رواية تتعامل مع شخص يحاول خلق الحياة، أن الموضوع السائد هو الموت والحزن، كما يقول فرانكشتاين في بداية الرواية، غير مدركٍ لصحة ما سيقال: “لفحص أسباب الحياة، يجب أولًا أن نلجأ إلى الموت”، لم يشك فرانكشتاين في أن الموت سيطارده، كما لم تشك شيلي كذلك، شعرت شيلي بالحزن الشديد على وفاة والدتها المفكرة الراديكالية، كان فرانكشتاين قد فقد طفلًا كذلك مثلما حدث تمامًا لشيلي، عندما حزن فرانكشتاين على وفاة أفضل أصدقائه، هنري كليرفال، صاح في تصوير جميلٍ لمشاعر الألم:

“وأين هو الآن؟ ضاع إلى الأبد؟ هل هذا العقل المليء بالأفكار والتخيلات الرائعة التي شكلت عالمًا يعتمد على وجود خالقه، هل هلك ذلك العقل؟”.

حاولت ماري شيلي بتشبيهها لوحش فرانكشتاين ببروميثيوس أن تصور الأخطار الكامنة عندما يحاول الإنسان أن يلعب دور الإله في سعيه الأحادي نحو العلم والمعرفة، كما حذَر زيوس بروميثيوس من أن يعطي هذه الصفات للبشر، في النهاية، سيقي الموت هو ما يرغب فيه كليهما، فرانكشتاين محطم الجسد يضعف نفسيًا بسبب الشعور بالذنب والندم، وبالمثل ينحني الوحش بالندم والكراهية على أفعاله مصممًا على قتل نفسه وعدم ترك ذرة واحدة من وجوده.

لك أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "رواية فرانكشتاين للمؤلفة البريطانية ماري شيلي: كيف أصبح الوحش وحشًا؟"