لماذا يخاف الناس لقاحات كورونا
2
يقول الفيلسوف الفرنسي الكبير فولتير (1694-1778) في كتابه الرسائل الفلسفية:

«من بين كل 100 إنسان يُولد، سيصاب ستون بمرض الجدري، ومن هؤلاء الستين يموت عشرون ويصاب عشرون آخرون بندب كريهة ترافقهم مدى الحياة».

يبدو كلام فولتير مخيفًا وغريبًا لنا اليوم، لكنَّ الأغرب والأكثر إثارة للرعب الإحصائيات الصادمة التي سجلها التاريخ الطبي عن هذا الوباء الفتاك فقد قُدر أنه قتل أكثر من 500 مليون إنسان في أوروبا وحدها من بينهم ستة ملوك.

اقرأ أيضًا: أهم لقاحات كوفيد-19: تعرف على أبرز النقاط التي تميز هذه اللقاحات والفروقات بينها (إنفوغراف)

الطريق نحو الاكتشاف

على كل حال لم يكن الجدري أخطر الأوبئة التي واجهت البشرية عبر تاريخها الطويل، فقد فاقته الإنفلونزا الإسبانية والطاعون والملاريا بمراحل، لكنّ لقصة الجدري وجهًا إيجابيًا فبفضله تعرّف البشر على التلقيح، وتمكن العالم الإنجليزي إدوارد جينر (1749-1823) من اكتشاف ما يمكن اعتباره أول لقاح ضد الأمراض المعدية ليبدأ فيما بعد عصر اللقاحات، ولينقذ جينر بعمله هذا من البشر أكثر «مما أنقذ أي إنسانٍ آخر» على حد تعبير أحد المؤرخين.

لم يكن طريق جينر معبّدًا بالورود كما يعرف الجميع وقد رُفضت أفكاره الجديدة حتى من أقرب المقربين له، وعارضها بشدة كبار الأطباء الذين يرفضون كعادتهم أي تجديد أو فكرة ثورية يقدمها الأطباء الشباب، وبعض رجال الدين الذين وصفوا التلقيح “بعادة خطيرة مذنبة” لأن هذه الأوبئة برأيهم عقاب من الله للبشر ولا يجب دفعه أو التصدي له. 🙄

تمثل أحد أسباب الرفض أيضًا بنتائج المحاولات السابقة للتلقيح باستخدام إبرة غمست بدم مصاب بالجدري، وقد أدت هذه الطريقة البدائية إلى وفاة 4% من المُلقحين، إضافةً إلى تأثيرات جانبية خطيرة عند نسبة هامة من الباقين. رغم كل هذه المخاوف ازدادت شعبية لقاح جينر مع مرور الأيام لا سيما بعد ظهور نتائجه الإيجابية على أرض الواقع؛ حتى أن ملكة بريطانيا قررت تطعيم أبنائها وتبعها في ذلك الأمراء والنبلاء وكبار التجار.

لماذا يخاف الناس لقاحات كورونا
رسم على غلاف مجلة لوبيتي الفرنسية يصور الجدري على شكل شيطان يفتك بالبشر

انتصار الحقيقة

اكتمل إنجاز جينر عندما نشر كتابه: «تحقيق حول أسباب ونتائج لقاح الفاريولا» (1798) الذي يُعد بحقٍ علامةً فارقةً في تاريخ الطب، وفيه عرض جينر بالتفصيل 23 حالة لأشخاص تلقوا اللقاح مع شرح كامل لكل ما حدث أثناء التطعيم وبعده، عندها كان الأوان قد حان ليقتنع أطباء إنجلترا وعلماؤها بفاعلية اللقاح، وفي عام 1840 قرر البرلمان البريطاني بالإجماع فرض اللقاح إلزاميًا في كامل الأراضي الإنجليزية وتبتعها دول العالم لاحقًا.

يظهر جليًا أن لفكرة جينر العبقرية نتيجتان:

الأولى إعلان منظمة الصحة العالمية عام 1980 اجتثاث مرض الجدري نهائيًا من الأرض، والثانية وهي الأهم أننا صنعنا -اعتمادًا على طريقة جينر وعلى طرقٍ أحدث وأكثر تطورًا- عشرات اللقاحات للوقاية من أمراض فتاكة كنا نقف أمامها مكتوفي الأيدي طوال آلاف السنين.

من الجدري إلى كورونا

نحن الآن بعد مئتي عام تقريبًا من إنجاز إدوارد جينر، ويبدو أن مخاوف البشر من لقاحات كورونا تشبه إلى حدٍّ كبير تلك التي واجهت لقاح جينر، فما الذي حدث بالضبط؟ وهل ذهب كل هذا التطور العلمي والوعي والمعرفة التي شهدها العالم أدراج الرياح؟ أين هو هذا الجيل الذي عاش في نعيم العلم والتكنولوجيا؟ ولماذا يرفض إحدى ثمرات هذا النعيم؟ هل فقدنا إيماننا بالعلم يا ترى؟

يُعتقد اليوم أن وسائل التواصل الاجتماعي قد جعلت من العالم الكبير قريةً صغيرةً مترابطةً أشد الترابط، ومن المفترض أن تكون عونًا للأطباء والعلماء في نشر توصيات الوقاية والعلاج، وشرح كل ما يتعلق باللقاح، ودحض كل المخاوف والخرافات التي تثير قلق عموم الناس، لكن هذه الوسائل التي يمكن من خلالها متابعة أحدث توصيات مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها CDC والإدارة الأمريكية للغذاء والدواء FDA هي أيضًا مسرح للتشكيك والعلم الزائف ونظريات المؤامرة، بل إن مقطع فيديو مفبركًا لشخص يموت مباشرة بعد تلقيه لقاح كورونا سينتشر بشكل جنوني سريع وسيصل لعدد مشاهدات أكبر بكثير من مقطع فيديو للبروفيسور أنتوني فاوتشي متحدثًا عن فيروس كورونا ولقاحه.

يبدو جليًا اليوم أن وسائل التواصل الاجتماعي في أحسن أحوالها قد تكون أداةً للتوعية لا أكثر، ولا يمكن اعتبارها منبرًا موثوقًا ومعتمدًا من منابر العلم الصحيح والسليم.

من نافلة القول أيضًا إن وباء كورونا يختلف عن أوبئة الجدري والكوليرا والطاعون في جوانب عديدة، لعل أهمها معدل الوفيات والإصابات الخطيرة؛ فرغم كل شيء لا تقارن نسبة وفيات كورونا بنسبة وفيات الإنفلونزا الإسبانية مثلًا التي قتلت من البشر أكثر مما فعلت الحربان العالميتان مجتمعتين، ولا تقارن بحال من الأحوال بوباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا في العصور الوسطى ويُقال إنه قتل ثلث سكانها. ما أقصده هنا أن عدد الوفيات والإصابات الهائل قد يدفع حتى أكثر المشككين لأخذ اللقاح والالتزام بإجراءات الحجر الصحي.

اقرأ أيضًا: كيف سيحدث لقاح فايزر ثورة طبية في مجال مكافحة الفيروسات؟

الشعر يجيب

هل يمكن أن نقول أيضًا أن أحد أسباب مخاوفنا الحالية من لقاح كورونا هو ضعف ذاكرتنا الجماعية؟ هل نسي جيل اليوم ملايين الأرواح التي خسرتها البشرية في حروبها ضد الجراثيم والفيروسات؟ ومن أقدر وأبلغ من شاعر إيطاليا الكبير فرانشيسكو بترارك (1304-1374) على التنبؤ بهذا النسيان عندما قال في وصف الطاعون الذي فتك بأوروبا في العصور الوسطى:

«المنازل خاوية والمدن مهجورة والمقابر أصغر من أن تحتوي كل الموتى، لقد اجتاحت عزلة مخيفة الأرض كلها. ما أسعدكم يا أناس المستقبل، أيتها الأجيال القادمة التي لم تشهد هذه المأساة، بل وربما ستدرجون شهادتنا بين الأساطير!».

اقرأ أيضًا: هل إجراءات دفن موتى كورونا صحيّة للبيئة أو الجثث حقًا؟ العلم يُجيب

2

شاركنا رأيك حول "من إدوارد جينر إلى فايزر بيونتيك.. لماذا يخشى الناس اللقاحات؟"