إإعلانات تجعلنا نرى إنسانيتنا
0

فوجئت حين علمت بأن نشأة الإعلانات قد تزامنت مع نشأة الحضارة الإنسانية.كنت أظن أن الدعاية التي تخنقنا اليوم هي وليدة نظام رأسمالي سلعننا وسلعن كل ما نملك، وفهمت بعدها أن عمر الإعلانات من عمر الإنسان الأول وأن البابليين والإغريق والمصريين القدامى كانوا يلجؤون إليها ويوظفونها حسب حاجياتهم، تمامًا كما أشارت إلى ذلك الدكتورة منى الحديدي في كتابها “الإعلان؟” الصادر عن الدار المصرية اللبنانية.

اختلفت تلك الإعلانات بين مسموعة ومكتوبة بمجرد ظهور المطبعة لاحقًا، وشملت السياسة والاقتصاد، وصارت الثابت الوحيد في حيواتنا.

تطورت وتغيرت أساليبها وطرقها، إلى أن وجدنا اليوم مثلًا إعلانات تحتفي بالإنسان قبل المنتج، وبالفكرة قبل عملية البيع والشراء. واكبت اضطربات المجتمع وتحولاته وصارت تقف مع المرأة ضد التعصب الجنسي، وتألّه الذات الإنسانية وتقر بالحق في الاختلاف، حتى وإن كان كل هذا مجرد وسيلة لاستقطاب فئات ما نحو المنتج.

هذه الرسائل التي تلج القلب وتدفئه والتي تنسينا صاحب الإعلان للحظات، هي محور حديثنا في هذا المقال.

اقرأ أيضًا: نحن نساء لا أشياء: عن الصور المبتذلة للنساء ضمن الإعلانات التجارية

Nike إنسانيون أولًا، رياضيون ثانيًا

حتى تنال إعجاب المشاهد وتفاعله الإيجابي معها، عملت الشركة الأمريكية Nike لمعدات وملابس الرياضة على تحسين إعلاناتها والمضي في طريق تثمين الفكرة والنص ليصبحا بنفس أهمية الصورة أو أكثر، فشهدنا في السنوات الأخيرة مقاطع فيديو لنفس العلامة التجارية ترفض فيها العنصرية كما في “Nike: For once, don’t do it”

يفصح الإعلان عن رسالة في غاية الروعة، نعم لا تتظاهر بأن لا مشكلة هناك في أمريكا.

كما تبتعد عن القوالب الجاهزة والعضلات المفتولة لتثبت أن الإرادة هي ماتحتاجه الذات الحالمة في “Nike: Find your greatness”.

تحدثت كذلك نفس الشركة في إعلان آخر عن المساواة في فيديو بعنوان “Equality” وانساقت وراء تحركات النساء ضد الأنظمة البطريركية في “?What are girls made of”.هذه الكلمات التي رددها كل من شارك في تلك الإعلانات كافية بأن توجه المستهلك بكامل إرادته نحو Nike دون غيرها من العلامات.

Hyundai تداوي بإعلاناتها ماخلفه هذا الوباء العالمي من جروح

لعل أجمل إعلان تشاهده اليوم وأنت تخوض معركتك مع هذا الوباء هو إعلان شركة Hyundai الكورية المتكون من جزأين والتي سمته “This is us”.

قد تبكي في الجزء الأول حين ترى ضعفك وخوفك وقلقك وهلعك فيه ثم تمسح دموعك وتبتسم حين ترى أنك لست وحدك.

لست وحدك مادمت تقاوم وم ادامت Hyundai كما تعلن في آخر الإعلان أنها ستحاول الوقوف إلى جانبك كحليف.

أما الجزء الثاني فهو اعتراف بكل ما قدمته وما ستقدمه الإطارات الطبية للإنسانية، وهو امتنان لهم وتقدير لتضحياتهم ومجهوداتهم التي لم نكن لنصمد دونها.

Nanhi Kali :أقص شعري وألبس مثله لأذهب للمدرسة


Nanhi Kali هو مشروع لمنظمة هندية غير حكومية تعمل على مساعدة وتشجيع الفتيات المنحدرات من عائلات فقيرة على مزاولة الدراسة. تظهر في إعلانه فتاتان صغيرتان تقص إحداهما شعرها وترتدي قميص أخيها فقط لكي لا تُحرم من الدراسة. يقسو الحوار علينا كما تقسو الحياة على الفتيات الهنديات وغيرهن فيمنعن لمجرد كونهن أناث من حقهن في التعلم.

تفاحة Steve Jobs وحقنا في الاختلاف

“At Apple, “open” isn’t just a word. It’s our culture. One that embraces faiths, disabilities, races, ages, ideologies, personalities, and differences. Because humanity isn’t singular. It’s plural.”

“في آبل، “افتح” ليست مجرد كلمة، إنها ثقافتنا. كلمة تشمل المعتقدات والإعاقات والأعراق والأعمار والإيديولوجيات والشخصيات والاختلافات. فالإنسانية ليست كلمةً مفرة، إنها نحن جميعًا”

هذا ماكتب تحت إعلان نزلته شركة Apple سنة 2017، إعلان يحاكي الواقع الذي نرنو إليه والخصوصية المختبأة تحت معطف الكونية والتجانس في الاختلاف. يقدم الفيديو بعنوان “Apple-Inclusion & diversity -open” ونجد فيه تعدد الأديان والأعراق والأعمار والخلفيات الفكرية والهوية الجندرية وتواصل في نفس الفكرة مشيرة إلى ضرورة التعايش ضمن إطار الإختلاف في فيديو مشابه تحت عنوان “Apple-Diversity-Inclusion inspires innovation” ليكون الخلق ثمرة عملنا مع الآخر الذي وإن لم يشبهنا كان انعكاسا لنا.

اقرأ أيضًا: أبرز الإعلانات التجارية الإبداعية خلال 2020 الأكثر جرأة وتأثيرًا في العالم

Dove و Pantene وواقع المرأة تحت وطأة المعايير والكليشيات

تحدت هاتان العلامتان التجاريتان معايير الجمال التي حاولت هي نفسها فرضها على المرأة منذ سنوات، وتجاوزت الحدود التي رسمتها لإعلاناتها. فتوجهت نحو تحرير الجمال من أية ضوابط وتقديس فكرة تصالح الفتيات مع أجسادهن من خلال “Beauty on your own times” ومجموعة فيديوات أخرى تحت مسمى “Real beauty sketches” لـDove.

و”Labels againts women” لـPantene.

كان هذا الإهتمام بالمرأة خطوة ضرورية تتماشى مع كل التحركات النسوية العالمية ومع وضع المرأة الإقتصادي والإجتماعي وحتى السياسي.

تعرف Edgar watches Company الرجل من جديد

الخطاب النمطي في مجتمع بطريركي لا يظلم المرأة فحسب، وإنما يزج بالرجل في صناديق تحد من حرياته وتكبت مشاعره وتحوله إلى وحش سلطوي ورجعي، يُولد وهو لا يرى نفسه إلا محاربًا أو بطلًا. لا يبكي لأن جنسه يفرض عليه ذلك ولا يترك مشاعره تطفو على السطح لأنه لم يُخلق ليفضح مشاعره.

ترد Edgar watches على كل هذه الأطروحات التي دافع عنها النظام الذكوري المهيمن وتعرّي الرجل الإنسان لتبرز روحه. تقف ضد العنف المسلط على الرجل والقسوة الموجهة إليه وتستند في ذلك إلى إحصائيات وأعداد.

تتغيرالإعلانات بتغير السوق العالمية وتطور الشركات أدواتها لتصمد أمام شركات أخرى يفرضها الطلب. ترحل إعلانات وعلامات دون ترك أي أثر وتبقى أخرى نتذكرها كلما تذكرنا الرسالة المطمئنة التي قامت عليها.

اقرأ أيضًا: هل انتهى حقًا عصر الإعلانات التجارية التقليدية؟!

0

شاركنا رأيك حول "تمس القلوب قبل الجيوب: إعلانات تجعلك ترى إنسانيتك فيها قبل أن ترى المنتج"