معايير الجمال
0
لعلكِ تقرأين هذا المقال بعد تصفح تطبيق الإنستغرام، والتأكد أنك مطلعة على آخر المستجدات. ثم أثناء التصفح وجدتي صورة لعارضة أزياء أو امرأة شهيرة، حازت على الكثير من الإعجابات والقلوب الافتراضية، بعد الإطلالة الجديدة، والميك آب الجديد والفستان باهظ الثمن، فشعرتي بالإحباط والقلق ألا تكوني جميلة مثلها، وتساءلتي ما الذي يجعلها جذابة بهذا الشكل وما هي معايير الجمال حقًّا.

اقرأ أيضًا: الجمالية السوسيولوجية … نظرة مختلفة لمفهوم الفن ووظيفته

معايير الجمال وإنستغرام، الصورة تزيّف الحقيقة

كان عدد مستخدمي إنستغرام في عام 2018 يزيد عن مليار مستخدم، ونصفهم- أي ما يعادل 500 مليون مستخدم- يتصفحونه بصورة يومية. ومن هؤلاء، كانت نسبة الإناث تحت سن 34 عامًا تفوق 60% من المستخدمين. صُممت تلك الوسائل لإبقاء المستخدمين عليها بشكل إدماني، عبر التصفح الأبدي، الإشارات والإشعارات والقصص الحية، ترفع نسبة القلق لدى مستخدميها بصورة عامة، نتيجة الشعور بعدم الكفاية ونقص الثقة بالنفس النابع عن نظام الإعجابات والتقييم الاجتماعي والمقارنة مع الغير.

ولكن استخدام النساء لهذه الأدوات مثير للانتباه والقلق بصورة خاصة. يتيح تطبيق إنستغرام عرض الصور بشكل مستمر، ويتيح استخدام المنقحات أو «الفلتر» لتغيير الشكل كما تشاء صاحبة الصورة، خالطًا الحقيقة بالخيال. تؤدي تلك الحيل إلى صورة مغلوطة لدى مستخدمات التطبيق عن المعايير الواقعية للجمال، فتزيد المخاوف والقلق بشأن ألا تكوني جيدة أو جميلة بما يكفي مثل تلك التي حازت على آلاف الإعجابات والتعليقات الإيجابية على وسائل التواصل الاجتماعي.

فلاتر إنستغرام

تشير الأبحاث المنشورة على الرابطة الأمريكية للطب النفسي أن إنستغرام تحديدًا يؤدي إلى عقد المقارنات بين أنفسنا وأقراننا، ويساهم في الشعور بالإحباط والقلق والاكتئاب. وتُعزى هذه الظاهرة إلى الصور «التي تنمط المثالية» عن النساء الأخريات. وعلى عكس الصبية الذين يميلون إلى ألعاب الفيديو، فإن البنات يملن إلى وسائل التواصل الاجتماعي المصورة. وبينما يعلم الصبي أن الفيديو غير حقيقي، لا تستطيع الفتاة أن تعلم أن تلك الصورة المتأثرة بالميك آب وزاوية التصوير والفلتر غير حقيقية، ما يؤدي إلى خلط الحقيقة بالوهم.

اقرأ أيضًا: تمس القلوب قبل الجيوب: إعلانات تجعلك ترى إنسانيتك فيها قبل أن ترى المنتج

معايير الجمال الحالية، التطور التقني والركض خلف السراب

ليست وسائل التواصل الاجتماعي إلا إحدى أشكال هذا الهوس بمعايير الجمال غير الواقعية، والتي تؤذي النساء أكثر مما تنفعهن. يمكن إرجاع ذلك إلى التطور غير المسبوق الذي طرأ على صناعة الجمال؛ بدايةً من البوتوكس وهي تقنية يقوم فيها الطبيب بإزالة تجاعيد الجلد حتى يعود إلى «الشباب المزعوم»، وكأن على المرأة أن تُحبس في فترة زمنية معينة ولا يمكنها المرور بكافة الأعمار كالرجل!

ثم نسمع عن الفيلرز، أو مكبرات الثدي أو المؤخرة، حتى تعالج النساء النحيفات صغر تلك المناطق عن الحجم المطلوب اجتماعيًا. وغيرها من وسائل الميك آب ومستحضرات التجميل باهظة الثمن، وتنميط شكل الأجساد والأوجه، حتى فقدت كل امرأة ملامحها المميزة وجمالها الخاص.

التجميل
كارلا بروني زوجة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي قبل وبعد عمليات التجميل☹

جراحات تجميل الوجه والانحياز للشباب

تبدأ الغاية البديهية من الدخول في أي عملية جراحية لتجميل الوجه، تتوجه تلك الغاية نحو زيادة جاذبية السيدة التي تقرر إجراءها، ولكن هل تؤدي تلك العمليات فعلًا إلى زيادة الجاذبية؟

وجدت مجلة الرابطة الطبية الأمريكية في دراسة لها أن جراحات تجميل الوجه لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة الجاذبية، وينحصر ما تخلفه في تصغير عمر الوجه «بصريًا».

يقول جراح التجميل جوشوا زيم: «كانت النتيجة المفاجئة أننا لم نرَ تحسنًا ملحوظًا إحصائيًا في الجاذبية».

ثمة مسلمة تعسفية لا يبوح بها أحد في الثقافة المعاصرة، وهي أن الجاذبية تقل بمرور العمر، فالكبار بالسن أقل جاذبية بالعموم. تنتشر بين النساء هواجس التجاعيد والشعر الأبيض، فيتسابقن إلى إزالة تلك الآثار المزعجة للشيخوخة، والتي قد تجعلهن أقل جاذبية في عيون من تهتم برأيهم. ربما ستحكم على شخص متوسط الجاذبية ولكنه في الثلاثين من عمره بأنه أكثر جاذبية من غيره السبعيني الجذاب.

لا يضمن النكوص إلى الشباب زيادة الجمال أو الجاذبية كما أشار البحث، بل إلى صورة مشوهة عن الشباب وإلى مزيد من الإحباط واللاجدوى. فضلًا على أنها تطمس آثار عمر كامل عاشته المرأة لصالح وهم الجمال المتخيل.

التجميل
دوناتيلا فيرساتشي: مأساة عمليات التجميل

البيولوجيا التطورية والانتقاء الجنسي

بناءً على تراث التحليل النفسي لجاك لاكان، فإن الذات ترغب بما يرغب به الآخر، لتكون محل رغبة الآخر وتنال اهتمامه، فنحن كائنات اجتماعية بالنهاية. لا تهتم النساء بصيحات الجمال والمعايير غير الواقعية وتُصاب بالإحباط لأنها ترغب بإيذاء نفسها، ولكنها بالأحرى ترغب بالشعور بالحب والقبول في المحيط الاجتماعي، خاصة من الرجال. فإذا كان الاهتمام بالنظافة الشخصية ضروري للصحة العامة للفرد بغض النظر عن الآخرين، فإن اهتمام المرأة بجمالها موجه أساسًا للخارج.

تتقاطع في هذا الشأن البيولوجيا التطورية مع السيكولوجيا، إذ تخبرنا أن اهتمام النساء بالـ«فيلرز» أو المكبرات والمضخمات، لتكبير الثدي أو المؤخرة والخصر النحيف، ينبع من تفضيل الرجل تطوريًا لكبر حجم تلك المناطق وتفضيله الخصر الرفيع. فقديمًا، كان الرجل ينتقي المرأة ذات الحوض الكبير باعتبار أنها قادرة على حمل الأجنة، فيضمن ذلك نجاح الحمل واستمرار النسل. استمرت تلك المعايير وإن كان الاستمرار على استحياء، ولكنها ما زالت تشكل هواجس الليل لدى النساء التي لا تطابق تلك المعايير، مسببة لهن إحباطًا وصورة سيئة عن الذات.

نزع الإنسانية عن النساء، أو المرأة لوحة فنية

لكي نفهم سر هذا الهوس خلف الجمال، علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع النساء. لا يعتبر المجتمع- بنسائه ورجاله- النساء ذوات مستقلة لهن شعور وفكر ورغبات خاصة، ولكنه يتعامل مع النساء بصورة مثالية، أو إذا صح التعبير، فإن المجتمع يتعامل مع صورة المرأة أكثر من تعامله مع حقيقتها الفعلية. لذا، ربما لن نخطئ التعبير إذا رأينا أن المجتمع يتعامل مع المرأة بصفتها لوحة فنية، لا إنسانة.

يقول الفيلسوف فالتر بنيامين، المفكر البارز في حركة مدرسة فرانكفورت، في كتابه «العمل الفني في عصر إعادة الإنتاج التقني»، أن العمل الفني تحول من فرادته التي ميزته في العصور القديمة، إلى حالة من الإنتاج وإعادة الإنتاج الميكانيكي. فاليوم لن ترى لوحة فنية متميزة فريدة كالموناليزا، ولكن سترى العديد من الأعمال المبعثرة التي تسعى كل منها لتقليد الأخرى للحصول على القبول الشعبي، وبالتالي تحقق الربح، بصفته القيمة العظمى في النظام الرأسمالي.

يسعى أصحاب الشركات الكبرى إلى تعزيز هذا التنميط للجمال، وتشجيع النساء على شراء آخر صيحات الموضة والتسابق للحصول على أغلى مستحضرات التجميل، والمزيد من الابتكارات الطبية والعلمية في مجال جراحة التجميل والجلدية لإظهار المرأة بصورة معينة، وتنميط جمالها، وتشجيعها على مواكبة تلك الصيحات؛ ليصب ذلك في النهاية في مصلحة الربح وتجارة المال.

نحو رؤية أكثر إنسانية للجمال

كونك امرأة، لا يعطي الحق للآخرين أن يختزلوا كيانك إلى صفات بصرية وجسدية تمتع أنظارهم فقط. تنحصر المعايير غير الواقعية الحالية للجمال في معايير فرضتها الشركات الغربية ومصممو الأزياء والمشهورات من النساء، كما أنها تتغافل عن اعتبار المرأة إنسانة كاملة الإنسانية، وتتعامل معها كدمية أو لوحة يجب عليها أن تسر الناظرين فقط، ما يؤدي بكل الخارجات عن تلك المعايير إلى فقدان الثقة بالنفس والشعور بالإحباط.

لا تحتاجين إلى معايير خارقة للجمال واستخدام أحدث مستحضرات التجميل، ولا تحتاجين أيضًا إلى عمليات جراحية باهظة الثمن من أجل تغيير ملامحك ومطابقة المعايير التي وضعها المجتمع للقبول. لكل امرأة جمالها الخاص، ولكل امرأة ذات مستقلة، ليست المرأة لوحة مطلوب منها أن تكون جميلة وإلا تسقط عنها القيمة، بل هي إنسانة لها شعور وفكر وعقل وروح، يجب علينا أن نأخذ تلك الأمور في الحسبان ولا ننجرف خلف معايير غير واقعية. لا يضر أن تهتم كل امرأة بجمالها، فهذا مهم، ولكن ليس إلى الحد الذي يؤذي سلامتها النفسية ويؤذي غيرها من النساء وينزع عنهن الإنسانية.

اقرأ أيضًا: تأثير قلم الحمرة: حين تغرق الشعوب الخاسرة في الأزمات الاقتصادية بالتفاصيل الصغيرة

0

شاركنا رأيك حول "الجمال العنيف: كيف تتأذى النساء من معايير الجمال غير الواقعية؟"