0

قبل أن يتعلم أجدادنا البشر البدائيين الكلام، كانت لغة التخاطب هي لغة الإشارة، ودرجت العادة أنه عندما يلتقي رجلان في الغابة يفرد كل منهما أصابع يده اليمنى كدليل على أنه لا يحمل سلاح ولا يريد الحرب، بل السلام!

مع الوقت لم يكتفِ البشر بفرد أيديهم أو مد لسانهم مثلًا، بل صاروا يقتربون أكثر ويشبكون الأيادي، وهكذا نشأت المصافحة!

في الدليل على المودة

تطورت القصة إلى أن أصبحت المصافحة دليلًا على المودة وعدم إضمار الشر للآخر… نحن نسميه (السلام). ومع مرور الأجيال أصبح السلام يتكون من عدة مراحل.. الابتسامة والمصافحة ثم قبلتين على الخدين وقبلة ثالثة على الكتف! وربما عناق!

في الإسلام كانت التحية (السلام عليكم) تعني (عليك الأمان، لا أريد قتالك!)، ثم تطورت القصة كأن نلوح بأيدينا وهي غريزة بدائية فحواها أننا غير مسلحين ولا نريد القتال!

اليوم في زمن الكورونا تحجّبنا جميعًا رجالًا ونساءً بالكمامات، وأصبحت لغة العيون هي المستخدمة للتحية بالإضافة لبعض الحركات العجيبة باليدين والأكواع!! ……… أنا أصافح نفسي كل صباح لأقول لنفسي أنني غير مسلح ولا أريد الحرب، أنا أطلب السلام فقط!

اقرأ أيضًا: الأطفال وكورونا: كيف تؤثر الجائحة في مهارات تواصل وصحة النشء؟

المار حبا.. الله محبة

من أشهر مفردات التحية في العالم العربي هي (مرحبا) وهذه الكلمة تعود لآلاف السنين وتنتمي إلى اللغة السورية الآرامية القديمة، وهي في الأصل (مار – حبا) حيث أن (مار) تعني الإله و(حبا) تعني المحبة، وهكذا تصبح كلمة (مرحبا) تعني الله محبة،§ وهذا تطور لا يستهان به في العقل البشري خلال رحلته الشاقة نحو الحضارة، فأصبحت مفردات التحية تدل على المحبة المتبادلة بدلًا من أن تكون مجرد إشهار للسلم أو تأكيد عدم الاقتتال..

على سبيل الطرفة وباعتباري أحمل إجازة في الرياضيات، ختمت إحدى المحاضرات لطلابي بالسؤال التالي: التقى عشرة أشخاص في المطار فتصافحوا، والمطلوب معرفة عدد المصافحات التي تمت، فحار الطلاب جوابًا وراحوا يتصافحون بطريقة هستيرية لمعرفة الجواب دون جدوى 😁 كما أن هذا السؤال سبب إحراجًا لبعض الزملاء المدرسين، وربما لأنه خارج عن المألوف، ولكنه في المناهج الغربية من الأسئلة الشائعة.. (برأيك ما هو الجواب🙂)

أحيانًا للتحية بروتوكولاتها

حصلت معي في أواخر طفولتي أن دخلت مكتبًا في الشركة التي كان أبي مديرًا تجاريًا بها، وكنت محبوبًا كطفل أتى لهذه الحياة بعد تسع سنوات من الزواج وشبه اليأس من الإنجاب، فكنت أتنقل كالحيوانات الأليفة من مكتب إلى مكتب حيث تتسابق الموظفات لتقديم الحلوى والشاي لي وبعض الألعاب، وفي إحدى المرات دخلت إلى مكتب وهممت أصافح الجميع إلى أن وصلت بالدور لامرأة لطيفة ومحجبة، وتعجبت بعد أن مددت يدي بأنها وضعت يدها على صدرها كبديل عن المصافحة، ولكنني لم أفهم كطفل هذه الحركة وظلت يدي ممدودة إلى أن همست في أذني موظفة أخرى بأن أكتفي بهذا الحد من التحية، شعرت وقتها بالحرج وربما الإهانة، ولكن مع الوقت رحت أفهم الثقافة الاسلامية أكثر فأكثر!

مع الوقت علمت أن هناك مواقف علينا أن نخضع فيها لبروتوكول معين كي نحيي أحدهم، مثلًا هناك التحية غير الرسمية، وفيها قد نكتفي بتبادل لفظي للتحيات، أو حتى بالإشارات أو الإيماءات، فقد نكتفي بصباح الخير مع إيماءة من الرأس عن بعد، أو قد يلفح أحد المراهقين صديقة بتحية يعتبرها الكبار تهورًا..

هناك أيضًا تحيات رسمية، كأن تخاطب رئيسك في العمل عبر رسالة بريد إلكتروني، أو حتى وجهًا لوجه، عليك هنا استخدام صيغة محددة تراعي فيها الألقاب ومركزيكما الوظيفي: “السلام عليكم الأستاذ فلان المحترم…” أو “الأستاذ فلان المحترم، تحياتي لك، أما بعد.. “. أما إن كانت التحية وجهًا لوجه، تراعي هنا حتى نبرة صوتك التي ينبغي أن تنسجم مع موقع الذي تحيه، والرسالة التي تريد إيصالها له. لا تتصحك بالاختصارات مطلقًا.

أما عن الوقوف، فلا شك أنه يعكس احترامك للذي تحييه، وهو مألوف حين دخول ضيف أو وافد جديد على مكان تجلس فيه، وحتى لدى مغادرته.

وبالنسبة للمصافحة بالأيدي، فتجد شيوعًا في أوروبا والغرب و(المجتمعات الشرقية بين أبناء الجنس الواحد)، مع الأخذ بعين الاعتبار الحذر في حال المصافحة بين الجنسين، وتفضل مجتمعاتنا أن تبادر المرأة بمد يدها أحيانًا. ويحدث العناق بين الأحبة أو أفراد الأسرة الواحدة أو الأصدقاء المقربين.

التحية وأشكالها

ملاحظة: يُفضل نزع القفازات أو النظارات الشمسية حين تحيّي شخصًا.

اقرأ أيضًا: المتصوفة وعلاقاتهم مع الله: أمثلة حية من التاريخ الإسلامي

كيف تحيّي شعوب العالم بعضها

من الطرق العجيبة في بلاد التيبت بأن التحية تكون بمد اللسان خارج الفم، أما في بلاد الإغريق فتميل التحية إلى العنف أكثر وتكون بالضرب على الظهر، تليها عنفًا تحية شعوب الأسكيمو حيث تكون بضرب الرأس أو الكتف، أما أهل اليابان فيكتفون بالانحناء فقط لا غير! ولا ننسى طبعًا التحية عن طريق حك الأنوف ببعضها لدي أهل نيوزيلاندا والتي تتشابه أيضًا مع التحية في بلدان الخليج العربي عمومًا.

عندما يتصافح الزعماء

في هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها عالمنا العربي، قد تكون المصافحة بين وزيري خارجية مفتاحًا لحلٍّ منتظر أو نهاية لحرب طالت، وكما يقال أن أجمل ما في الحرب هو انتهاؤها!

عندما يتصافح الزعماء يتغير التاريخ أو ربما يُصنع تاريخ جديد، يعد المساكين والبؤساء بغدٍ أفضل، وهذه المصافحة قد ترسم ابتسامة على وجه يتيم هائم في الطرقات، أو تعيد لاجئًا ضائعًا في شوارع غريبة، ينظر في الوجوه المتجاهلة والعابسة فيختار النظر إلى حيث ما تطأ أقدامه وهو يعيد حساباته كل صباح دون جدوى!

متى تصبح التحية مريبة: حين تُنقَل لنا النوايا

وفي موضوع آخر بعيد عن الأمان والمحية، حدثتني إحدى الزميلات أن صديق والدها وهو رجل يقارب السبعين من العمر، كان يتقصد في كل مرة مصافحتها بطريقة مريبة وكأنه يتلذذ في ذلك! وبالتالي تكشف لنا المصافحة أحيانًا عمق الهوة المجتمعية أو الأخلاقية التي يصر البعض على زيادتها عمقًا، على الأقل كما يقول المثل الشهير: (إذا كنت في حفرة فتوقف عن الحفر)..

في هذه الحالة، تعكس التحية نوعًا من التحرش المستتر أو دعوات غير لائقة، ويُفضل تجنب مثل هذا الشخص تمامًا، أو إخبار أحد المقربين بالأمر.

أصول التحية

أود أن أقول لكل من قرأ هذا المقال: (مرحبا) وهي التحية الآرامية القديمة والتي صمدت حتى يومنا هذا، وأن يدي ممدودة لمصافحتكم بكل محبة مهما اختلف الآراء فأنا أؤمن بالاختلاف وليس الخلاف! الاختلاف في المجتمعات غنى ومقياس حضارة وهنا أود الاقتباس من قول للباحث وأستاذ علم الاجتماع الدكتور علي الوردي حيث يقول:

“الاختلاف في المجتمع يعطي للمجتمع جناحين يحلق بهما في سماء الحضارة أما المجتمع الذي يخلو من الاختلاف فهو كمن يربط قدميه ويحاول المشي”. هذا القول نقلته بتصرف.

اقرأ أيضًا: كُنْ محترفًا.. تعرف على الأسباب التي تدفع المتلقي لقراءة رسالة بريدك الإلكتروني

0

شاركنا رأيك حول "من “عليك الأمان” إلى أنا “أحبك أو أحترمك”: تعرف على ما يمكن أن تنقله التحية بشكلها البسيط من التواصل"