في أثر عنايات الزيات - إيمان مرسال
0

في أثر عنايات الزيات كتاب للشاعرة إيمان مرسال صدرت طبعته الأولى في عام ٢٠١٩ عن دار الكتب خان ضمن سلسلة بلا ضفاف، وحصلت عنه على جائزة الشيخ زايد في مجال الأدب لعام ٢٠٢١؛ يهدف الكتاب إلى إعادة قراءة أرشيف مدفون لروائية مجهولة كتبت روايتها الوحيدة الحب والصمت ثم انتحرت.

 في أثر عنايات الزيات رحلة بحث بين تاريخين

في صباح يوم الخميس ٣ يناير ١٩٦٣.. ظلت سنتين تنتظر مكالمة واحدة، كانت مؤمنة أن تلك المكالمة ستغير حياتها للأجمل، يدق قلبها كلما كانت تفتح باب المنزل وتسألهم هل سأل عليّ أحد من دار النشر، فتكون الإجابة المعتادة “لا لم يتصل أحد”، حتى جاء يوم فتحت فيه باب المنزل وقالت لها والدتها أن الدار القومية قد اتصلت بك وقالوا: إن روايتك لا تصلح للنشر. 

صعدت إلى شقتها، كان لديها الاستعداد لأخذ القرار، وبكل هدوء أخذت ٢٠ حبة منوم، وذهبت في نومٍ عميق.. إلى الأبد. وتركت بجانبها رسالة:

“ابني الحبيب عباس، أودعك، وأقول لك إنني أحبك، غير أن الحياة غير محتملة..” عنايات الزيات 

في صباح يوم عادي لعام ١٩٩٣.. ذهبت إيمان مرسال إلى سور الأزبكية بالعتبة، لتبحث عن كتاب “كرامات الأولياء” للنبهاني، وبالصدفة وقع بين يديها رواية “الحب والصمت” تأليف عنايات الزيات.

لتشابه الأسماء اعتقدت أن عنايات أخت الكاتبة المصرية المعروفة “لطيفة الزيات”، وقبل أن تفكر في اقتناء الرواية أو لا؛ ولشطارة البائع حسم لها الأمر وهو يقول لها “بجنيه فقط”، فاشترتها، ومن هنا بدأ التساؤل الأول: من هي عنايات الزيات؟ ومن ثم بدأت رحلة للبحث عن أرشيفها المجهول، ومن هنا كان كتاب في أثر عنايات الزيات المنشور في طبعته الأولى عام 2019.

صدفة جمعت إيمان مرسال مع عنايات الزيات

في أثر عنايات الزيات - كتاب

إيمان مرسال هي شاعرة وأكاديمية ومترجمة مصرية، وصدر لها خمس مجموعات شعرية، إيمان مهتمة بالأدب، وترجمت العديد من الكتب الأدبية، ولكن الغريب في الأمر أنها ما إن قرأت هذه الرواية حتى علقت في ذهنها، لم تبدأ مرسال في البحث عن سبب رحيل عنايات إلا بعد ٢٠ عامًا من قرأتها للرواية! ونُشر كتاب “في أثر عنايات الزيات” في عام ٢٠١٩، وحصلت على جائزة الشيخ زايد في مجال الأدب لهذا العام.

“أحيانًا يهز كيانك عمل أدبي ما ولا يعني ذلك أنه عمل غير مسبوق في تاريخ الأدب، أو أنه أفضل ما قرأت في حياتك، إنها الصدف العمياء التي تبعث لك رسالة تساعدك على فهم ما تمر به.. الامتنان ليس للأعمال العظيمة فقط، ولكن للأعمال التي كان دورها عظيمًا في فهمنا لأنفسنا في لحظة محددة، حتى إننا عندما نلتفت لحياتنا يمكننا تعريفها بهذه الأعمال..” إيمان مرسال متحدثة في كتابها في أثر عنايات الزيات عن رواية الحب والصمت

رواية الحب والصمت

الرواية تدور أحداثها في العصر الملكي بمصر، ما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، وتحكي عن فتاة اسمها “نجلاء” من عائلة أرستقراطية، تنقلب حياتها بعد وفاة أخيها “هشام”، تدخل في دوامة من الكآبة والحزن، حتى تخرج للعمل لأول مرة في حياتها وضد رغبة أسرتها البرجوازية، وتتعرف على الكاتب الثوري “أحمد” ومن ثم تبنت أفكاره السياسية، حول فساد الملك والاستعمار وجشع الطبقات البرجوازية، حتى أنها كانت تنظر لحياتها وأسرتها بطريقة مختلفة. 

نسجت عنايات الزيات روايتها الأولى بمراحل عدة، فلم تظل طويلًا في التعبير عن رثاء الأخ؛ حتى انتقلت إلى معاني أكثر عمقًا مثل عمل المرأة والحب والوعي السياسي والحرية بمفهوم “نجلاء”، لتبدأ في البحث عن هويتها الحقيقية. 

الرواية وأحداثها ولغة تعبير امرأة في الستينات عن نفسها وأفكارها بكل حرية، لم تكن كل تلك الأشياء.. العوامل الجاذبة لمرسال كي تخوض رحلة البحث في أرشيف عنايات، الأكثر جاذبية بالنسبة لها هي أن تلك الرواية كانت ملهمتها لتسليط الضوء على الأعمال الأدبية المتروكة على هامش الأرشيف، وأحيانًا المتلفة منه!

رواية الحب والصمت - عنايات الزيات

ليست سيرة ذاتية وإنما محاولة لقراءة الماضي

لا تحبذ إيمان مرسال وصف كتابها “في أثر عنايات الزيات” بأنه سيرة ذاتية أو مجرد تتبع أثر لشخص لم ينل حظه من تسليط الضوء عليه رغم موهبته، فهي ترى أن هذا ليس دورها، وإنما دورها أن تقول رسالة أهم وهي أن ليس بالضرورة أن كل ما يسطره التاريخ لنا هو الحقيقة، وأن علينا طوال الوقت إعاد قراءة التاريخ بأنفسنا.

سنرى أناس كثيرون غير عنايات قد ظُلموا وجار عليهم القراء بسبب “الانتقائية” التي نقوم بها بشكل لاواعي عندما نختار أسماء لامعة في عالم الأدب أو الرواية أو أي مجال آخر، ولا نترك المجال لأنفسنا بأن ننظر للقوائم الموجودة على الهامش، مثل رواية “الحب والصمت” التي كانت تباع بجنيه واحد. 

رحلة البحث في أثر عنايات الزيات

“قبل أن تتحوّل عنايات من كاتبة مجهولة إلى ندّاهة تطاردني، قبل أن أرى صورتها، وأسمع طرفًا من أخبارها، وأشعر أنني مشدودة من أنفي لمعرفتها، كنت أبحث عن الكنز، عن أرشيفها الشخصيّ الذي لا بد أنه هناك، متفرق بين البيوت وجغرافيا القاهرة وفي ذاكرة من تبقى من حياتها من أحياء”.

المحرك الأساسي لمرسال للبحث كان سؤال: لماذا ظلت رواية “الحب والصمت” خارج قوائم التأريخ للرواية العربية وكتابة المرأة العربية؟

وللإجابة على هذا السؤال كان عليها المرور بمحطات عدة، لتقترب أكثر من عنايات، ولتكتشف أن هناك عوامل أخرى في تشكيل مآساة الزيات، التي سجلها كتاب في أثر عنايات الزيات ضمن صفحاته. 

المحطة الأولى: البحث في المقابر  

حصلت مرسال على قصاصة من صفحة الوفيات تحمل بعض المعلومات عن عنايات وأسرتها ومكان المدفن، واعتقدت أن هذا خيطها الأول للتعرف على شجرة العائلة، والذهاب لمن هم على قيد الحياة. ولكن رحلة المقابر لم تكن بتلك السهولة.

تحاول إيمان طوال الوقت أن تقيم حوار بينها وبين عنايات من طرف واحد، هي تأكدت أن عنايات توجه لها رسالة أنه “ليس بتلك البساطة أن تصلي إلي”، وهذا ما جعل الرحلة أكثر متعة وأكثر إرهاقًا في نفس الوقت، وهنا أقصد الإرهاق النفسي أكثر منه الجسدي؛ لأن مرسال عاشت مأساة عنايات من خلال سرد قصتها لأعوام طويلة.

المحطة الثانية: صندوق عنايات مع صديقتها المقربة “بولا”

“عنايات هي اللي وصلتك ليا يبقى هي عايزاني أكلمك عنها” _ نادية لطفي

بدأت مرحلة البحث الحقيقية عن عنايات في خريف ٢٠١٤، عندما استطاعت مرسال التواصل هاتفيًا مع صديقة عنايات الوحيدة وهي بولا أو اسم شهرتها المعروفة به “نادية لطفي” الفنانة المصرية الشهيرة. 

بولا كانت الكنز التي حصلت عليه إيمان وهي تبحث عن عنايات، فهي صديقة الطفولة، استطاعت أن تلمس من كلام نادية لطفي كل تفاصيل شخصية عنايات، واطلعت على صورهما القديمة وبعضًا من مذكرات عنايات الشخصية.

وبالفعل كان اعتقاد إيمان مرسال صحيحًا، فانتحار عنايات وتهميش روايتها لم يكن محض الصدفة؛ وإنما له تباعات وأحداث عدة؛ حاولت الكاتبة أن تصنفهم بأولوية تأثير كل حدث على نفسية عنايات اعتمادًا على شخصيتها ومسيرتها.

لكن لا تقلق عزيزي القارئ لن أحرق لك الكتاب، سأعرض فقط عناوين فرعية تستحق المناقشة، وأعتقد أنها ستجعلك تستمتع أكثر وأنت تحللها مع الكاتبة أثناء القراءة.

نادية لطفي

المحطة الثالثة: “نجوم الأدب” هل قسوا في حكمهم على عنايات؟

“كنت أتصفح الكتاب الغريب، وأقرأ سطوره الحالمة وأتخيل مؤلفته التي كتبته، كانت تسيل رقة وعذوبة..”

كانت تلك بداية لمقدمة مصطفى محمود لرواية عنايات الزيات. اعتقدت إيمان أن مصطفى محمود أحد الكُتاب المفضليين لعنايات لذلك كتب مقدمة لها بعدما أعجب بكتابتها. ولكن لم يكن هذا التصور الصحيح، لأن نادية لطفي قالت لها إن من خلال علاقاتها بعالم الأدب والكتابة؛ لم تكن تعرف سوى “مصطفى محمود، يوسف السباعي وأنيس منصور” ولذلك قدمت عنايات لهم.. وانتظرت عنايات ردًا منهم على روايتها ولكن لانشغالهم تأخروا كثيرًا في الرد.

الغريب أن يوسف السباعي وأنيس منصور تناقشا مع بعضهما البعض حول الرواية وقد أعجبتهم وأعجبوا كثيرًا بموهبة عنايات الزيات، وكان رأيهما أنها مشروع أديبة واعدة، ولكن مع الأسف دار هذا النقاش بعد انتحارها!

 الشاهد أن نجوم الساحة آنذاك أو “كُهان الأدب والثقافة” كما وصفتهم مرسال في كتابها، كانو بمثابة سبب شفاف لظهور أو خفوت موهبة جديدة، فليس بالضرورة أن يكون استبعاد كاتب جديد عن النشر هو سبب سياسي فقط، تلعب “شبكة المفكرين” والأيدلوجية دورًا كبيرًا وبشكل خفي في الانتقائية الفكرية؛ حتى أن الجمهور المتلقي يصبح بعد ذلك انتقائيًا ويتقبل الأفكار من كتابه المفضليين وقد يرفض أحيانًا الاطلاع أو التفكر من جديد خارج صندوق الأرشيف الذي صنعوه له.

اقرأ أيضًا:

المحطة الرابعة: أرشيف عنايات الحقيقي

في هذه اللحظة قررت الكاتبة أن تترك البحث في أرشيف المجلات والجرائد والمقالات المكتوبة عن عنايات وأسباب انتحارها وتحليل روايتها، وقررت البحث بنفسها في صندوق عنايات.

واستطاعت خلال عملية بحث شاقة الوصول إلى بيت أخت عنايات “عظيمة الزيات” لتتعرف على عنايات عن كثب، لتكتشف أنها كانت أقرب لبولا صديقتها عن أخوتها.

واستطاعت أن تلم بشخصية عنايات والتي كانت قريبة جدًا لبطلة حكايتها “نجلاء” كانت تعبر عن نفسها في الرواية، بكل المشاعر المضطربة التي كانت تمر بها.

“كنا صغيرين في السن ومنعرفش يعني ايه اكتئاب، دلوقت الأجيال الجديدة بتعرف أكتر وبيطلبوا مساعدة، مكنش عندنا وعي للأسف”.

كانت تلك كلمات عظيمة عن أختها في اللقاء الأول بينها وبين إيمان مرسال، لتدخل مرسال بعدها في عالم آخر مع عنايات، عالم أعمق مما كانت تتخيل، عالم الاكتئاب الذي كانت تعيش فيه منذ أن كانت صغيرة، وحاولت أن تخرج مشاعرها كلها في أكثر شيء تحبه وهي الكتابة، ولأن دراستها كانت بالألمانية، تعلمت اللغة العربية والنحو على يد والدها وهي في العشرين من عمرها، كي تسن أول كلماتها في قصص قصيرة وخواطر ومن ثم روايتها الأولى “الحب والصمت”.

المحطة الخامسة: حُلم الكتابة يتجدد 

تتحدث عنايات عن نفسها في مذاكراتها التي استطاعت مرسال الحصول عليها من خلال “نادية لطفي”، وتشير إلى نفسها في المذكرات بـ “هي” كأنها تنظر لنفسها من بعيد بعينَي امرأة أخرى: 

“تزوجت دون حُب، دون تفاهم، دون انسجام. لم تفكر في شيء من هذا، كان هدفها أن تترك المدرسة بكل تزمتها ومحدوديتها..  أقفلت جنة الطفولة المبكرة لتفتح باب الشباب مبكرًا، بل باب الكهولة المبكرة.. ولم تر طريقًا للعودة وحارت وبكت.. وراحت تطلب الخلاص، بل العون من الله، من القدر، من الكل، ونسيت في غمار بحثها أن أحدًا لا يستطيع إنقاذها لأن عملية الإنقاذ تبدأ من داخلها هي.. وفجأة رأت المفتاح، مفتاح الخلاص معلقًا في عنقها.. في نفسها، فقامت وفتحت الباب.. وخطت أولى خطواتها حرة طليقة بجلد جديد، بالشجاعة والمثابرة، والاعتماد على النفس”.

عنايات رغم ما كانت تعانيه من اكتئاب، إلا أنها كان بداخلها ثورة تشجعها على الاستمرار والاستمتاع بحياتها. وعندما تركت بيت الزوجية وأخذت طفلها، ظنت أنها أصبحت حرة وأخذت تبحث عن هوايتها المدفونة “الكتابة”.

 ولكن حال بينها وبين حلمها الكثير من العوائق، فلم تنتهِ جلسات المحكمة بمجرد أن تطلب الطلاق، ولم تتوقع عنايات أن عليها أن تثبت بشكل مادي ملموس أنها متضررة من زوجها، فالروح المعذبة ليست دليلًا مقنعًا أمام القاضي.

وهنا كشفت إيمان مرسال ستار آخر لم تتعذب فيه عنايات وحدها، ولكن أختها عظيمة أيضًا، والتي رفعت قضية طلاق وظلت في المحاكم سنين عدة. وكثير من النساء حتى يومنا هذا معذبات بسبب هذا قانون الأحوال الشخصية خاصة؛ فتأخذ مرسال على عاتقها أن تفسر مدى تعسف هذا القانون الذي لم يتغير منذ الحكم الملكي في مصر! 

اقرأ أيضًا:

المحطة السادسة: البيروقراطية ووقع الصمت الأخير

“لا شيء قادر على أن يخفني، الموت للخائفين، ولكن أنا عرفت سبب وجودي، أتطور بنفسي وبإرادتي للأحسن” عنايات الزيات 

كان لديها الدافع والرغبة للاستمرار، فبحثت عن أول خيط للعيش من جديد، واشترت آلة كاتبة، وسطرت أولى كلماتها ومشاعرها في روايتها الأولى، التي ظنت أنها ستكون الباب الوحيد الذي سينتشلها من أحزانها، فبإرادتها اختارت الحياة، والحياة بالنسبة لعنايات كان طفلها الصغير، والتعبير عن مشاعرها بالكتابة. 

ولكن للأوراق الرسمة وللنظام البيروقراطي رأي آخر، فتوالت السنين وما زالت تذهب للمحكمة، ولا تستطيع إثبات شيء، وقد تؤخذ حضانة ابنها منها في أي لحظة. انتهت من كتابة الرواية عام ١٩٦٠، وانتظرت الرد من الدار القومية عليها، شهر.. سنة.. سنتين كاملتين تنتظر الرد، في المنتصف كان يقال لها إن هناك إصدارات أخرى أهم للنشر، ومعظم الإصدارات التي كانت تتبعها دوريًا، كانت عن “الاشتراكية” بحكم النظام والأيدلوجية المتبعة آنذاك. 

أوراق كثيرة.. وانتظار مؤلم.. وسنين تمضي دون نتيجة.. وطفلها وروايتها يكادا أن يضيعا منها، فلماذا تبقى ولمن تعيش!

ومع الأسف جاءت الإجابة على هذين السؤالين بعد رحيلها، كان يمكن أن تتجدد آمال عنايات مرة أخرى لو كانت انتظرت قليلًا، ماذا لو أن القدر كان قد لعب معها وحدث خطأ غير مقصود غير مسار حياتها؟ سأترك لك عزيزي القارئ هذا التساؤول كي تقرأ هذه الرحلة الملهمة وتعرف الإجابة عليه. 

المحطة السابعة: عنايات وعدمية الأرشيف

لم تكن رحلة إيمان بسيطة بسبب مفهوم “عدمية الأرشيف” التي ستتكلم عنه في آخر الكتاب، لتكتشف أن الأرشيف في الجرائد والمجلات يُعامل باستخفاف في بعض الأماكن، فإذا ما كانت المعلومات القديمة ليست محل طلب من قبل الصحفيين أو الباحثيين، يتم إعدام تلك الملفات فورًا!

فلك أن تتخيل كم من الحقائق والأشخاص تم محيهم من الذاكرة لمجرد أنه لا يوجد استفادة مادية منهم، أو بمعنى أصح من ذكراهم.

تلك هي عدمية الأرشيف، التي لم تكن فقط في أرشيف المؤسسات الحكومية التي تتغذى على البيروقراطية ولا تعرف معنى التفاهم، ولكن تسرب معنى العدمية إلى البيوت.

حتى أرشيف عنايات الشخصي عند عائلتها غير مكتمل، لقد اجتز منه الكثير، لم يبقى سوى بضعة ورقات من مذكراتها ونسخة واحدة من روايتها، وبعض أفكارها الأخيرة التي كانت تنبأ عن رواية جديدة.. عنايات كانت ستكتب رواية جديدة تتبع فيها أثر شخص ما!

لم يتبقَّ من أرشيف عنايات الشخصي إلا ما أرادت العائلة أن تظهره فقط، وما أرادت المؤسسات الحكومية أن تبقيه.. انتقائية الفكر والصورة الذهنية التي فُرضت علينا، هذا ما يحدث معنا كل يوم في أي معلومة نتلقاها من الماضي!

المحطة الأخيرة: إصدار رواية باسم مجهول 

نُشرت رواية عنايات الزيات الحب والصمت عام ١٩٦٧ أي بعد حادثة انتحارها بحوالي ٤ سنوات، نُشرت كما كانت تتمنى عنايات من خلال دار النشر القومية، ولاقت احتفاءً من النقاد ولكن لم تلقَ نجاحًا جماهريًا، والتساؤل الأهم الذي دار في عقل إيمان مرسال هو لماذا تأخرت الرواية في النشر كل هذا رغم إعجاب النقاد بها، ولماذا لم يردوا على عنايات طوال تلك السنين!! 

كان هناك العديد من الافتراضات التي فكرت بها مرسال: افترضت أن يكون بسبب أوضاع البلاد في الستينات، خاصة مع التغييرات التي كانت تطرأ على الجانب الثقافي، ونظام التأميم الذي أعقبه ظهور موروث ثقافي معلب بأفكار وأيدلوجية واحدة.

وافترضت أن يكون بسبب انفرادية الرواية، فبالنسبة لإيمان الرواية ليست نوع مختلف؛ فهي رومانسية عذبة تتكلم عن الثورة والطبقية، الحب، الحرية، الموت، كلها معاني ذُكرت من قبل في العديد من الروايات التي خرجت في ذلك العصر، ولعلها أقربها رواية “الباب المفتوح” للروائية لطيفة الزيات.

ولكن انفرادية عنايات تكمن في اللغة المستخدمة، في طريقة وصفها للمشاعر والأفكار التي تجول في خاطرنا دومًا، والتي أثنت عليها وعلى موهبتها “لطيفة الزيات” نفسها.

ولكن جاءت الإجابة في آخر كتاب في أثر عنايات الزيات لسبب آخر ستعجب به.. سبب يتعلق بشبكة وأيدولوجية لا تسمح بالتفرد أو الخروج عن النص! لن يكف الكتاب عن مفاجئتك بحقائق مفجعة حتى الصفحة الأخيرة.

المحطة ما بعد الأخيرة: ازدهار الأثر بعد الرحيل 

الحب والصمت - في أثر عنايات الزيات - إيمان مرسال

 وبعد أن قررت الشاعرة إيمان مرسال الترحال إلى عالم عنايات، سلطت الضوء على “الحب والصمت” ولاقت الرواية إعجاب الكثيرين سواء نقاد أو جمهور عام في وقتنا الحالي.

في الوقت التي كانت تتمنى عنايات فيه أن ترى روايتها تُنشر أمام عينها لتُعيدها لتحمل تلك الحياة البائسة، هو الوقت ذاته الذي رسم القدر لها أن يبدأ أثرها الحقيقي بعد رحيلها.. ولعل هذا ما تمنته يومًا.. نحن نذكرك يا عنايات. 

ولأجل عنايات ولغيرها من الموهوبين والمبدعين الذين لم يذكرهم أحد، ستكون نظرتنا لأرشيف الكتب مختلفة، أعتقد أنني لن أتجاهل كتابًا بعد الآن بسبب جهلي لمؤلفه! جاء الوقت كما قالت إيمان مرسال في كتابها في أثر عنايات الزيات كي نُعيد ترتيب أرشيفنا الخاص، دون النظر للهالة الكبيرة أو الشبكة المحدودة من الكُتاب، التي فُرضت علينا منذ أن بدأنا القراءة.

“إن الواحد منا لا يموت؛ إننا أجزاء من الطبيعة الأم، ننفصل عنها بالحياة، ثم نعود إليها بالموت، فتصبح الطبيعة الكل” رواية الحب والصمت

لك أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "في أثر عنايات الزيات: رحلة إيمان مرسال للبحث عن أرشيف مدفون لروائية مجهولة"