كرب ما بعد الصدمة
0
لا يمكن إنكار أهمية لحظات معينة من الأحداث والمواقف التي نعيشها، بحيث تكون هذه اللحظة بالتحديد هي نقطة فاصلة في حياتنا النفسية بشكلٍ كبير، حرفيًّا نقطة تفصل ما قبلها عما بعدها كما فصل ميلاد السيد المسيح التاريخ الإنساني. ومن ضمن هذه اللحظات الأكثر تأثيرًا بالتأكيد هي لحظة سوء الاستغلال الجنسي أيًا كان نوعه ومصدره، يرتبط بشكل أساسي كذلك سوء الاستغلال الجنسي باضطراب كرب ما بعد الصدمة. وفي هذا المقال سنتعرف على جانبين من الحياة النفسية عند المرء ونحاول أن نقوم بعملية تضافر لهما معًا بحيث نستكشف العلاقة بينهما.

اقرأ أيضًا:  بين مفترق طرق النساء: الحتمية النفسية وتأثيرها على اختيارات بطل رواية الطريق

اضطراب كرب ما بعد الصدمة: عن التجارب المؤلمة التي لا تتركك وشأنك

اضطراب كرب ما بعد الصدمة Posttraumatic stress disorder، أو ما يسمى بشكل منتشر أكثر PTSD. وهو اضطراب نفسي يشيع تشخصيه بين المراهقين والبالغين، مع وجود ملحوظ في الطفولة. ويمكن تعريفه على أنه “حالة عقلية نفسية من القلق يعيش بها الإنسان بعد تعرضه لحادث صدمي، تحتوي هذه الأحداث على تهديد فعلي للحياة؛ كالحوادث الخطيرة، الكوارث الطبيعية، الحروب والاعتداءات الجنسية”. حالة القلق التي يعيش بها العقل ويجبر الشخص عليها تجعله دائم الشعور بالخوف والفزع وعدم الأمان في معظم الأوقات، كما يصاحبها في أغلب الحالات أعراض جسدية تتمثل في نوبات فزع مستمرة.

كرب ما بعد الصدمة

كيف تميز المصاب بكرب ما بعد الصدمة؟

من خلال أربع كلمات مفتاحية يمكن التنبؤ وتشخيص الأفراد الذين يعانون من اضطراب كرب ما بعد الصدمة، بشرط أن تستمر الأعراض لمدة تزيد عن شهر من التعرض للحادث الصدمي.

  1. تعرض: البداية من لحظة تعرض الفرد المباشر أو غير المباشر للحدث الصادم، فسواء تعرض الفرد بنفسه للموقف أو أحد أفراد الأسرة والمقربين، أو حتى السماع عن الأحداث المؤلمة للآخرين بشكل فج.
  2. تذكر وتكرار: تتلخص أعراض هذه المرحلة في إجبار العقل للفرد على تذكر الحدث الصدمي بأي شكل سواء عن طريق الأحلام أو مشاهد الوميض الخلفي- flash back. بالإضافة إلى الإحباط النفسي الشديد عند التعرض لأي مثير يشبه الحدث الصدمي وما يصاحب هذا الإحباط من أعراض جسدية مثل نوبات الهلع.
  3. تجنب: تترتب الأعراض المتعلقة بالتجنب من الألم النفسي الناتج عن التذكر الجبري، بسبب القلق والضغط النفسي الذي يعانيه الفرد يقوم بعزل كل الأحداث أو المواقف التي قد تذكره بلحظة الحدث الصدمي.
  4. تعديل سلبي: بناء على ما سبق يقوم المخ بالتوافق مع كل هذه الأحداث الجنونية بتعديل بعض المفاهيم الموجودة ليتماشى مع الوضع الجديد، فيبدأ في تغيير صورته عن نفسه -وفي الأغلب تكون بشكل سلبي- أو تغيير معتقداته عن العالم وتشويهها مثل أن العالم كله غير عادل وغير آمن. وتكون هذه الأفكار راسخة بشكل كبير لا يمكن تغييرها إلا بالخضوع للعلاج النفسي المتخصص..

ماذا عن سوء الاستغلال الجنسي؟

يمكن تقريب المصطلح لآخر متداول أكثر وهو “الانتهاك الجنسي”، والحقيقة أنه وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ما زلنا مجبرين على توضيح وتعريف الانتهاك الجنسي بسبب المفاهيم الخاطئة والمتداخلة الكثيرة الموجودة عند الشريحة الأكبر من مواطني الوطن العربي، سببها الأساسي تراث فكري عقيم امتد لسنين كثيرة.

باختصار شديد، ووفقًا لمنظمات حقوق الإنسان العالمية، الانتهاك الجنسي هو كل حدث جنسي لم تسبقه كلمة “نعم” من الطرفين، ليس فقط لم تسبقه “لا” الرافضة، بل ليكون الحدث الجنسي ليس انتهاكًا يجب أن يُسبق بـ “نعم” واضحة وصريحة. يندرج تحت بند الانتهاك الجنسي: التحرش بأنواعه، الاغتصاب بأنواعه حتى التودد والتقرب غير المرغوب بهما.

كرب ما بعد الصدمة

لماذا توافر “نعم” ضروري لهذا الحد؟

تكمن إجابة السؤال في اضطراب كرب ما بعد الصدمة، بالأخص في الأعراض التي تحدث وقت التعرض للصدمة. ما يحدث في الواقع عند تعرض المخ لصدمة كبيرة هو شلل تام، يشعر معه بفقد تام للسيطرة على كل الأمور وأن عليه فقط التماشي والتعايش معها حتى لو لم يكن يريد ذلك، وبناء على ذلك بررت مدرسة التحليل النفسي بأن وقوع الفرد فريسة لاضطراب ما بعد الصدمة، ما هو إلا محاولة من المخ لإعادة الأحداث مرارًا وتكرارًا بغرض السيطرة عليها. فقد تكون هذه المرة هي المنجية، قد تكون إعادتي للمشهد الصدمي سواء في الحلم أو في الخيال هو فرصتي للتحكم وتغيير مسار الأحداث. ومن جانب آخر هذا التكرار يساعد في صرف جزء من الطاقة النفسية الهائلة التي تُكبت مع الحادث.

وبتطبيق هذا المبدأ على عمليات التحرش والاعتداء وسوء الاستغلال الجنسي، نجد أن مخ الضحية يشل تمامًا في اللحظة التي تتعرض فيها للموقف ولا يستطيع في أغلب الأحيان التعبير بالرفض، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من اضطراب كرب ما بعد الصدمة مليئة بلوم للذات وإعادة إنتاج للمشهد بشكل عقلي وتجنب أي مثيرات قد تكون مرتبطة به، لذلك بالتحديد عدم قول “لا” لا يعني بالضرورة “نعم”.

اضطراب كرب ما بعد الصدمة وسوء الاستغلال الجنسي: ماذا بعد؟

في أغلب المجتمعات العربية والغربية كذلك يتم لوم الضحية على ما مرت به، حتى لو لوم جزئي في أكثر الدول تحضرًا وإنسانية في العالم. في الواقع هذا اللوم -حتى لو بدرجة طفيفة- يؤذي الضحية بشكل لا يمكن وصفه، لأنه وبالأساس كرب ما بعد الصدمة مرتبط بشدة بإحساس الذنب، وأي عوامل قد تؤدي لتعزيز إحساس الذنب قد لا تحمد عواقبها، فقد تؤدي إلى إدمان المخدرات مثلًا في سبيل الحصول على فترة هدنة من القلق أو -لا قدر الله- الانتحار بحثًا عن الراحة.

الاستغلال الجنسي

 بعض النصائح يمكن تطبيقها إذا عانيت أنت أو أحد المقربين من اضطراب كرب ما بعد الصدمة

  1. تذكر: في كثير من الأحيان يحجب المخ الحدث الصدمي نفسه ويبقي آثاره، لذلك في جلسات العلاج أو حتى بشكل فردي يجب تشجيع الضحية على التذكر وسرد التفاصيل، فـ وفقًا لمدرسة التحليل النفسي يساعد هذا التذكر على تحرير الكثير من الطاقة المرتبطة بالموقف.
  2. تعبير: إذا كان التذكر يخص الحدث نفسه، فإن التعبير مرتبط بالمشاعر والأفكار الناتجة عن الحدث. لذلك على الضحية كذلك الحديث عن مشاعرها تجاه نفسها وتجاه الموقف وتجاه العالم، والتعبير عن كل تلك المشاعر بصراحة.
  3. تقبل: يعتبر جزء التقبل لما حدث هو أهم وأصعب الأجزاء في عملية الشفاء، وفيه نحاول إقناع المتضرر بتقبل نفسه أولًا والتأكد أنه لم يخطئ، ثانيًا تقبل الحدث نفسه وأن أي فرد معرض لحدوث نفس الموقف معه.
  4. تخطي: آخر جزء من العملية وبه -وبناء على الخطوات السابقة- يتم إقناع الضحية أن أفضل ما يمكن تقديمه لنفسها هو تخطي هذه الأزمة والبدء في عيش الحياة بشكل طبيعي ولا تجعل تعرضها لأزمة أمرًا يجعلها تنسحب من الحياة بشكل تام.

اقرأ أيضًا: دليلك لحماية صغارك من خطر التحرش الجنسي: كتب للتسلح ضد مشتهي الأطفال

0

شاركنا رأيك حول "عندما لا تأتي المصائب فُرادى: ماذا نفعل إذا ارتبط اضطراب كرب ما بعد الصدمة بالاستغلال الجنسي؟"