أكل الحشرات
0
الحليب المصنوع من يرقات الذباب، صراصير الليل المقلية على العشاء هذه هي الوجبات الصديقة للبيئة والتي يمكن أن نتطلع إليها لحماية الكوكب، بالعافية. ففي الوقت الذي يعتبر فيه الكثيرون أن الحشرات هي مخلوقات مزعجة ومسببة للأمراض هناك ملايين الناس الذين يتغذون عليها ويعتبرونها الطعام المفضّل، كما أنها العنصر المُرشّح ليكون البديل الغذائي الاقتصادي والصحي الغني بالبروتين للبشر والحيوانات.

اقرأ أيضًا: مخلوقات يمكنها النجاة من نهاية العالم

عبر التاريخ: هناك من تناول الحشرات!

أكل الحشرات

تتشابه جميع الأطعمة إذا نظرنا لها من منظور بيولوجي، إلا أن الأمر مختلف قليلًا من المنظور الثقافي، فالطعام بالنسبة لنا هو المعكرونة والبيتزا وغيرها من الفطائر والوجبات النباتية والحيوانية، لكن منذ آلاف السنين اعتاد الإنسان الأول على التجول في الغابات والعيش فيها فكان يأكل أوراق الشجر وجذورها، وإذا حالفه الحظ وجد الحشرات التي يستطيع صيدها والتقاطها من ثمّ تناولها، فلماذا هذا الاختلاف بين طعام الإنسان اليوم وطعامه منذ آلاف السنين؟

لقد كان أكل الحشرات جزءًا من ثقافتنا الغذائية في زمن الرومان وفي بداية القرون الوسطى، إلى أن تطورت تلك الثقافة وبدأ الإنسان بتغذى على النباتات والمحاصيل الثابتة والماشية.

وهناك نظرية أخرى تفسّر اختفاء الحشرات من طعام الإنسان وهي مرور العصر الجليدي، فقد أكّدت المخططات الجيولوجية أن انخفاض الحرارة الشديد في تلك الفترة أدّى إلى الإقلال في أنواع الحشرات التي تغذّى عليها الإنسان، على اعتبارها كائنات من ذوات الدم البارد التي تحتاج إلى طاقة من المحيط لاستمرار الدورة الحياتية لها، مما أدى إلى تقليص أكل الحشرات وانعدامه مع الزمن في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، لكن لا يمكننا تجاهل المليارين والنصف نسمة التي تعتبر الحشرات بأنواعها الكثيرة هي الطعام الأساسي على الموائد.

أكل الحشرات والثورة الغذائية المستدامة

على كل شخص يقرأ هذا المقال أن يفكّر مليًّا في طريقة غذائه ويعمل على تغييرها نحو الأفضل، إذا كان حريصًا على عدم العيش في كوكب يعاني نصف سكانه من السمنة المفرطة ونصفهم الآخر مريض أو متوفّى.

“الحضارة في أزمة” هذا ما أقرّته لجنة EAT-Lancet الدولية للسلسلة الغذائية العالمية سنة 2019 والتي حذّرت من كارثة بيئيّة بلغت ذروتها من خلال دراسة الحياة البشرية منذ مئتي ألف سنة وحتى الآن، فالزراعة الصناعية الحديثة ودافع الربح وشهيّتنا الجشعة والحكومات التي ترتعد من النقص الغذائي جميعها تتحمل جزءًا من المسؤولية فيما وصلت له الصحة العالمية اليوم.

تتجه معظم الاستثمارات الآن نحو الحشرات كعلف للحيوانات الأخرى، حيث أعلنت شركة Mars Petcare العالمية للمنتجات الغذائية عن مجموعة جديدة من الأغذية الحيوانية الخاصة بالقطط والتي تقوم على الحشرات، حيث تمثل الحشرات إمكانيات كبيرة كعلف لتربية الماشية والكائنات المائية، كما رصدت الشركة الفرنسية Ÿnsect مؤخرًا 225 مليون دولار لافتتاح مزرعة حشرات تعدّ الأكبر في العالم في مدينة أميان الفرنسية، ومن المتوقَّع أن تنتج 100000 طن من البروتين سنويًا، أما شركة Entocycle البريطانية فقد تلقّت منحة حكومية بلغت قيمتها 10 ملايين جنيه إسترليني من أجل بناء مزرعة خارج لندن ليرقات ذبابة الجندي الأسود.

كل تلك المشاريع هي نماذج مهمة للأعمال المستدامة المُجدية، فالحشرات لا تستعمل فقط للتغذية بل يمكن استخدام فضلاتها كسماد واستغلالها في الزراعة، لذلك يتم استخدام حوالي 33 ٪ من الأراضي الزراعية لتغذية الماشية في جميع أنحاء العالم.

اقرأ أيضًا: “أنقذوا رالف”.. أن تكون دماء الحيوانات ثمن مستحضرات التجميل (الآمنة) 💔

لماذا يجب أن نأكل الحشرات؟

أكل الحشرات

كما ذكرنا سابقًا فإن الحشرات هي كائنات من ذوات الدم البارد مما يجعلها تشبه الأسماك من ناحية الفعالية الغذائية، فإذا استطعنا إحاطة الحشرات بدرجة حرارة صحيحة وقدمنا لها الغذاء المناسب سترتفع القيمة الغذائية لوجبة الحشرات وتصل إلى مستوى لحم الأبقار.

والجانب المميز الآخر في تربية الحشرات هو الأرض، حيث نستطيع من خلالها إنتاج عشرة أضعاف من الحشرات في نفس المساحة التي يمكن أن تشغلها بقرة واحدة، والسبب هو إمكانية إنشاء الأبنية والمزارع العمودية للنباتات التي تتعذى عليها الحشرات وبالتالي فإن الإنتاج يكون من خلال متر مكعّب وليس متر مربّع، فإذا كان لديك منشأة بارتفاع حوالي 10 أو 20 متراً، يمكنك إنتاج العديد من الكيلوغرامات والأطنان من الحشرات من خلال متر مربع واحد، بالإضافة إلى توفير الماء الذي يعد مصدرًا قيّمًا جدّا والذي تعاني معظم البلدان في العالم من نقصه أو تغيّر في مستوياته، وذلك بسبب تأثيرنا السلبي على الأنظمة المائية، حيث إن كمية الماء اللازمة لإنتاج الحشرات التي قد يصل عدد أنواعها إلى الآلاف، هي أقل بمئة مرة من الكمية اللازمة لإنتاج وتربية بقرة واحدة.

لا بد أيضًا أن نشير إلى أن انبعاث غازات الاحتباس الحراري من الحشرات أقل بكثير من الغازات المنبعثة من القطعان والمواشي، وبالتالي فإن الحشرات تحمي الغلاف الجوي من الغازات السامة وأيضًا هي جيّدة من الناحية الغذائية، فالحشرات البرية تمتلك محتوى بروتيني غني قد يصل من 40 إلى 60 % مع مستوى منخفض من الدهون والعديد من الأحماض الدهنية غير المشبعة مثل أوميغا 6 والقليل من أوميغا 3.

أما إذا كانت الحشرات بحريّة فالمحتوى الغذائي يصبح أفضل وأفضل ليحتوي على المعادن كالزنك والحديد بالإضافة إلى الفيتامينات مثل B12 وفيتامين D، حيث يقول إدواردو غوميز مدير شركة MexGrocer المتخصصة في الأغذية المكسيكية “تسألني المطاعم الراقية منذ سنوات هل يمكننا إدخال الحشرات في وجباتنا؟ في النهاية سيدرك الناس ان مستقبل الطعام هو الحشرات وأنها أفضل وسيلة لإنقاذ الكوكب”.

تكنولوجيا استغلال الحشرات ومستقبلها

أشارت عالمة الحشرات الدكتورة سارة بينون المديرة الرسمية لمزرعة الحشرات الواقعة في بيمبروكشاير، والتي تعتبر مقصدًا للزائرين من كافة أنحاء العالم إلى ضرورة التعود على الفكر المختلف فيما يخصّ الزراعة وتقنية المنشآت العمودية العالية التي تعمل عن طريق الروبوتات لتعظيم إنتاجية البروتين، حيث أكّدت أن الحشرات هي صفقة ممتازة لا يمكن الشك في عائدها وفوائدها، وإلى من يوجّه أصابع الاتهام إلى عدم إنسانية هذا الفعل فبالتأكيد الحشرات ستصبح أكثر حياة ونشاط عندما تكون بقرب ملايين الأنواع من جنسها.

وتعطي دورة حياة الحشرات فائدة منقطعة النظير في مجال الصناعة الزراعية، فالحشرات في بعض مراحل حياتها تنتج الحرارة وفي مراحل أخرى تحتاج إلى الحرارة، لذلك فإن المزرعة الداخلية ذات المناخ الدافئ تعتبر أكثر كفاءة من المزرعة الخارجية.

ومع ذلك لا زالت الدكتورة بينون قلقة من استخدام الحشرات لتغذية المواشي خوفًا من الوصول إلى نظام غذائي مختل ومهدور، ” إنها نقطة مهمة لانطلاق المشروع وبخاصة عندما يتعلق الأمر باستبدال مسحوق السمك غير المستدام، فاستهلاكنا الجنوني للحوم هو مشكلة حقيقة”.

وإذا كنا نرغب في اتّخاذ خطوة جديّة تتمثل في تناول المزيد من الخضار والإقلال من اللحوم، فمن المحتمل أن نتعود بأنفسنا على تناول الحشرات، فوفقًا لتقرير صادر عن بنك باركليز البريطاني سينمو سوق الحشرات الصالحة للأكل إلى 6.3 مليار دولار بحلول عام 2030، حيث وجدت الأبحاث التي أجرتها “Sainsbury’s” ثاني أكبر سلسلة للمحلات التجارية البريطانية أن 42٪ من المستهلكين البريطانيين يرغبون في تجربة الحشرات.

اقرأ أيضًا: أسبوع بدون تناول الطعام: ماذا لدى أجسامنا لتقوله؟

0

شاركنا رأيك حول "أكل الحشرات: ثقافة غذاء المستقبل لحماية الكوكب.. بالعافية🙄"