الفلسفة النفعية
0
بدأت الفلسفة الغربية في اليونان بمقولة أرسطو بأن الإنسان «حيوان عاقل»، فاختلف الفلاسفة بعدها على مفهوم العقل ومفهوم الإنسان، حتى وصلنا إلى عصر العلم الحديث كما يروق للعلماء تسميته، والبيولوجيا التطورية على يد تشارلز داروين التي تصر على أن الإنسان ليس سوى حلقة في التطور، فالفرق بين الإنسان والسمكة فرق في النوع وليس في الدرجة.

يصر علماء البيولوجيا أن التطور لا يسير في شكل هرمي، ولكن على شكل شجرة متشابكة الفروع ليس لها قمة وقاع، وأن الإنسان حيوان كغيره من الحيوانات لا يميزه عنها شيء.

يمكننا أن ننعطف عند هذا الحديث إلى سيغموند فرويد، الذي ألقى في محاضراته التمهيدية عن التحليل النفسي عام 1916 قائلًا إنه ثالث من جرح الاستعلاء النرجسي للإنسان، بعد داروين وكوبرنيكوس. فداروين كما ذكرنا حكّ الجرح النرجسي للإنسان بإعادته للغابة، فمدينة الإنسان ليست سوى غابة من شكل آخر، أما كوبرنيكوس فقد حطم أسطورة مركزية الأرض للكون، لتصير الأرض مجرد كوكب عادي في مجموعة شمسية في مجرة تحتوي ملايين النجوم الأكبر حجمًا.

اقرأ أيضًا: فن الوجود: إريش فروم وكيف نرغب أن نعيش؟

العودة إلى النرجسية أو أنسنة الإنسان

ربما تستطيع عزيزي القارئ اعتبار هذا المقال «عودة إلى النرجسية» إن شئت التعبير. وبالطبع، لا أنوي استخدام لفظة النرجسية في هذا المقال بالمعنى السلبي الذي أشار إليه فرويد؛ أي النرجسية كعشق للذات مع التعمية اللاواعية عن الواقع، بل النرجسية كصفة أصيلة يمكننا أن نستخدم عوضًا عنها اللفظة العربية (العزة)، أو استعادة الإنسان لإنسانيته. كيف يكون الإنسان إنسانًا؟ كان هذا السؤال شاغلًا للفلاسفة قديمًا، ولكن مع صيحات التطور العلمي جاء العلماء بفلسفاتهم الخاصة والوضعية عن العالم والإنسان.

إن تابعنا وقرأنا داروين وفرويد وكوبرنيكوس عن كثب لرأينا الخلفية العلمية التي صدرت عنها آراؤهم، لا أنوي انتقاد المنجزات العلمية التي جاء بها العلماء وكيف ساعدت على تقدم العلم بصورة عامة ورخاء البشر المادي الآن. ربما أنوي الحديث عما يسميه البعض بالـ «علموية Scientism»، وليس بالمعنى الرجعي للكلمة برفض العلم، ولكن يدور حديثي عن الفلسفة المصاحبة لهذا العلم، أو تفسيراته، أو كيف شكلت تلك النظريات آراء أصحابها من العلماء.

لقد نزعت الفلسفات العلموية إلى كسر نرجسية الإنسان، لغرض نفعي بحت؛ فقد رأت تلك النظريات أن نرجسية الإنسان «أي اعتبار نفسه أعلى من غيره»، كانت سببًا في تخلفه على مدى قرون ماضية، وبالتخلف بالطبع يقصدون التخلف العلمي. رأت تلك الفلسفات أن استعادة الوضع «الطبيعي» للإنسان من وجهة نظرهم ستعيد للإنسان تواضعه المعرفي، فلن يتكبر على المعرفة. كانت تلك الوسيلة الوحيدة في منظورهم لتطور العلم، أن نكسر نرجسية الإنسان بالشك في وضعه.

انتهت تلك النظريات بإعادة الإنسان إلى مملكة الحيوان، ولكنه مع فقدان نرجسيته، فقد ما يميزه كإنسان. يقول بعض الفلاسفة «من الأفضل أن تكون إنسانًا تعيسًا، على أن تكون خنزيرًا سعيدًا» أو بصياغة أخرى «من الأفضل أن تكون سقراطًا تعيسًا على أن تكون أحمق سعيدًا». تشير تلك المقولات إلى التفوق الإنساني بالفكر والفلسفة على غيره من الكائنات الأدنى رقيًا. بل إن بعض الفلاسفة مثل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط يفرط بذلك قائلًا إن الأخلاق لا تصح إذا حصل منها المرء على منفعة أو سعادة.

اقرأ أيضًا: جنون العظمة.. سيكولوجيا المركزية في هذا العالم!

السيكولوجيا والأخلاق أو ما يجب أن يكون

يمكننا أن نقسم سلوكيات الإنسان محل النظر إلى شقين، الشق الأول نطلق عليه مجال السيكولوجيا؛ ويعني ما هو عليه الإنسان في مجال الممارسة الفعلية بصورة عفوية، هل الإنسان أناني أم إيثاري بالفطرة؟ أي دون أن يفكر الإنسان في نسق أخلاقي يحتكم إليه لأفعاله، كيف سيكون سلوك الإنسان؟

يمكننا أن نطلق على ذلك مجال ما هو كائن، أي الإنسان قبل أن يتأمل الأخلاق، أو الإنسان الخام. أما مجال الأخلاق فيتعلق بما يجب أن يكون، وهو المجال الذي تقتحمه الفلسفة ويتغذى على التأمل، هو المجال الذي تحدث عنه هربرت ماركوزه في كتابه “العقل والثورة”، مفرقًا بين الحالة الوضعية التي يحاكي فيها الإنسان ما جُبل عليه بحكم البيئة، والحالة العقلية التي دعا لها هيجل بأن يحكم العقل لتحويل ما هو كائن إلى «ما يجب أن يكون».

الفلسفة النفعية والأنانية

تُعتبر الفلسفة النفعية إحدى الفلسفات «المعيارية»، أي التي تتناول مجال ما يجب أن يكون، لتخبر معتنقيها أن تلك الطريقة الأصوب للسلوك في موقف ما. تعتمد الفلسفة النفعية على فكرة تعظيم السعادة للعدد الأكبر من الناس. لا تتبنى النفعية وجهة نظر فردية، لكنها تخبر الفرد أن الفعل الأصوب أخلاقيًا في موقف ما هو الفعل الذي يساهم في تعظيم سعادة العدد الأكبر من الناس. وتتبع في ذلك تراث العواقبية، والتي تنص على أن أخلاقية الفعل تعتمد في معياريتها على نتائج هذا الفعل فقط.

بدأت النفعية وازدهرت في الفلسفة الإنجليزية على وجه التحديد، فكبار روادها كانوا جيرمي بينثام وجون ستيورات ميل ودافيد هيوم، وجميعهم تابعون لتراث الفلسفة الإنجليزية. ما الرابط بين الفلسفة النفعية والإنجليز؟ لن يخفى عن القارئ أن المملكة البريطانية لُقبت تاريخيًا باسم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فقد احتلت واستعمرت من العالم من شرقه وغربه أكثر من غيرها على مر التاريخ.

لذلك، فإن الفلسفة النفعية تخاطب المجال السياسي بالأساس، وترتبط بصلة وثيقة بسياسات الرأسمالية والديمقراطية، فمعيار الحكم في كليهما رضا المجموع الأكبر من الناس عن الفعل أو سعادتهم به. تختلف النفعية في هذا الإطار عن الأنانية. قد تكون الأنانية فلسفة وصفية أو معيارية، وصفية بالحديث عن ما يفعله الإنسان بغض النظر عن الأخلاق، أي أن الإنسان سيختار نفسه (سيكولوجيًا) دون أن يعتبر ذلك معيارًا للحكم، أما الفلسفة المعيارية، فتعني السعي لذلك النسق في التعامل باعتباره ما ينبغي أو يجب أن يكون.

اقرأ أيضًا: حوار مع فيروس: قصة قصيرة جداً

سهام النقد: كيف تقضي الفلسفة النفعية على روح الإنسان؟

تُبنى الفلسفات النفعية، كالنفعية الجمعية والأنانية والذرائعية وكل تراث العواقبية على المنفعة المباشرة للإنسان، أي أنها لا تحتكم إلى معيار عام خارجي ثابت باختلاف الزمان والمكان. لقد فات أوان الحديث عن «القانون الكوني» الذي رأى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ضرورة الاحتكام إليه من أجل اختيار الفعل الأصوب أخلاقيًا، وتحولت أخلاق الواجب إلى أخلاق السوق والعرض والطلب.

تجاهل العدالة

إن غياب معيار الحق نحتكم إليه بغض النظر عن الظروف قد يؤدي إلى تدمير الحياة الأخلاقية للإنسان، ويعود بها إلى مرحلة ما قبل الحضارة والأخلاق. فمثلًا، إذا اندلعت أحداث شغب في مكان ما، وكان اتهام أحد الأبرياء سيقلل من حالة الشغب العامة، ستختار النفعية أن هذا الخيار الأصوب، لمنفعة وسعادة ورخاء العدد الأكبر من الناس.

وعلى هذا فإن العدالة والإنصاف تخرجان من حساب النفعية إذا كانت سعادة العدد الأكبر من الناس، أو كما يتحدى إيفان أخاه أليوشا في رائعة دوستويفسكي الإخوة كارامازوف «تخيل أن بناء جنة يسعد فيها الجميع يحتاج بصورة لا يمكن تفاديها إلى تعذيب طفلة صغيرة، هل ستوافق على هذا الشرط؟ هل ستُبنى السعادة على جثة شخص بريء؟». ولكن جيرمي بينثام يجادل بأن هذا سوء فهم للنظرية.

سعادة الأغلبية وإهدار الأقلية

كما علمنا كيف تتعامل الفلسفة النفعية مع معايير الاختيار، بتفضيل سعادة الأغلبية على القرارات الأخلاقية، فكيف ستتعامل النفعية مع مظالم الفئات المضطهدة؟ إذا كان القرار في صالح أغلبية عرقية أو دينية ما، فإن ذلك سيعود بالضرر على الفئة المغبونة. في الواقع، إن أي مصلحة لجماعة ما من الناس لهي معارضة لمصالح الجماعات الأخرى، فماذا سيكون المعيار الثابت الذي سيحتكم له الإنسان في تلك الحالة لاتخاذ قرار أخلاقي صائب؟

الفلسفة النفعية

يقول غسان كنفاني على لسان أحد شخصيات روايته عائد إلى حيفا «الإنسان في نهاية الأمر قضية». انتهت منذ أيام المناوشات التي قامت بين الفلسطنيين والاحتلال الإسرائيلي، بوقف إطلاق النار بعد اقتحام المستوطنين حي الشيخ جراح. في تلك القصة، يمكننا أن نرى في كلمات كنفاني تعبيرًا عن روح الإنسان؛ فالإنسان في النهاية ما يعتقده ويدافع عنه، تلك الركائز التي تشكل الإنسان. في هذا السياق لن يمكننا أن نحدث الفلسطنيين عن المنفعة أو سعادة العدد الأكبر من الناس، فهؤلاء يدافعون عن قضية ويردون الظلم الواقع عليهم، أي بعبارة أخرى، يقومون بواجبهم أو ما يعتقدون فيه.

لا يحتاج الإنسان أن يتخذ قراراته بما يخالف منفعته أو مصالحه أو منفعة العدد الأكبر من الناس لكي يكون إنسانًا متحليًا بالأخلاق. ولكن تعميم وتنميط الأخلاق النفعية يؤدي بروح الإنسان إلى الانفراط والشتات، ويبعدها كل البعد عن ركائز عقدية وفكرية وأخلاقية واضحة تحتكم إليها. لذلك، على الإنسان أن يؤمن بشيء واضح، وأن يسلك تبعًا له، ألا يجعل المنفعة تعمي بصيرته عن الحق والعدل، ألا يغفل مصالح الآخرين بجانب مصلحته الشخصية، هكذا، كما أرى، يعود الإنسان إلى إنسانيته.

0

شاركنا رأيك حول "كيف قضى الاحتلال الإنجليزي أو الفلسفة النفعية على روح الإنسان؟"