تنقية المياه
0

تحتوي الأجزاء الداخلية للأشجار غير المُزهرة مثل الصنوبر والجنكة على خشب عصاري رخو مبطن بقنوات تشبه القش تُعرف باسم «نسيج الخشب»؛ والتي تسحب الماء من خلال جذع الشجرة وفروعها. ترتبط قنوات نسيج الخشب ببعضها البعض عبر أغشية رقيقة تعمل كمناخل طبيعية، وتعمل على تصفية الفقاعات من الماء والنسغ، وقد بدأ الحديث عنها كوسيلة فعالة في تنقية المياه وجعلها صالحة للشرب.

تسخير الطبيعة وتطوير قدراتها في تنقية المياه

تنقية المياه

قام مهندسو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتحقيق في قدرة الترشيح الطبيعية في الخشب الرخو، وقاموا سابقاً بتصنيع مرشحات بسيطة من المقاطع العرضية المقشرة لفروع خشب العصارة، مما يدل على أن التصميم منخفض التقنية يعمل على ترشيح البكتيريا بشكل فعال.

والآن، قام نفس الفريق بتطوير التكنولوجيا وأظهر أنها تعمل في مواقف العالم الحقيقي. لقد قاموا بتصنيع مرشحات نسيجية جديدة يمكنها تصفية مسببات الأمراض مثل الإشريكية القولونية والفيروس العجلي في الاختبارات المعملية، وأظهروا أن المرشح يمكن أن يزيل البكتيريا من الينابيع والصنابير والمياه الجوفية الملوثة. كما طوروا تقنيات بسيطة لإطالة العمر الافتراضي للفلاتر، مما يتيح للأقراص الخشبية تنقية المياه بعد تخزينها في شكلٍ جاف لمدة عامين على الأقل.

أخذ الباحثون تقنياتهم إلى الهند، حيث صنعوا مرشحات من الخشب من الأشجار المحلية واختبروا المرشحات مع المستخدمين المحليين. وبناءً على ملاحظاتهم، طور الفريق نموذجاً أولياً لنظام ترشيح بسيط، مزود بمرشحات من نسيج الخشب الرخو قابلة للاستبدال تعمل على تنقية المياه بمعدل لتر واحد في الساعة. وتُظهر نتائجهم أن فلاتر الخشب الرخو يمكن استخدامها في البيئات المجتمعية لإزالة البكتيريا والفيروسات من مياه الشرب الملوثة.

يستكشف الباحثون خيارات لإتاحة مرشحات الخشب الرخو على نطاقٍ واسع، لا سيما في المناطق التي تكون فيها مياه الشرب الملوثة سبباً رئيسياً للمرض والوفاة. أطلق الفريق موقعاً مفتوح المصدر يحتوي على إرشادات لتصميم وتصنيع مرشحات الخشب الرخو من أنواع الأشجار المختلفة. ويهدف موقع الويب إلى دعم رواد الأعمال والمنظمات والقادة لتقديم التكنولوجيا إلى مجتمعات أوسع، وإلهام الطلاب لإجراء تجارب علمية خاصة بهم باستخدام مرشحات الخشب الرخو.

يقول «روهيت كارنيك»، أستاذ الهندسة الميكانيكية ورئيس القسم المشارك للتعليم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “نظراً لأن المواد الخام متوفرة على نطاق واسع وعمليات التصنيع بسيطة، يمكن للمرء أن يتخيل إشراك المجتمعات في شراء وتصنيع وتوزيع مرشحات الخشب الرخو. وبالنسبة للأماكن التي كان الخيار الوحيد فيها هو شرب المياه غير المفلترة، نتوقع أن تؤدي مرشحات الخشب الرخو إلى تحسين الصحة، وجعل المياه صالحة للشرب”.

اقرأ أيضًا: الأزرق ورحلة بين طيّات أحد ألمع ألوان الطبيعة!

تمهيد الطريق وضرب عصفورين بحجرٍ واحد

تنقية المياه

في دراساتهم السابقة عن نسيج الخشب، وجد الباحثون أن قدرة الترشيح الطبيعية للمادة الخشبية تأتي أيضاً مع بعض القيود الطبيعية. فمع جفاف الخشب، بدأت الأغشية الشبيهة بالمناخل الموجودة في فروع الأشجار بالالتصاق بالجدران، مما يقلل من نفاذية المرشح، أو قدرته على السماح بتدفق الماء من خلاله. وبدا أن المرشحات أيضاً “تسدّ نفسها ذاتياً” بمرور الوقت، مما يؤدي إلى تكوين مادة خشبية تسد القنوات.

والمثير للدهشة أن علاجين بسيطين تغلبا على كلا المشكلتين. من خلال نقع المقاطع العرضية الصغيرة من خشب العصارة في الماء الساخن لمدة ساعة، ثم غمسها في الإيثانول وتركها تجف، وجد الباحثون أن المادة احتفظت بنفاذيتها، مما أدى إلى ترشيح المياه بكفاءة دون انسداد. ويمكن أيضاً تحسين ترشيحه عن طريق تكييف سماكة المرشح وفقاً لنوع الشجرة الخاص به.

قام الباحثون بتقطيع ومعالجة مقاطع عرضية صغيرة من الصنوبر الأبيض من الفروع حول حرم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأظهروا أن المرشحات الناتجة تحافظ على نفاذية مماثلة للفلاتر التجارية، حتى بعد تخزينها لمدة تصل إلى عامين، مما يطيل بشكل كبير من العمر الافتراضي للفلاتر.

اختبر الباحثون أيضاً قدرة المرشحات على إزالة الملوثات مثل الإشريكية القولونية والفيروس العجلي؛ السبب الأكثر شيوعاً لمرض الإسهال. وأزالت المرشحات المعالجة أكثر من 99% من كلا العاملين الملوثين، وهو مستوى معالجة المياه الذي يفي بفئة «الحماية الشاملة بنجمتين» التي حددتها منظمة الصحة العالمية.

يُعتقد أن هذه المرشحات يمكن أن تعالج الملوثات البكتيرية بشكلٍ معقول. لكن هناك ملوثات كيميائية مثل الزرنيخ والفلورايد حيث لا يُعرف تأثيرها عليها بعد.

الحاجة أم الاختراع

بتشجيع من نتائجهم في المختبر، انتقل الباحثون إلى اختبار ميداني لتصميماتهم في الهند؛ البلد الذي شهد أعلى معدل وفيات بسبب الأمراض المنقولة بالمياه في العالم، وحيث لا يمكن الوصول إلى مياه الشرب الآمنة والموثوقة لأكثر من 160 مليون شخص.

على مدار عامين، عمل المهندسون في المناطق الجبلية والحضرية، بتيسير من بعض المنظمات غير الحكومية المحلية في الولايات المتحدة. ولقد صنعوا مرشحات من أشجار الصنوبر الأصلية واختبروها، جنباً إلى جنب مع المرشحات المصنوعة من أشجار الجنكة، على مصادر مياه الشرب المحلية. وأكدت هذه الاختبارات أن المرشحات أزالت بكفاءة البكتيريا الموجودة في المياه المحلية. كما أجرى الباحثون مقابلات ومجموعات مركزة وورش عمل تصميمية لفهم ممارسات المجتمعات المحلية الحالية تجاه المياه والتحديات والتفضيلات الخاصة بحلول معالجة المياه. كما قاموا أيضاً بجمع التعليقات حول التصميم.

أحد الأشياء التي سجلت درجات عالية جداً مع الناس هو حقيقة أن هذا المرشح مادة طبيعية يتعرف عليها الجميع. ووُجد أيضاً أن الأشخاص في الأُسر ذات الدخل المنخفض يفضلون دفع مبلغ أقل على أساس يومي، مقابل مبلغ أكبر بشكل أقل تكراراً. وكان ذلك عائقاً أمام استخدام المرشحات الحالية، لأن تكاليف الاستبدال كانت باهظة.

مع معلومات من أكثر من 1000 مستخدم محتمل في جميع أنحاء الهند، قاموا بتصميم نموذج أولي لنظام ترشيح بسيط، مزود بوعاء في الأعلى يمكن للمستخدمين ملؤه بالماء. يتدفق الماء عبر أنبوب يبلغ طوله متراً واحداً، ومن خلال مرشح من نسيج الخشب، ويخرج من خلال صنبور يتم التحكم فيه عن طريق الصمام. ويمكن تبديل مرشح الخشب الرخو إما يومياً أو أسبوعياً، حسب احتياجات الأسرة.

يستكشف الفريق طرقاً لإنتاج مرشحات الخشب الرخو على نطاقاتٍ أكبر مع الموارد المتاحة محلياً، وبطريقة من شأنها أن تشجع الناس على ممارسة تنقية المياه كجزء من حياتهم اليومية. على سبيل المثال؛ من خلال توفير مرشحات بديلة بأسعار معقولة يُدفع ثمنها عند الحاجة إليها فقط.

تُصنع مرشحات الخشب الرخو من مواد رخيصة الثمن ومتوفرة بكثرة، ويمكن توفيرها في المتاجر المحلية، حيث يمكن للناس شراء ما يحتاجون إليه، دون الحاجة إلى الاستثمار مقدماً كما هو معتاد في خراطيش تصفية المياه الأخرى. وفي الوقت الحالي، ظهر أن مرشحات الخشب الرخو توفر أداءً عالياً وقابلاً للتطوير.

اقرأ أيضًا:  التربية البيئية ومواجهة تحديات الطبيعة.. كيف للبيئة أن تغير حياتنا؟

0

شاركنا رأيك حول "لأن الحاجة أم الاختراع: غصون الأشجار في معدات منخفضة التكلفة ومتاحة لتنقية المياه"