موت الإله
0

“هل من الممكن أن نعزل الإنسان عن إبداعه فمن أي قوى يقتات هذا الإبداع إن لم يكن من تلك التي تعمل عند المبدع” أندريه جرين- Green. A

يوجد في التاريخ البشري أحداث فارقة، لا يمكن تجاهل التأثيرات الشديدة التي تتركها على الأحوال الانسانية كافة. ومنها الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ومكملتها الحرب العالمية الثانية (1939-1945) اللتان يمكن اعتبارهما مثالًا جيدًا على نظرية أثر الفراشة، التي تؤكد على التأثيرات الهائلة التي قد تحدث لجسم بسبب حركة ميكانيكية في جسم أخر، أي أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير في أمريكا بعد مدة من الزمن.

هل تبدأ الحكاية أم تنتهي عند الحرب العالمية؟

كانت الحرب العالمية بجزئيها كارثة حقيقية على المستوى الدولي وحتى على مستوى الفرد، يمكنك رؤية المعاناة على وجه أحد الجنود الألمان في ليلة عيد الميلاد المجيد في عام 1914 إبان الحرب العالمية الأولى حيث لم يتسنَّ له احتفال بميلاد السيد المسيح سيد الرحمة للبشرية بهدوء وسلام. أو على وجه مواطن مصري تحت الحكم العثماني والاحتلال البريطاني.

أثرت الحرب على الاقتصاد العالمي وبالتالي أصبح تأمين وجبة غذاء له ولأطفاله مهمة شاقة. وبالتأكيد لا جدال فيما أنتجته هذه الحروب من خراب على البشرية ترتب عليه تغير عام في وجهات نظر كثير من الفلاسفة بعدها.

ولكن، لنقلب صفحات التاريخ عدة صفحات قبل ذلك الحدث، بالأخص في بدايات القرن العشرين. الذي كان من المفترض أن يكون درة وحصاد ما توصل إليه العالم، وبالأخص أوروبا بعد التخلص من قبضة الكنيسة وأصبح العلم والتجربة لهما السلطان الحقيقي على مجريات الأمور. ألم يكن من المفترض أن يكون هذا القرن الخاتم للألفية الثانية هو الأكثر تقدما!

بدايات القرن وأفكار صادمة

في نهايات القرن التاسع عشر يظهر على الوسط الفلسفي والفني كذلك جملة واحدة كانت قادرة على قلب موازين الأمور رأسا على عقب: “لقد مات الإله، ونحن من قتلناه” لقائلها فريدريك نيتشه. جملة مشهورة بالتأكيد وبالأخص بين الأوساط الفلسفية.

وفي خمسينات وستينات القرن العشرين يعلن رولان بارت عن نظرية جديدة مبنية على فكرة “موت المؤلف” لتظهر في العديد من كتاباته. وبين نيتشه وبارت يطور سيجموند فرويد في أواخر حياته نظريته في ثنائية الغرائز ليقدم مصطلح أثار الكثير من الدهشة والاستنكار في الأوساط العلمية والفلسفية وهو “غريزة الموت” . وبين موت نيتشه وبارت وفرويد علاقة وطيدة سنحاول الكشف عنها.

إيجاد نسق معين يربط أفكار ثلاثة من أهم فلاسفة القرن العشرين اجتمعوا على كلمة “موت” التي في أي ثقافة وتراث، هي كلمة ذات معنى “مقبض للقلب”: الأول يلحقها اسم يرمز للقوى العظمى التي تحكم الكون بأكمله، والثاني يلحقها بقوى من نوع آخر تتحكم بمجموعة الكلمات التي تكوّن في النهاية النص، والأخير هي غريزة في وجهة نظر قائلها هي قوة تحرك الإنسان سواء أدرك ذلك أو لا.

أولًا: موت الإله، نيتشه

وفقا لدراسة للباحث بدر الدين مصطفى حول العلاقة بين نظرية موت الإله وموت المؤلف يوضح أن نيتشه افتتح القرن بجملة صادمة أثرت على المجال الميتافيزيقي والمركزية والهوية الذين سادوا الفكر الأوربي لفترات طويلة.

بالطبع كان الفيلسوف والمفكر نيتشه ملحدًا لا يؤمن بوجود إله، ولكن ما كان يقصده بالفعل من جملة “مات الإله” هو انهيار المركزية الدينية والسياسية والاجتماعية التي كانت تمثلها القوى الدينية في بيئته- أوروبا- في العشرة قرون السابقة. فمع بدايات عصر النهضة وسقوط قوة الكنيسة المسيطرة على كل شؤون الدولة في القرن السابع عشر وما بعدها، أصبح- في نظر نيتشه- النتيجة الطبيعية بعد مرور 300 سنة تقريبًا أن ينتهي دور الإله الأرضي أو بالأصح ما تمثله وهي الكنيسة، ويصبح مكانه في السموات العلى فقط، لتتحول العلاقات الدينية من كونها بين مجتمع كامل وإله، إلى فرد وإله وهذا بالتأكيد في حالة موافقة الفرد وطلبه لهذه العلاقة.

موت الإله
غلاف كتاب العلم المرح

جملة نيتشه كما يفسرها الباحث بدر الدين في مقاله، هي بالتأكيد جملة مزعزعة للمركزية والهوية، لأنه ومنذ أقدم العصور، كانت فكرة الإله حتى وقبل الديانات السماوية هي وسيلة للإنسان الضعيف في بيئة موحشة هدفها طمئنته، فمن يقلق من كل الأمور الصغيرة والكبيرة إذا كان هناك إله أقوى يتحكم بها؟

وكذلك استخدم الإنسان هذه الفكرة للتأكيد على مركزيته للكون، وأنه سيد الكائنات بدليل أن الإله اختاره من دون سائر الكائنات ليتولى زمام الأمور كلها. بالتأكيد وبجملة بسيطة من نيتشه عن موت الإله ونزع المركزية والهوية عن الإنسان بهذا الموت، تنقلب الأمور رأسًا على عقب في الحقول الفلسفية، ليبدأ كل مفكر يشعر بالقوة، وأنه أصبح له السلطة الكاملة بعدما قتل الإله وممثله على الأرض وهي سلطة الكنيسة.

اقرأ أيضًا:  أغرب أفكار فريدريك نيتشه الفلسفية: صاحب عبارة “الله مات ونحن قتلناه”

ثانيا: موت المؤلف، بارت

باختصار شديد، وبتأثر واضح جدًا بنيتشه، دعا بارت إلى مذهب أدبي جديد في الحكم على الأعمال الأدبية من خلال منطق يمكن إطلاق عليه اسم “موت المؤلف”، الجدير بالذكر والإشارة أنه بالتزامن مع هذا المبدأ نجد نجم التحليل النفسي في بداياته مع فرويد ومن بعده تلامذته الذين عدلوا في الكثير من أفكاره، يبدأ في الصعود ليكون تقريبًا مسيطرًا على حركة النقد الأدبي والفني بشكلٍ عام. لتكون مقولة بارت وآرائه هي النقيض التام والخصم لنظرية التحليل النفسي في الأدب.

استخدم بارت في التدليل على نظريته عددًا من البراهين منها باختصار أولًا أن اقحام المؤلف وحياته وأفكاره وحتى خلفيته التربوية والنفسية بالعمل الأدبي تلغي فكرة التعددية في التأويل التي هي أساس المتعة في العمل الأدبي، كما أنها تجبر المتلقي على وضح قوالب جامدة لكل فنان، فكما أن لوحات فان جوخ هي نتاج مرضه النفسي وأعمال دافنشي هي درة ميولة الجنسية المثلية، وهكذا لن يمكن للفرد رؤية إلا ما يجبره عليه الناقد النفسي.

رولان بارت
غلاف كتاب مقدمة قصيرة جدا لرولان بارت

يضيف على ذلك بارت أنه في الأساس ضد عملية تقييم العمل الفني والجوائز والمراتب، فهو يرى أن أي عمل فني وبالأخص الأدبي هو عبارة عن حقل مسور لا يمكن النظر خارجه، بل التعامل معه من خلال النسق اللغوي الخاص به، وترك الأمر للانطباع الفردي الخالص للمتلقي وكيف سيتم التفاعل- إذا جاز التعبير- بين العمل الفني نفسه والمتلقي وجهازه النفسي. وبهذا يكون بارت رفع من شأن العمل الفني على حساب الفنان، وهو ضرب تام لكل القواعد والقوانين التي كانت سائدة في هذا الوقت.

اقرأ أيضًا: عندما بكى نيتشه: رواية للكاتب إيرفين يالوم تجمع بين الرؤية النفسية والفلسفية

ثالثا: غريزة الموت فرويد

يشير الباحث في دراسته إلى أن النصف الثاني للقرن العشرين كان داعمًا جدًا لفكرة النهايات، سواء الفن أو موت النزعة الإنسانية والعدمية بالإضافة إلى نهاية التاريخ وتجاوز الميتافيزيقا. ولكن إذا راجعنا آراء فرويد حول نظريته في الغرائز الإنسانية التي طورها على مدار حياته، نجد أنه يستقر في النهاية على اسمين للغرائز الأساسية؛ غريزة الحياة/ إيروس، وغريزة الموت/ ثاناتوس§. ليعود كل اسم منهما إلي آلهة الحب والموت الهادئ.

“الموت هو النهاية الحقة وهو لذلك غاية الأهمية”

يقتبس فرويد في كتابة ما فوق مبدأ اللذة من شوبنهاور جملته عن الموت، لـ يلخص نظريته التي أسسها حول غريزة الموت، فهو يرى أن الموت هو الحقيقة المطلقة، لذلك مثلما يميل الإنسان إلى الحياة وما يمثل ذلك من أفعال كالأكل والتكاثر وحماية الذات، فهو بشكل أو بأخر يميل إلى الهدم والتخريب، ومن المثير أن يكون هذا التخريب والهدم من خلال نفس الأفعال التي تعزز غريزة الحياة.

يذهب فرويد بعيدًا بنظريته ويفترض أن الفعل الواحد وليكن الأكل، هو معزز لـ الغريزتان معًا، فمثلما يمدنا بالعناصر اللازمة للحياة فهو يحمل في طياته كذلك فعل عنيف وهو المضغ. ويمكن تطبيق ذلك على التكاثر والأفعال الجنسية حتى حماية الذات، باختصار إن الإنسان يحمل الدوافع السادية والمازوخية في نفس الوقت.

غلاف كتاب ما فوق مبدأ اللذة
يرى كذلك فرويد أن الإنسان وبشكلٍ عام كما يُدفع من خلال الغرائز لتحقيق التقدم والبناء الحضاري، فبداخله نفس مقدار القوى للهدم والتخريب، ولكن هو فقط محكوم بالقوانين المجتمعية الصارمة التي تمنعه من تفعيل تلك الغرائز، وبدلًا من ذلك يقوم بالتعويض في أمور أخرى مقبولة اجتماعيًا، ويمكن ضرب مثال على ذلك من خلال تجارة الرق التي كانت منتشرة ومقننة في أوقات وعصور كثيرة، وبالتحقيق بها نرى كمًّا هائلًا من المعاملات غير الآدميه، أو السادية تجاه أفراد بشرية في النهاية.

يمكن القول في النهاية، أن فرويد تنبأ في أوائل القرن العشرين بناءً على دلائل بسيطة موجود بالفعل- مثل جملة نيتشه حول “موت الإله”- أن هذا في النهاية سيؤدي إلى تفعيل مبالغ فيه لغريزة الموت والهدم التي بالتأكيد ستؤدي إلى تغيير جذري لكل الأمور، والتي يمكن اعتبار أن من أعراضها الجانبية الحرب العالمية الأولى والثانية اللتين أدتا تقريبًا لهلاك ثلث البشرية آنذاك.

اقرأ أيضًا:  التحليل النفسي: علم أم علم زائف؟

0

شاركنا رأيك حول "من نظرية موت الإله إلى موت المؤلف، هل كان فرويد على حق في “غريزة الموت”؟"