عمالة الأطفال
0

يقول “خالد الحسيني” في روايته “ورددت الجبال الصدى” التي ترجمها للعربية المترجم المصري “إيهاب عبدالحميد”:

“لا يمكن لعبدالله أن يتخيّل أن أباه كان طفلاً يتأرجح يوماً. لم يستطع يوماً تخيّله كطفلٍ صغيرٍ مثله. صبي معفىً من الهموم ،صبي سعيد ، يركض بلا هدى بين الحقول المفتوحة مع رفاقه. هذا الأب ذو الكفّين المشققتين والوجه المحفور بالخطوط العميقة من التعب، الأب الذي يبدو أنه قد وُلد والمجرفة بيده، وأنه ولد والطين محشي تحت أظافره”.

عمالة الأطفال

أبو عبدالله هذا الذي لم يتأرجح يوما طيلة طفولته والذي لم يلعب بالكرة مع صبية الحي ليس استثناءً قصصيًا تعيشه هذه الشخصية بين صفحات الرواية فحسب، وإنما هو واقع يعيشه 1 من أصل 10 أطفال سلبتهم الحياة حقوقهم ودكتهم خلف أبواب الورشات والمصانع وبين العساكر في الصف الأول لمواجهة الدماء والرصاص.

عن هذه الأكُفِّ المشققة والملابس المرقعة والملامح التي يغطيها السخط والغضب، اخترت أن أحدثكم في مقالي هذا الذي ما انفك يوجعني وأنا بصدد كتابته والذي يفضح ظاهرة عالمية قاسية ألا وهي عمالة الأطفال.

ما الذي يجعل الأطفال يهرولون نحو العمل وحياة الكبار التي يهرب منها الكبار نفسهم؟ ما تداعيات هذا العمل عليهم وعلى التركيبة المجتمعية؟ وكيف نجمد هذه الظاهرة قبل أن تجمد قلوب صغارنا؟

اقرأ أيضًا: في اليوم العالمي للطفل : كيف يعيش الأطفال في عالمنا العربي؟

عمالة الأطفال في العالم عامة وفي العالم العربي خاصة

فتاة هندية صغيرة تعمل منذ نعومة أظافرها.
تعرّف عمالة الأطفال للذين تتراوح أعمارهم بين الخمسة والسبعة عشر عامًا بكونها ظاهرة استغلالهم في أي شكل من أشكال العمل مع حرمانهم من حقوقهم كأطفال، وهي ظاهرة عالمية منتشرة في كل بقاع الأرض. تشمل حسب منظمة العمل الدولية 152 مليون طفل يعمل أكثر من 70 مليون منهم في الأعمال الخطرة، وبالرغم من انخفاض هذا العدد الضخم إلى قرابة 94 مليون سنة 2000 إلا أنه يبقى عددًا مرعبًا يصفع المواطن العالمي عامة والعربي خاصة، حيث تضم لبنان مثلًا حوالي 100.000 طفل عامل (في الشوارع والأسواق والتسول والبناء…)، بينما نجد في العراق أكثر من مليون طفل يشتغلون في شتى الأعمال وقد تضاعف هذا العدد في ظل الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين.

الاستغلال الجنسي للأطفال: ذئاب تعتدي على الطفولة

عمالة الأطفال
لا للاستغلال الجنسي للأطفال.

لم يعد هذا العالم يحتمل الأخلاق أو يوليها اهتمامًا، فمع الأزمة الاقتصادية التي نعيشها تظهر أزمة أخلاقية- اجتماعية تزيد من قسوة هذه الحياة ومن بشاعتها، وتلتهم حتى تلك الكائنات الصغيرة المقبلة على الفرح والموزِّعة للأمل والمحبة للفوضى بمعناها الإيجابي. اليوم، في مجتمعات تتبجح بالتقدم العلمي والتكنولوجي، نفاجأ بأرقام صادمة ومريعة تغطي دول الشمال ودول الجنوب، الغنية والفقيرة، المتقدمة والنامية وتفضح ظاهرة مريعة هي ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال.

يعرّف الاستغلال الجنسي للأطفال حسب منظمة العمل الدولية باعتباره اعتمادًا على الأطفال، إناثًا وذكورًا، في الأنشطة الجنسية في الشوارع والأماكن المغلقة كالعلب الليلية والمطاعم والحانات وحتى البيوت والسياحة الجنسية، كما يحدث في المغرب مثلًا، والمشاركة في عروض جنسية وكذلك في نشر البورنوغرافيا.

تحيلنا الأرقام والاحصائيات إلى خطورة هذه المسألة، فنجد أن الاتجار بالأطفال يحتل في الولايات المتحدة الأمريكية الترتيب الثالث في أكثر الأعمال التجارية غير القانونية ربحًا بعد تجارة المخدرات والأسلحة، بمعدل استغلال 300 فتاة قاصر في اليوم الواحد بولاية جورجيا.

بين اختطاف وبيع، يتعرض 300.000 طفل لخطر الاتجار بهم سنويًّا، ولا تنحصر هذه الظاهرة في المدن الأمريكية الكبرى بل تمتد لتشمل الضواحي والبلدات وتوفر عائدات مالية طائلة تقدر بـ9 مليار دولار سنويًّا.

أما اليوم، في تونس مثلًا والتي تعتبر رائدة في الحقوق والحريات، قالت رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأعضاء الأستاذة “روضى العبيدي” لجريدة الشروق أن الطفولة مهددة أكثر من أي وقت مضى وأن جرائم الاستغلال الجنسي للأطفال ارتفعت بنسبة 180٪، وهو رقم مرعب يعود حسب حوار صحفي أجراه الأستاذ “سفيان بن فرحات” مع “radio med” إلى أسباب عديدة منها الانقطاع المبكر عن الدراسة وعدم انحصار العنف عند الدولة تحت باب العنف الشرعي الموظف للردع، بل انتشاره بأيدي عصابات وجماعات أخرى.

لعل كل هذا يذكرنا بفضيحة عالمية تسمى “حادثة Spotlight” وتتمثل في استغلال قساوسة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للأطفال، جنسيًّا، عام 2002 وقد امتدت هذه الفضائح في المعابد لنجد في هولندا مثلًا أكثر من 1790 بلاغًا عن اعتداء جنسي للقاصرين داخل أسوار الكنيسة.

الأسباب الكامنة وراء عمالة الأطفال

عمالة الأطفال
الحرب هي أحد الأسباب التي تقف وراء ظاهرة عمالة الأطفال.

تتعدد أسباب انتشار عمالة الأطفال في العالم، وبينما يصرخ الجميع مرددين كلمة “الفقر” كلما سُئلوا عن هذه الأسباب، فإننا نرى أنه ليس الشماعة الوحيدة التي يجب أن نعلق عليها هذه الظاهرة المخيفة.

استغلال الأطفال في مجتمعاتنا اليوم هو نتيجة حتمية لنظام رأسمالي متوحش يقدس المادّة ويحتفي باليد العاملة الرخيصة، ولنظام أبوي يقر بأن الطفل ملكية خاصة يتحكم فيها الأب كما يشاء، فيسمح لنفسه بتعنيفه وتحديد مصيره ورسم ملامح حياته بما يرضي مصالحه. كما تتعمق هذه الظاهرة في ظل الحروب والاضطرابات الداخلية وانعدام الاستقرار الأمني وتضاعف ظاهرة الهجرة وتزايد حالات الطوارئ، هذا إضافة إلى غياب المشاريع الإصلاحية على المستوى التشريعي والمؤسساتي.

اقرأ أيضًا: أطفال أبطال غيّروا وجه العالم بمواقفهم الإنسانية – تقرير

تداعيات عمالة الأطفال عليهم وعلى المجتمع

عمالة الأطفال
تختلف مجالات الاستغلال والحرمان واحد.

استغلال الأطفال وحشرهم في ورشات بناء ومصانع وحروب ومزارع عملية تتلخص تداعياتها في مستويين إثنين:

  • مستوى فردي يغطي صحة الطفل النفسية والجسدية والعقلية وسلوكياته.
  • ومستوى ثانٍ جماعي أو مجتمعي.

هذا الحرمان الذي يعيشه الطفل منذ نعومة أظافره يهدد صحته وكرامته وحتى مستقبله، وينتج أفرادًا لم يعيشوا فترة مهمة جدًا من حيواتهم تتشكل خلالها ملامح شخصية الإنسان السوي.

شركات كبرى تقع في فخ استغلال الأطفال لتضاعف مرابيحها فتخسر سمعتها وقيمتها

عمالة الأطفال
شركة زارا متهمة بتشغيل الأطفال.

لعلنا نتفاجأ اليوم حين نعلم أن ملابسنا التي نتباهى بها أمام الآخرين كانت من صنع أطفال صغار أجبروا على العمل في ظروف قاسية ولأكثر من 12 ساعة يوميًّا، وهنا نتحدث عن شركة “زارا” التي وُجهت إليها في عام 2011 تهمة استغلال الأطفال في عملية إنتاج ملابسها.

لم تكن “زارا” وحدها معنية بهذه الظاهرة، فقد أشارت منظمة العمل الدولية بأن شركات أخرى كبيرة مثل كولغيت ونسله تشغل الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة، وتجبرهم على نقل أكياس تزن بين 12 و25 كيلوغرامًا دون توفير أية وسائل حماية أو وقاية من المبيدات الحشرية السامة التي تستعمل في جل مشاتل استخراج زيت النخيل.

كما اتهمت مجموعة دولية للدفاع عن حقوق الإنسان في الكونغو منذ أعوام شركات “آبل” و”مايكروسوفت” و”غوغل” باستغلال الأطفال في استخراج الكوبالت، ورفعت ضدها دعوى فيديرالية مؤكدةً على خطورة هذا العمل وقسوة الظروف التي وضعت فيها هذه الفئة من الأفراد.

أعمال فنية تناولت موضوع عمالة الأطفال

فيلم "كفرناحوم" للمخرجة اللبنانية "نادين لبكي"

وظيفة الفن هي تعرية الواقع حتى يتسنى أولًا للمشاهد رؤية الوقائع كما هي لا كما كان يراها جزئيًا وتغييرها، ثانيًا لدواعي إصلاحية تنهض بالمجتمعات.

على هذا الأساس، قدمت العديد من الأعمال الفنية المصورة موقفها الرافض بشدة لاستغلال الأطفال وتشغيلهم واستعبادهم والرادع لهذه الظاهرة. من بين هذه الأعمال، نجد الفيلم المبكي “كفرناحوم” للمخرجة اللبنانية والناشطة الحقوقية “نادين لبكي” الذي رُشِّح لنيل أكبر الجوائز كجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية سنة 2019 والذي فاز بمحبة المشاهد العربي والعالمي وبتعاطفه مع هذه الفئة المقموعة.

يحكي الفيلم قصة “زين” الطفل الوسيم المنحدر من عائلة فقيرة والذي قرر الهرب حين باعت أسرته أخته سارة لتاجر خضر، ثم عاش مع رحيل وهي مهاجرة غير نظامية من أثيوبيا إلى أن تم إلقاء القبض على هذه الأخيرة وتتالت المشاكل على بطلنا الصغير.

عمالة الأطفال
فيلم “بيك نعيش” للمخرج وكاتب السيناريو التونسي “مهدي البرصاوي”.

لم يكن فيلم “كفرناحوم” العمل الوحيد الذي تطرق إلى هذه المسألة، فمن يقول “عمالة أطفال” يقول “إتجار بالأطفال” وبالتالي المتجارة بأعضائهم. من هذه الزواية تحديدًا، أشار فيلم “بيك نعيش” إلى هذه الظاهرة وهو فيلم للمخرج “مهدي البرصاوي” مثل فيه كل من “سامي بوعجيلة” و”نجلاء بن عبدالله”. تحدث الفيلم عمومًا عن عصابات تجارة الأعضاء وذلك من خلال الاتجار بالأطفال الصغار على الحدود الليبية التونسية.

كيف يمكننا الحد من هذه الظاهرة؟

عمالة الأطفال
تشغيل الأطفال في مجال النسيج.

كما أشرنا سابقا فإن عمالة الأطفال هي ظاهرة عالمية لن تنتهي إلا بانتهاء هذا النظام الرأسمالي أولًا، وبإرساء قوانين دولية ومشاريع مؤسساتية تضمن مراقبة سوق الشغل وتنظيمها، وردع كل مظاهر استغلال الأطفال، هذا إضافة إلى الحث على ضرورة إجبارية التعليم ومجانيته.

عمالة الأطفال في المصانع.
عمالة الأطفال في المصانع.

إن الأمل في غد أفضل وفي عالم أقل بؤسًا وقبحًا من هذا الذي نعيش فيه اليوم هو ما سيهديه لنا أطفالنا إن منحناهم حقهم في طفولة هادئة وسعيدة، لا مكان فيها للعمل الوحشي والاستغلال والحرمان. ولعل أجمل خاتمة لهذا الموضوع الموجع، كلمات العملاق “منصور الرحباني” في أغنية كتبها بعنوان” أغنيتي للطفل والطفولة”. فكما قال ورددنا “أطفالنا رجاؤنا، غدًا هم التغيير… غدا هم التغيير ووثبة التحرير. يا قصة في البال مستحيلة، كانت فصارت لعبة الطفولة”.

0

شاركنا رأيك حول "أطفال سلبتهم الحياة طفولتهم وحشرتهم خلف قضبان ورشات العمل"