النسبية الخاصة
0

رأينا في المرة السابقة كيف توصل آينشتاين من خلال العديد من التجارب الذهنية إلى وضع مسلّمتين انطلق منهما لبناء نظريته في النسبية الخاصة§: الأولى هي أن قوانين الفيزياء تكون نفسها لدى جميع المراقبين العطاليين، بينما تنص الثانية على أنّ سرعة الضوء هي نفسها في الخلاء لدى جميع المراقبين العطاليين. والآن سنرى بعض النتائج الهائلة والمذهلة المترتبة على هاتين المسلّمتين البسيطتين.

نسبية التزامن

لنتصور الآن أن لدينا سيارة يقف شخص في منتصفها تماماً، وأنه يوجد فوق رأسه مصباح ضوئي. سنفترض أيضاً أنه يوجد في كل من الجدارين الأمامي والخلفي باب يُغلق عندما يقع عليه شعاع ضوئي. إضافةً لذلك، سنفترض أنّ المصباح مُطفأ في بادئ الأمر.

والآن، عندما يقوم هذا الشخص بتشغيل المصباح، عندئذ الضوء الصادر عن المصباح في الاتجاهين، سواء باتجاه الباب الأمامي أو الباب الخلفي سيصل للبابين في نفس اللحظة كما يرى الشخص الواقف تحت المصباح، لأنه سيقطع نفس المسافة وبنفس السرعة وذلك بالنسبة لهذا الشخص. وبالتالي سيغلق البابان معاً، إذاً فحدثا إغلاق البابين هما حدثان متزامنان بالنسبة لهذا المراقب، ومعنى متزامنين هنا أنهما يحصلان معاً في نفس اللحظة بالنسبة له.

لنفترض الآن أن هذه العربة هي في الأصل في حركة مستقيمة منتظمة بالنسبة لمراقب آخر ساكن على الطريق. فبما أن سرعة الضوء ستكون نفسها وفي كل الاتجاهات لدى المراقبين، إذاً ما الذي سيراه المراقب الذي على الطريق؟

في الواقع بالنسبة للمراقب الذي على الطريق، وبمجرد أن أضاء المصباح، فالضوء الذي يتجه إلى الجدار الأمامي للعربة سيستغرق زمناً أطول ليلتقي بالجدار من الضوء المتجه باتجاه الجدار الخلفي، والسبب هو أن الجدار الأمامي كان يتحرك مبتعداً عن الضوء في حين أن الجدار الخلفي كان يتحرك مقترباً من الضوء، وبالتالي فسيغلق الباب الخلفي قبل الباب الأمامي وبالتالي فهذان الحدثان ليسا متزامنين بالنسبة للمراقب الواقف على الطريق.

وهنا نتلقى أول صدمة كبيرة تحصل لمفهوم الزمن: فمرور الزمن لدى مراقبين مختلفين ليس نفسه بالضرورة، ففي مثالنا مثلاً نجد أن الفترة الزمنية الفاصلة بين حدثي إغلاق البابين عند المراقب داخل العربة هي معدومة (صفر) في حين أن هناك فترة زمنية مختلفة عن الصفر بين حدثي إغلاق البابين بالنسبة للمراقب الموجود على الطريق! بالتالي فالزمن الذي يفصل بين الأحداث المختلفة ليس نفسه في الحالة العامة، ومرور الزمن سيختلف باختلاف سرعة المراقب، وهي نتيجة مباشرة لثبات سرعة الضوء!§

التدقيق في مفهوم الساعة

في الواقع شاهدنا إذاً أن معدل مرور الزمن يختلف بين مراقب وآخر. إن هذا يدفعنا للسؤال حول من مِن بين المراقبين سيرى مرور الزمن أسرع؟

لمناقشة هذا الأمر، سنتعمق أكثر في فهم ماذا نعني بأداة قياس الزمن ألا وهي الساعة. يمكن أن نستخدم كساعة أي ظاهرة دورية في الطبيعة: اهتزاز بندول أو دوران الأرض حول الشمس أو دوران العقارب في ساعة اليد أو… إلخ من الظواهر الدورية (بمعنى الظواهر التي تكرر نفسها) وكلها يمكن لنا استخدامها كساعة.

اعتماداً على ذلك سنصنع نوعاً خاصاً من الساعات، وهو ما يدعى بساعة النور§. وهي عبارة عن مرآتين متوازيتين ينطلق شعاع ضوئي بينهما عمودياً على سطحي المرآتين المستويتين المتوازيتين جيئةً وذهاباً وتكة هذه الساعة تكون بمجرد أن ذهب هذا الضوء إلى إحدى المرآتين وانعكس وعاد إلى نقطة البداية (سنعتبر أن زمن هذه الرحلة جيئة وذهاباً بين المرآتين يمثّل مقدار تكة واحدة للساعة مثلاً). وسنستخدم هذه الساعة لدراسة مرور الزمن لدى مراقبين مختلفين.

تمدد الزمن

والآن لنفترض أن لدينا مراقباً عطالياً يحمل ساعة نور في يده، أي أن هذه الساعة ساكنة بالنسبة له، ولذلك فهي تقيس ما ندعوه بالزمن الخاص لهذا المراقب. وما نريد فعله هو مقارنة زمن تكة واحدة لديه على ساعته بما يقابلها من مرور زمن لدى مراقب آخر يرى الآول يتحرك حركة مستقيمة منتظمة بالنسبة له.

في الواقع وبالنسبة لهذا المراقب الذي يحمل الساعة، لا شيء غريب سيحصل، إذ أنه سيرى الضوء يذهب في مسار مستقيم عندما يذهب من المرآة الأولى إلى الثانية ثم يعود على نفس المسار ليكمل تكةً واحدة. أما بالنسبة للمراقب الآخر، فهو سيرى كما نلاحظ في الصورة أنه عندما انطلق الشعاع الضوئي فالمرآة أصلاً كانت تتحرك مما يجعل الضوء يتبع الخط المنكسر الموجود في الشكل ليكمل رحلته:

وبالتالي سيكون مساره أطول مقارنةً مع المسار الذي يراه الأول. وبما أن سرعة الضوء نفسها لدى المراقبين، فهذا سيجعل المراقب الذي يرى الساعة متحركة يرى أن الساعة قد استغرقت زمناً أطول حتى تكت تكةً واحدة، وهذا ما يقصد به بتمدد الزمن§، أي أن المراقب الذي يرى ساعة متحركة سيقيس بين حدثين زمناً أطول من الزمن الذي يقيسه مراقب تكون تلك الساعة ساكنةً لديه.

قد يقول قائل إن المشكلة تكمن في نوع الساعة في حد ذاتها أي ساعة النور. ولكن لو افترضنا فعلاً أن هناك ساعة ما ميكانيكية مثلاً يمكن صناعتها بحيث تعطي نفس الزمن لديهما، عندها يمكن لأحد المراقبين من مقارنة قراءة ساعة النور لديه بالساعة الميكانيكية اكتشاف أنه يتحرك والآخر ساكن. ولكن يتحرك بالنسبة لمن؟ نحن قلنا أن النسبية تفترض أن جميع المراقبين متكافئين وبالتالي لا يوجد سكون مطلق أو حركة مطلقة، مما يجعل هذا الكلام يخالف مسلّمة أن قوانين الفيزياء لها نفس الشكل لدى جميع المراقبين العطاليين، مما يعني بأنه لا يهم ما هي الآلية التي نصنع بها الساعة، فمفعول تمدد الزمن سيظهر لا محالة.

خاتمة

في المرة المقبلة سنعاود الإطلالة على مفهوم تمدد الزمن ونتحدث عن نسبية هذا المفهوم والغرائب التي يطرحها وكيف تحل نسبية التزامن هذا الأمر، ثم ننتقل إلى ظواهر أغرب كتقلص الأطوال والتكافؤ بين الكتلة والطاقة وغيرها من النتائج الغريبة جداً للنسبية الخاصة.

0

شاركنا رأيك حول "بعض نتائج نظرية النسبية الخاصة: مفاهيم أساسية لم تعد كما كانت"