2

في الثالث من يونيو الجاري أطلقت نتفليكس فيلمًا وثائقيًّا من بطولة وإخراج وفكرة وسيناريو اللبنانية ميريام فارس، وفي الرابع من نفس الشهر أنجبت الأمريكية ميغان ماركل طفلها الثاني من الأمير هاري.. للوهلة الأولى، قد يبدو هذان الحدثان منفصلين تمامًا- وهما كذلك- لكن دعونا نقول إن هناك نقطة مشتركة بين فيلم ميريام فارس وبين الأمير هاري وزوجته ميغان: المعاناة المخملية الناعمة.

اقرأ أيضًا: احذر مطب !! ..انتحال صفة المشاهير على الفيسبوك وتويتر

ميريام فارس: إعادة لتعريف معنى “الدنيا غدّارة”

ميريام فارس

شاهدتُ “ميريام فارس- غدّارة يا دنيا؛ Myriam Fares:The Journey”؛ الفيلم الذي يتحدّث عن تجربة ميريام فارس مع الحجر الصحي، مرض كورونا، حملها بطفلها الثاني، وتحضيراتها لإطلاق ألبومها الجديد.

في البداية، أودّ أن أعترف بأنني لستُ من متابعي هذه الفنّانة، ولم أُمضِ ساعة من حياتي في مشاهدة هذا العمل إلا بدافع الفضول؛ فالعنوان ملفت باللغتين رغم اختلافه، فمن جهة لديك وعد بمشاهدة أحداث مأساوية يتجلى فيها غدر الدنيا بأبشع تفاصيله، ومن جهة أخرى لديك وعد بقصة طويلة ومراحل متصلة من هذه “الرحلة”.

ما المأساة التي مرّت بها ميريام فارس؟

بصراحة، لا أعلم.

أحاول التركيز لتذكّر شيء مأساوي واحد، لا أجد سوى انفجار بيروت الذي هزّ العاصمة اللبنانية وأدّى إلى مقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة ستة آلاف آخرين- لكن لم تكن له أية آثار سيئة بالنسبة لعائلة وممتلكات ميريام فارس، سوى الصدمة والحزن. لذا لا أعتقد أن “انفجار بيروت” هو الإجابة الصحيحة هنا.

إذن، ما الذي كانت تقصده حين تحدّثت عن غدر الدنيا؟

كل ما يمكنني الوصول إليه هو محاولة التخمين بأن الدّنيا غدرتنا جميعًا حين وضعت في واقعنا فيروسًا مخيفًا تسبّب في تغيير معالم روتيننا ويومياتنا ووفاة الكثير ممن نحب.. لكن هذا “غدر” عالمي شملنا جميعًا، وميريام فارس لم تفقد عملها أو أحدًا من أقربائها بسبب هذا الوباء، أقصى ما حصل هو إصابتها بالفيروس وبقاؤها في غرفتها بعيدًا عن زوجها وابنها عدة أيام، وفقط.

إن كنتَ شاهدتَ العمل ولك وجهة نظر أخرى، أو أنك تمكّنت من حل لغز العنوان العربي، شاركنا إياه في التعليقات!

إن لم تكن قد شاهدتَ العمل، فلا تفعل.

هل تعلّمنا أيّ شيء من الفيلم؟

(نعم، ألا تثق في العنوان بعد اليوم!)

حسنًا، بجدية أكبر: لكل إنسان الحق في الشعور بالألم وإبدائه والحديث عنه. لا أحد يمكن أن يُسلَب الحرية في القول بأنّه يمر بفترة صعبة حتى لو كان ملك ملوك الأرض، لأننا في النهاية جميعًا بشر بنفسية هشّة وبنية ضعيفة، مخلوقون من صلصال سهل الكسر والتحطم.. الألم مُرّ وثقيل على القلوب كلّها، وعلينا أن نفهم ونحترم ذلك.

لكن ما هو الألم؟ هل هو أن تعيش لعدّة أشهر في منزل فاخر يملك حديقة ومسبحًا خياليًّا يطلّ على بيروت؟ هل الألم هو أن تعيش زواجًا سعيدًا ويكون لك طفل جميل يلعب ويمرح في البيت طوال اليوم؟ هل الألم أن يرزقك الله طفلًا جديدًا وأن تمضي تسعة أشهر بانتظار قدومه وأنت تعلم أنه بصحة جيّدة وأنك تستطيع توفير كل ما يريده؟ أم الألم أن يكون لديك مصدر دخل آمن لدرجة أنك تستطيع أن تتوقف عن العمل تمامًا دون أن يتأثّر مستوى الحياة التي تعيشها أنت وعائلتك؟ أم الألم هو أن تعيش في أمان وثراء في بلد الكثير من سكّانه لا يحلمون بما تملك؟

إن كان هذا هو الألم، فكلنا نريد أن نتألم وتغدر بنا الدنيا بهذه الطريقة المذهلة.

ميغان ماركل: حلم الأميرات صار مسمومًا

زواج الأمير هاري وميغان ماركل

اتفقنا من قبل أن لكل إنسان الحق في الحزن والتذمر وإبداء رفضه للظروف التي ترهقه، هذا يحدث معنا جميعًا.. لكن أن يقودك عنوان صحيفة للتفكير في الانتحار، فهذا يستحق التمعن..

نبذة عن الـMegxit

في الثامن من يناير 2020، أعلن الأمير هاري وزوجته الممثلة الأمريكية ميغان ماركل عبر منشور على الانستغرام عن انسحابهما من الحياة الملكية رغبةً في تحقيق الاستقلال المادي والمضي قدمًا في حياتهما (مع مواصلة القيام بواجباتهما تجاه الملكة).

ووضح الزوجان هاري وميغان في مقابلة مع أوبرا وينفري أن السبب يتمثل في المعاملة السيئة التي لقيتها ميغان من الصحف البريطانية وتعرّضها للكثير من العنصرية والتنمر دون أن تدافع عنها العائلة الملكية البريطانية بأي شكل من الأشكال، كما وضّح هاري بأن أفراد عائلته مسجونون في أدوارهم الملكية، لذا يمكن اعتبار هذه الخطوة محاولة لاستنشاق نسمة من ريح الحرية.

اقرأ أيضًا: المشاهير والسوشيال ميديا: كفاكم عبثًا بواقع معجبيكم (¬_¬ )

محاولة لفهم المعاناة المخملية

من المتوقّع أن ميغان كانت تنتظر أن تستقبلها بريطانيا بالورود وأن تحتفي بها كما فعلت فرنسا بالممثلة الأمريكية غريس كيلي، لكن حدث العكس! وجدت نفسها تحت وابل من الانتقاد، فصار المشهد كما يلي:

ميغان ماركل تعيش حياة الملوك مع زوجها (ثم ابنها آرتشي)، ينتقلان بين القارات في أسفار ملكية ويحضران حفلات وعروض ومناسبات راقية ويشرفان على عدد من المؤسسات الخيرية، بالتوازي مع وجود جزء من الصحافة تنشر مواضيع تستفزّ ميغان ومعجبيها باستمرار.

هذا الوضع سبّب لها مشاكل نفسية وصلت إلى حد التفكير في الانتحار!

أعتقد أن استيعاب هذه النقطة يستدعي الاستعانة بنظرية نفسية مثيرة للاهتمام تُدعى “هرم ماسلو“، تعبّر عن تدرّج الاحتياجات النفسية وترتّبها من حيث أهميتها وأولية تحقيقها بالنسبة للإنسان.

هرم ماسلو للحاجات الإنسانية

في قاعدة الهرم، نجد الحاجات الفيزيولوجية الضرورية لإقامة الجسد وبقائه على قيد الحياة، كالأكل والشرب والنوم.

في الدرجة الموالية تأتي الحاجة إلى الشعور بالأمان، أي العيش في مكان خال من الحروب والأزمات، القدرة على توفير مصدر دخل ثابت والحصول على الرعاية الصحية اللازمة.

الدرجة التي بعدها متعلّقة بالحاجات الاجتماعية، كالصداقة والعائلة والعلاقات الطيبة في العمل.. ثم تأتي الحاجة للتقدير التي تتحقّق عبر الشعور باحترام الآخرين لنا وإشادتهم بإنجازاتنا.

وأخيرًا، في قمة الهرم تأتي الحاجة إلى تحقيق الذات عبر التميز والنجاح.

هرم ماسلو يوضّح أنّ الاحتياجات التي يلبّيها المال تنحصر في الحاجات الجسدية والحاجة للأمان، لكن دوره يصير قاصرًا إلى حدّ كبير كلما اقتربنا من قمة الهرم، لأن تلك الحاجات تتعلق بأمور لا تُشترى، وإن استُعمل المال في الحصول عليها فَقَدت معناها.. بتعبير آخر: الأغنياء والمشاهير يملكون المال، والمال يشتري الطعام والمنزل الفاخر ويسمح بالعيش في مكان آمن وتلقّي العناية الصحية اللازمة، لكنه لا يشتري دفء العائلة ووفاء الأصدقاء واحترام الناس والقدرة على الإنجاز والنجاح، والأهم من ذلك هو أنه لا يشتري الشعور بالرضا.. لذا، فالأغنياء يخوضون الصراعات النفسية مثل الفقراء تمامًا، لكن بين جدران من ذهب لا تنفعهم كثيرًا في نهاية المطاف.

وإذا أسقطنا احتياجات هرم ماسلو على ميغان وهاري، سنجد أن ميغان لم تحصل على التقدير الذي كانت تنتظره وهاري لم يحصل على فرصة لتحقيق إنجازات شخصية خارج دوره الملكي، وكلاهما افتقدا إلى الحرية نوعًا ما.

لكن هل هذا يبرّر الأزمة النفسية والرغبة في الموت؟ هل هذا يرتقي أصلًا إلى مرتبة المعاناة؟

خلاصة

أرجو أن القارئ قد انتبه إلى أنني بذلت قصارى جهدي لتفهّم وجهة نظر فيلم ميريام فارس وما حدث مع هاري وميغان، لكن كل محاولات التأويل والتفسير لا تغيّر حقيقة وجود فرق واضح بين المعاناة والدراما: المعاناة تعني أن تتعذّب بكل كيانك بسبب أمر مستعصي جارف يستنزف كل طاقتك، والدراما أن تمر بمرحلة المعاناة لكن بسبب شيء تافه أو صغير مقدور عليه.

يعني عندما تتعثر وتصاب ركبتك عند السقوط وتُمضي ساعات في النواح، فهذه دراما، تماما كدراما ميريام فارس وقصة الأمير هاري وميغان ماركل مع الصحافة البريطانية.. مجرّد حكايات فارغة نالت اهتمامًا أكبر من حجمها بكثير.

2

شاركنا رأيك حول "معاناة مخملية: ميريام فارس، ميغان ماركل والأمير هاري يعلمونك ما الفرق بين المعاناة والدراما"