إشكالية الأصل والتقليد والنسخ في الاعمال الفنية
5

هل شاهدتم فيلم “Certified Copy”؟ الفيلم من إخراج الإيراني عباس كياروستامي وبطولة الفرنسية الجميلة بينوش ومغنّي الأوبرا البريطاني وليام شيميل، وأحداثه تدور في إيطاليا.

التركيبة الثقافية الغنية لهذا الفيلم ليست أكثر ما يميّزه، فرغم أن القالب والشخصيات الرئيسية لافتة، إلا أنّ ما يجعل الفيلم فريدًا حقًّا هو طرحه لإشكالية الفرق بين الأعمال الفنية الأصلية والمقلّدة، بمعنى: لماذا نحبّ الموناليزا الأصلية ونحتقر كل النسخ الأخرى رغم أنّ إنجازها تطلّب مهارات تقنية وفنية عالية؟ وهل ستكتسب هذه النُسخ قيمةً إن ضاعت الموناليزا؟ وماذا عن الفنان الذي يستطيع إبداع موناليزا مماثلة تمامًا للأصلية، هل هو فنان كامل أم مجرد ناسخ؟

سنحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة من وجهة نظر الفيلم، ثم من وجهات نظر نقّاد الفن.

اقرأ أيضًا: الحنين إلى الطبيعة البشرية في أعمال مشروع Cosmodreams للفنانة

رأي “Certified Copy”

الأصل، التقليد والنسخة: إشكالية ما زالت قائمة في الفن!
لقطة من فيلم “Certified Copy”

بالنسبة للفيلم، نحن نبالغ في الاحتفاء بالأعمال الفنية الأصلية ويجدر بنا أن نقدّر النسخ المُتقنة لأنها تنقل نفس المحتوى وتمنحنا نفس الشعور ونفس التجربة.. إذا كنّا أمام لوحتين متماثلتين تمامًا فنحن بالضرورة نختبر الأحاسيس والأفكار ذاتها.

لذا، هوية الفنان وخلفية العمل يجدر بها ربما أن تنتقلا إلى الدرجة الثانية أو الثالثة من حيث الأهمية، وبالمقابل سيكون من الجيد أن نركّز اهتمامنا على التجربة التي يمنحنا إياها العمل الفني، سواء كان أصليًا أو نسخة، لأن جوهر الفن يتركّز حول العلاقة التي تربط الإنسان بالعمل الفني بشكل مباشر، دون حاجة إلى وسائط أخرى.

ماذا يقول نقّاد الفن؟

في كتاب بعنوان “The Anxiety of Anticipation (Yale French Studies)”، كتب Richard Shiff- أستاذ في جامعة تكساس (أوستن) ومدير معهد دراسات الحداثة فيها- مقالًا مركّزًا عن الفرق بين العمل الفني الأصلي، التقليد والنسخة من منظور أعمدة الفن الفرنسي في القرن التاسع عشر، مع تقديم أفكار عدد من الأسماء القيّمة مثل الناقد Quatremère de Quincy والفيلسوف Hervé Bouchitté.

أوّلًا، سنعيد النظر إلى المصطلحات الأساسية

ما هو العمل الأصلي؟

الأصل، التقليد والنسخة: إشكالية ما زالت قائمة في الفن!
لوحة الصرخة للفنان إدفارد مونك

يوجد خلاف حول ماهية العمل الفني الأصلي: هناك من النقاد والفنّانين من يرى أنه قائم على التجديد في الأسلوب الفني بحيث يكون مستحدثًا مختلفًا (تقنيّا و/ أو إبداعيًا) عمّا يستعمله الآخرون، وهذا يعتمد أساسًا على مهارة الفنّان في ابتكار طابعه الخاص وقدرته على كسر المألوف، بينما يقول Bouchitté إن التجديد الرئيسي في الفن يتمحور حول الأفكار والمشاعر التي يحملها العمل الفني والتجربة التي يغرسها في ذهن ووجدان الإنسان.

وبالتالي، قد يكون العمل أصليًا باعتبار الموضوع الذي يعالجه والفكرة التي ينقلها، أو باعتبار الأداة الفنية، التقنيات والأسلوب اللذين تم اعتمادهما لإنجاز العمل؛ يقول Quatremère:

الابتكار التصويري يبعث في ذهن المُشاهد أفكارًا غير معروفة، ويخلق في روحه مشاعر لم يجرّبها من قبل، ويقدّم أمام عينيه صورًا وتركيبات لا تمنحها له الطبيعة.

التقليد

الأصل، التقليد والنسخة: إشكالية ما زالت قائمة في الفن!
لوحة ليلة النجوم للفنان فان غوخ

هناك من يرى أن التقليد يقوم على إعادة خلق عناصر العمل الفنّي الأصلي بعد استيعابها وفهم مبدأ ترتيبها داخل حدود العمل، بمعنى أن التقليد هو تركيب جديد لأجزاء العمل الأصلي للخروج بعمل مشابه، لكن ليس مماثلًا بالضرورة.

والرأي الآخر مختلف عن الأول إلا أنه لا يناقضه، ومفاده أن التقليد يكون عند إعادة إنتاج عمل فني ما، لكن مع شرط استخدام المقلِّد لأسلوبه الفني الشخصي، وكأننا نتحدث عن عملية ترجمة للأصل، بحيث تختلف اللغة وأداة نقل الفكرة مع الحفاظ على هوية الموضوع.

من هذا المنطلق، تصبح اللوحات الفنية التي تنقل مناظر طبيعية ضربًا من ضروب التقليد، حيث أن الفنّان يقلّد بأسلوبه الشخصي مشاهد موجودة بالفعل.

يقول الناقد الفني Charles Blanc:

الفنان يقلّد الطبيعة، ليس بالطريقة ذاتها التي تتواجد بها الطبيعة لكن بالطريقة التي يتواجد بها هو.. كل فنّان يترك شخصيته الخاصة على ما يقوم بتقليده.. مزاج الرسام يغيّر طبع الأشياء، والطبيعة بالنسبة له هي ما يريد لها أن تكون”.

ويضيف Quatremère أنّ الهدف من التقليد هو المتعة الفنية التي يستمدها المُشاهد من مقارنة اللوحة مع المشهد الأصلي.

النسخة

الأصل، التقليد والنسخة: إشكالية ما زالت قائمة في الفن!
لوحة سيدة مع قاقوم للفنان ليوناردو دافنشي

تكرار عمل فنّي وإنجازه بطريقة مماثلة تمامًا للأصل هو أسوأ ما يمكن أن يحدث في الفن، ويصفه النقاد بالعُهر الذي من شأنه تدمير الذات!

ويمكننا فهم سبب احتقار النَسخ واستصغار من يقوم به إذا علمنا أن لوحات البورتريه كانت تسمى في القديم نُسَخًا لأنّها تعتمد على نقل وفيّ لكل ما تراه العين مما يجعلها خالية من أيّ أفكار جديدة؛ لذا كان يُنتظر من الفنّان استعمال أسلوبه الخاص أثناء إنجاز اللوحة، والقيام بالتقليد بدل النسخ.

خلاصة رأي النقاد

يبدو جليًا أن قيمة العمل تزيد كلما كانت بصمة الفنان فيه واضحة أكثر؛ فالفن هو الروح الاستثنائية التي تسكن العمل الفني.. الهوية المتفرّدة التي تميّزه.. وذلك المزيج الخاص من الأفكار والأحاسيس التي يضمّها ويبعثها فينا فنشعر أننا نخوض تجربة جديدة للمرة الأولى، أننا نقف أمام شيء لم نرَ مثله في السابق، وأنّنا على الأغلب لن نشهد مثله مجددًا.

اقرأ أيضًا: الكتاب الأصلي مقابل نظيره المضروب: معركة أخلاقية مشتعلة في عالم القراءة

هل انتهى النقاش؟

الأمريكية الراحلة Sturtevant اشتهرت بما كانت تسمّيه “تكرار” الأعمال الفنية العالمية باستعمال نفس التقنيات والأدوات التي أُنجِزت بها للخروج بعمل مشابه للأصل أو مطابق له، كما اشتهرت بإتقانها للتصوير والنحت والرسم والفيلم والفيديو، مما سمح لها بتقليد ونسخ أعمال متنوّعة جدًا خلال مسيرتها.

WARHOL DIPTYCH لـِSTURTEVANT
Warhol Diptych لـِستورتيفانت (النسخة)

كانت Sturtevant تردّ على من يتّهمها بالنسخ بأنها لا تقوم سوى بالاعتماد على ذاكرتها في استعادة ملامح العمل والمبدأ الذي صُنع على أساسه لإعادة خلق القطعة الفنية الأصلية، ثم إنها لا تقوم بالتقليد بل بتكرار العمل مع الإشارة لاسم صاحبه.

النقاد الذين منحوا قيمة لأعمالها اعتبروا أنها أعادت النظر في فكرة الأصل والتقليد والنسخ، وساهمت في توضيح الفروقات الناتجة عن التكرار، وألقت الضوء خلال مسيرتها على أهمية مرحلة “الخلق” في حياة القطع الفنية؛ باعتبار أنّ عملية “صُنع” الفن قيّمة بحد ذاتها، والتفكير الذي يحفّزها هامّ أيضًا، والقدرة على فهم البنية التي يقوم عليها العمل الأصلي وتكرارها يحتاج إلى تقدير.

 MARILYN DIPTYCH لـِANDY WARHOL
Marilyn Diptych لآندي وارهول (اللوحة الأصلية)

تعتبر Sturtevant من أبرز رواد حركة “التخصيص- Appropriation” التي ترتكز على الحريّة في إعادة استعمال الأعمال الفنية الموجودة، سواء بصورتها الأصلية أو مع إحداث تغييرات، ضاربةً عرض الحائط كل ما قيل عن الأصل والتقليد والنسخة.

5

شاركنا رأيك حول "بين اختلاف وجهات نظر النقاد: إشكالية الأصل، التقليد والنسخة ما زالت قائمة في الفن"