كوكا كولا وكريستيانو رونالدو
0

كنّا قد تحدثنا في مقدمة مقال سابق بعنوان “تمس القلوب قبل الجيوب: إعلانات تجعلك ترى إنسانيتك فيها قبل أن ترى المنتج” عن البدايات الأولى لفن صناعة الإعلانات باختصار شديد وذكرنا حينها أن الإعلانات قديمة قدم التاريخ وقد تطورت وتجددت أشكالها وأساليبها بتطور العلوم والتكنولوجيا حتى صارت تطغى اليوم على حيواتنا وتوجهنا حيثما تريد.

ولئن لم نعرض عليكم في ذلك الوقت أمثلة قديمة جدًا لإعلانات كتبت منذ قرون، نتذكر اليوم بعضها ونذكر من بينها أغنية “قل للمليحة بالخمار الأسود” التي كلما سمعناها، ارتسمت في أذهاننا صورة الفنان السوري الكبير “صباح فخري” مرتديًا بدلة سوداء وملوحًا بيديه هائمًا بالمليحة. هذه الأغنية التي نسمعها في كل رحلة عائلية هي أول دعاية تسويقية في التاريخ الإسلامي.

بدأت قصتها في أحد الأسواق في العصر الأموي حين باع تاجر أخمرة كل أخمرته الملونة بينما تراكمت عنده الأخمرة السوداء. كانت رؤية كل تلك السلع المكدسة تحزن التاجر وتؤرقه فاستنجد بشاعر خطيب يجلس في السوق قريبًا منه علّه يساعده في التخلص منها.

كوكا كولا وكريستيانو رونالدو

فكر الشاعر لوهلة ورفض في البداية مد يد العون للتاجر المسكين، ثم تراجع عن ذلك ليلقي في وسط السوق أبياتًا تحكي عن ناسكٍ متعبد هيّمته رؤية سيدة تضع خمارًا أسودًا، قائلا:” قل للمليحة بالخمار الأسود، ماذا فعلت بناسك متعبد؟”. هكذا، تهافتت النساء على الأخمرة السوداء ولم يبقَ للتاجر خمار واحد.

هذه الحادثة البعيدة في الزمان والقريبة من القلوب والآذان تؤكد أن للدعاية دور هام جدًا في التسويق وأن الطرق المنتهجة في صياغة الإعلانات تحتاج دراسة وتركيزًا، إذ نجد اليوم كبرى الماركات تتعامل بذكاء وفطنة شديدين مع التحولات الاجتماعية وتستعمل الخطابات السياسية وتدرس الأوضاع الاقتصادية قبل أن تبث إعلانًا مَا، ونجد كذلك ما يسمى بـ”الإعلان عبر المشاهير” أو “Celebrity advertising” وهو العمل مع شخصيات ذات شعبية كبيرة للترويج لمنتجات وخدمات الشركات. ولكن ما الذي يحدث إن نادت ضمنيًّا تلك الشخصية المشهورة بترك تلك المنتجات؟

اقرأ أيضًا: نحن نساء لا أشياء: عن الصور المبتذلة للنساء ضمن الإعلانات التجارية

أزاح “رونالدو” زجاجة “كوكا كولا” عن طاولته فكلفها خسائر تقدر بالمليارات

كوكا كولا وكريستيانو رونالدو

في ندوة صحفية سبقت مباراة كرة قدم جمعت البرتغال بالمجر ضمن فعاليات بطولة أمم أوروبا لسنة 2020 عُقدت يوم الإثنين 14 يونيو، دفع المهاجم البرتغالي “كريستيانو رونالدو” زجاجتي كوكا كولا عن طاولته وعوضها بزجاجة ماء مرددًا بلغته الأم: “Agua”، دافعًا بذلك وحشًا رأسماليًّا كبيرًا ورافعًا في وجهه المياه.

هذا المشهد الذي انتشر كالنار في الهشيم والذي تحدثت عنه كل وسائل الإعلام، يؤكد هوس هذا اللاعب العالمي بالاعتناء بصحته وعدم الاكتراث بالأموال التي يمكن أن يجنيها من خلال العمل مع كوكا كولا أو غيرها من الشركات الكبرى. بهذه الحركة الجريئة، يشجع هداف اليورو 2020 الناس على استبدال المشروبات الغازية عامة و”كوكا كولا” تحديدًا بالماء، مستكملًا معاركه مع هذه الشركة الممولة لبطولة أمم أوروبا، حيث قال هذا النجم العالمي في حوار صحفي له العام الماضي أن ابنه ليس مؤهلًا بعد للوصول للقمة باعتباره يشرب “كوكا كولا” و”فانتا” أحيانًا.

اقرأ أيضًا: أن تبيعك حواسك الخمس للشركات التجارية: كيف يعمل التسويق الحسي على جذب العملاء؟

لكن هذه الحركة التي تجاهلها البعض بالتعليل أن مثل هذه الشركات لا يمكن أن يتأثر بهجمة كهذه، قد كلفت “كوكا كولا” حوالي 4 مليار دولار من الخسائر. إذ تراجعت قيمة أسهمها من 242 مليار دولار إلى 238 مليار دولار، أي ما يعادل 1.6%. لكن هذه الخسائر المادية ليست أشد خطورة من خسارة سمعة شركة عالمية قضت عقودًا في نحتها في الأذهان، وهنا تظهر شجاعة هذا اللاعب وقوة هجمته؛ فالدعاية التي ما زالت تقوم بها الشركات الكبرى ككوكا كولا لا تندرج ضمن باب الترويج لمنتجاتها، بل ضمن ما نسميه استراتيجيات إدارة سمعة الشركة.

كريستيانو رونالدو وكوكا كولا

وهنا يُطرح السؤال، إن لم تكن حركة “رونالدو” تلك مهمة ومؤثرة، لِمَ قلده بعدها مهاجم المنتخب الفرنسي “بول بوغبا” وتجرأ على إبعاد زجاجة الهاينكن عن طاولته؟

هجمات مشابهة قادها مشاهير وأثرت في ماركات عالمية

سبق وتحدثنا أيضًا في مقال بعنوان “دمتم أحرارًا… دمتم مقاطعين: تعرف على أهم حملات المقاطعة الاقتصادية العالمية” عن المقاطعة بشتى أنواعها ومجالاتها، ولكننا في هذا الجزء من المقال سنركز أكثر على مشاهير قاطعوا منتجات أو شركات فألحقوا بها ضررًا كبيرًا.

أبرز هذه الحملات كانت حملة مقاطعة “فيسبوك” و”أنستاغرام” من قبل العديد من المشاهير مثل “كيم كارداشيان” و”ليوناردو دي كابريو” و”كايتي بيري” و”جنيفر لورنس”، الذين شاركوا في حملة ضد شركة “فيسبوك” أطلقها نشطاء في مجال حقوق الإنسان تحت شعار “أوقفوا الكراهية من أجل الربح”. ويذكر أن هذه الحملة قد ساهمت في تدني صافي ثروة مارك زوكربيرغ بقيمة 7.2 مليار دولار وانخفاض قيمة أسهم شركته.

أنقذوا رالف

بالإضافة إلى هذه الحملة، شهدنا مؤخرًا حملة مقاطعة عالمية لماركات كبيرة قادها أرنب مسكين عاش أسوأ التجارب وأقساها خلف جدران شركات صناعة مستحضرات التجميل. شارك في الحملة العديد من المشاهير مثل “زاك إيفرون” و “أوليفيا مون” و “ريكي جيرفيه” ودعوا جميعًا إلى منع إختبار مستحضرات التجميل على الحيوانات، وهو إجراءٌ ما زال يطبق في دول أوروبية كثيرة تحت اسم “تقييم المواد الكيميائية”.

اقرأ أيضًا: “أنقذوا رالف”.. أن تكون دماء الحيوانات ثمن مستحضرات التجميل (الآمنة

خاتمة

لعل أغلبنا يجهل تاريخ ظاهرة الإعلان عبر المشاهير التي تمتد جذورها إلى ستينات القرن السابع عشر حيث قدمت العائلة الملكية ببريطانيا آنذاك شعارات ملكية أو Royal warrants لمباركة علامات تجارية بريطانية وتسهيل تسويقها في كل أنحاء العالم، وكانت أول شركة منتفعة بهذا النوع من الدعاية هي شركة “ويدجوود” الصناعية التي تهتم بصناعة الفخار والبازلت الأسود والأواني الخزفية.

كوكا كولا وكريستيانو رونالدو

تواصل العمل بهذه المباركات الملكية طيلة قرن تقريبًا حتى ظهر بين 1875 و 1900 أسلوب حديث للترويج عبر المشاهير، وهو ما يطلق عليه بالإنجليزية “Trade cards”. تمثل هذه البطاقات صورًا تجمع مشاهير كبار بالمنتج الذي يروجون له وتقدم  مباشرة إلى المستهلك أو توضع في غلاف المنتج، وهنا ظهرت بطاقات بصور ممثلات ومغنيات ولاعبي كرة سلة.

سلعنت هذه الظاهرة المشاهير وجعلتهم أداة تروج لمنتج وصوتًا يعوض أبواق شركات، وانخرطوا بذلك بطريقة سلبية جدًا في السوق العالمية المتوحشة.

0

شاركنا رأيك حول "“اشربوا الماء”: عبارة سجل بها كريستيانو رونالدو هدفًا بأربعة مليارات دولار على كوكا كولا"