الأبيقورية
0

عندما نذكر أبيقور باعتباره فيلسوف «اللذة»، غالبًا ما تطرأ على الذهن صورة الحفلات الماجنة، الخمور، العلاقات الجنسية، وكل الملذات الحسية المباشرة. لكن أبيقور كان مختلفًا تمامًا عن تلك الصورة الشائعة، لقد كان بالفعل فيلسوف اللذة، وكان في الوقت ذاته يعتبر اليوم الذي يُضاف فيه الجبن إلى مائدة طعامه عيدًا.

كيف يكون الفيلسوف الذي اعتاد الخبز على مائدته كوجبة وحيدة، فيلسوفًا يقول باللذة والسعادة كهدف أسمى للحياة الإنسانية؟ سنخوض هذا المقال في محاورة فلسفية على غرار محاورات أفلاطون الذي يمقته أبيقور، محاولين الولوج إلى ذهن الفيلسوف الإغريقي أبيقور.

اقرأ أيضًا: تاريخ الفلسفة ومذاهبها: تعرف على أقدم العلوم وأبرز التطورات التي مرّت بها عبر العصور

كيف نشأتَ يا أبيقور وما هي الأبيقورية؟

ولدتُ على جزيرة ساموس في اليونان، لأبويين أثينيين. عشتُ حياتي بين 341- 270 قبل الميلاد. يقول المؤرخون أنني كنت فيلسوفًا مؤثرًا في الحياة الفلسفية الإغريقية. ولأنني كنت فيلسوفًا تجريبيًا، مثل أرسطو أرى أن الحواس ذات القيمة العليا، لفظتُ المُثل الأفلاطونية، أو إذا صلُح التعبير، فقد كنت فيلسوفًا يؤمن بالأرض أكثر من إيمانه بالسماء. كتبت أكثر من 300 عملًا فلسفيًا، لكن لم يصلكم منها سوى ثلاث رسائل فقط.

أبيقور

أسس أبيقور مدرسته الفلسفية الخاصة، مطلقًا عليها اسم «الحديقة»، ضمت تلك المدرسة أتباعه، وعُرفوا بتناولهم الوجبات الغذائية البسيطة، ومناقشة الموضوعات الفلسفية الشائكة والمتنوعة. لم يكن أبيقور كسابقيه من الفلاسفة، فقد سمح للنساء والعبيد بالدخول إلى المدرسة ومناقشة القضايا الكبرى بلا تفرقة بينهم.

اقرأ أيضًا: كيف قضى الاحتلال الإنجليزي أو الفلسفة النفعية على روح الإنسان؟

السؤال الفلسفي: لم نتفلسف يا أبيقور؟

لقد توليت من الأرض إلى السماء، تحديث الرؤى التي روجها أفلاطون في الفلسفة الإغريقية. ما فائدة الفلسفة إذا لم يهنأ الإنسان بالعيش بها؟ أرى أن غاية الفلسفة تنحصر في ثلاث: أن يعيش الإنسان حياة هانئة أو ما نطلق عليه باليونانية الإيودايمونيا Eudaimonia، السكينة والتخلص من القلق والخوف أو ما نطلق عليه أتاراكسيا Ataraxia، والحياة الخالية من الآلام أو ما نطلق عليه أبونيا Aponia. ربما عبر تلك المشاعر يستطيع الإنسان أن يحقق حياة يصبو لها، سعيدة هانئة خالية من المخاوف والآلام.

أبيقور

لقد انصبت كل الفلسفات من قبلي على الحياة الأخلاقية للإنسان، وأغفلت الحياة النفسية والمشاعر الإنسانية أو تغافلت عنها. اهتمت الفلسفات من قبلي بالفضائل، واهتممتُ بالمشاعر. كانت فلسفتي نصيرًا للإنسان ليشعر بالسعادة بدلًا من الشعور بالفضيلة. لقد أدركت أن العديد من الأفكار الوهمية لدى الإنسان كانت سببًا في تعاسته وشقائه، مثل الخوف من الموت، والخوف من الإله.

الدواء الرباعي: لكل قلق وجودي علاج

ربما يمكنكم أن تدعوني أول من اخترع العلاج السلوكي المعرفي، ومع الاستئذان من الطبيب النفسي آرون بيك، المنسوب إليه اختراع مجال العلاج النفسي السلوكي الإدراكي، سأنسب لنفسي بوادر هذا المجال. يعتمد العلاج الإدراكي السلوكي على عدة ركائز؛ وتشمل تلك الركائز الآتي: أن المشاكل السيكولوجية نابعة في الأغلب من تفكير مضطرب لا يساعد الشخص على الوضوح، وأن تلك العادات الفكرية تتحول إلى أنماط يتبعها الشخص كل مرة تطرأ عليه الأفكار بشكل سلبي دون النظر فيها بعمق، وأن الذين يعانون من المشكلات النفسية يمكنهم تعلُّم طرق أكثر كفاءة للتخلص منها والتفكير فيها بشكل مختلف.

تُبنى تقنيات العلاج السلوكي الإدراكي على تغيير أنماط السلوك والتفكير، وتشمل تلك الاستراتيجيات مواجهة المرء لمخاوفه بدلًا من تجنبها، الاستعداد للمواقف الموترة بالتدرب عليها قبل حدوثها، كما تهتم الاستراتيجيات السلوكية الإدراكية بتهيئة العقل وتدريبه على الهدوء والسكينة، وتهدئة الجسد.

مكونات العلاج الرباعي

فلنعد إلى حديثنا أيها القراء الأعزاء. لقد استخرجتم من كتابات أبيقور فيلسوف السعادة، وصفة فلسفية لعلاج مشاكل واضطربات الوجود. يخطئ من يعتقد أن مشاكل الإنسان النفسية منفصلة عن أزماته الوجودية والاجتماعية. تُسمى تلك الوصفة بالدواء الرباعي؛ لأنها تشمل أربع مكونات. أُخذت تلك التسمية من مركب كان يُعرف بالدواء الرباعي tetrapharmakos ويتكون من الشمع والودك والزفت والصمغ، لا تتعجب من المكونات، هكذا اجتهد أطباء عصري.

لا تخشَ الموت

عندما يكون المرء حيًا، فلا حاجة له لأن يقلق من الموت، وعندما يأتي الموت، فلن يكون هناك شيء ليقلق بشأنه. هكذا صغت تلك الجملة البديهية التي يغفلها كثير من الناس، ويقلقون بشأن الموت. إن المشكلة التي تعتري القلق من الموت أنه يعيق الحياة بشكل كامل. لقد وضع فلاسفة الشرق لديكم عددًا من التقنيات التي ألهمت الأطباء النفسيين، بالاستغراق في الحاضر، والحياة في اللحظة الحالية، وترك المستقبل والماضي جانبًا. لقد ألف أبيقور تلك العلاجات في الدواء الرباعي منذ آلاف السنوات.

السعادة قريبة المنال

على عكس ما يشاع عني، يقولون أبيقور فيلسوف الملذات وكأنني أدعو إلى ربط معنى الحياة بالمأكولات الفاخرة وإشاعة الجنس والمجون. أرى أن السعادة يجب أن ترتبط أولًا بالأشياء البسيطة المتوفرة للجميع.

تنفس الهواء النقي، مشهد ربيعي بديع، شرب الماء، الصحة السليمة، المأوى، الإفطار بالخبز والجبن، تتمثل السعادة لدي في توفر تلك الأمور. أرى أن ربط السعادة بالأشياء الفاخرة يفقد السعادة معناها، أما ربطها بالأمور البسيطة والاستمتاع بها يؤدي بالمرء إلى تقدير المعجزات عندما تحدث له، وتقيه من القلق المستمر بشأن عدم تحقيقه لقيمة كبيرة في الحياة، فالقيمة الحقيقية في الحياة نفسها.

التعاسة سهلة النضال

يرى الأبيقوريون ومن يؤمنون بأفكاري كما رأيت منذ آلاف السنوات، وهذه التقسيمة التي بصدد ترسيخها قائمة لديكم في الطب الحديث. إذ تقسمون الألم في الطب الحديث إلى حاد ومزمن، يكون الحاد أشد ولكنه لفترة زمنية قصيرة، فلا حاجة إلى القلق بشأنه. أما المزمن، فيستمر فترة أطول، ولكنه محتمل عن الحاد. فإذا كان الألم الشديد مؤقتًا والألم المزمن سهل التحمل، فلا حاجة للقلق بشأن كليهما. كما يقدّر المرء السعادة عندما تأتيه وسط المشقات، وهكذا فإن اللذة الحقة هي تلك التي تزيح الألم والقلق.

لا تبالغ في القلق من الحياة الآخرة

كان أبيقور ملحدًا، ولكن رسالته تصلح لينال الجميع درسًا وحكمة هامة. يدعو أبيقور إلى التخلص من الخوف من الغيب. يعتقد المؤمنون في إله عادل، فلا حاجة للقلق المفرط بشأن الحساب عندما يكون الإله رحيم وعادل، فالرحمة والعدل سيشملان الجميع. أما إذا كان المؤمن يخالف ما يعتقده، فلا حاجة للقلق، عليه أن يغير سلوكياته.

اقرأ أيضًا:  كتب تأخذك في رحلةٍ ممتعة إلى أرض الفلسفة من قبل أرسطو وحتى اليوم

الصديق قبل الطريق

بصفتي فيلسوفًا للسعادة، أي تلك الحالة من غياب الألم، سواءً كان عقليًا أو جسديًا، من تتوقع أن أفضّل من العلاقات البشرية؟ إن علاقة الحب والزواج تنطوي في مضمونها على عدة توقعات وتحديات أمام الطرفين، غالبًا ما تؤدي تلك التوقعات إلى تجفيف منابع العاطفة بينهما. كم من الرجال سمعت ينهر زوجته لأنها ترفض ممارسة الجنس معه تلك الليلة؟ وكم من النساء سمعت تصب على زوجها اللعنات لأنه ترك عمله المهين، ولم يوفر للعائلة قوت يوم أو يومين؟ تكثر تلك المُثل في الزيجات والعلاقات.

الأبيقورية

لا شك أن تلك الحالات المؤسفة تؤدي بالعقل للشتات وبالنفس إلى الألم وهذا بالضبط ما تحاول فلسفتي تخليص الإنسان منه. تُعتبر علاقة الصداقة علاقة مثلى كما أرى. لا يحكم الصديق على صديقه، أو على الأقل في الحالات المثالية، بل يعطي له مساحة الأمان اللازمة له ليعبر عن نفسه. لا يجادل الصديق صديقه، أو ينتظر منه توفير شيء ما وينقلب عليه إذا لم يتوفر هذا الشيء.

لقد اختلفت الأبيقورية عن غيرها من الفلسفات بالانصراف عن الحياة الأخلاقية للإنسان والاهتمام بحياته النفسية، فإن صح القول، اهتم أبيقور بالباطن لا الظاهر. لم يشجع أبيقور الانغماس في الملذات على عكس ما يشاع عنه، ولكنه شجع التخلص من الألم، عن طريق تقدير بساطة الحياة والتخلص من زخرفها، الاهتمام بالسعادة واللذة العقلية على حساب اللذة الجسدية، فهو الفيلسوف الذي ناقشت فلسفته المواضيع الفلسفية مع كل الناس بلا تمييز. كما رأى الصداقة علاقة ضرورية للحياة السعيدة، وغيابها من حياة الإنسان تعاسة وشقاء.

ما زال لدى أبيقور ما يقدمه لنا في هذا العالم، بعد مرور العديد من السنوات، في عصر انتشرت فيه الاعتلالات النفسية، وأصبحت الوحدة والتعاسة وجلسات علاج الاكتئاب أشكالًا اعتدناها دون معرفة السبيل للخروج من تلك الأزمة.

0

شاركنا رأيك حول "الفلسفة الأبيقورية: عندما تكون اللذة والسعادة في الخبز والجبن!"