الإعلانات التجارية
0

إن معظم مشاهدي التلفاز يعتبرون وقت الإعلان، استراحة بين الأشواط وفيها يقضون حاجاتهم بمعظم أشكالها، ويبقى التلفاز يحادث نفسه ويشرح للفراغ قيمة المُنتج الرائعة. وفي وقتنا هذا زاد عدد الإعلانات ومعظمها انتهج مبدأ التقليد فالإعلانات كلها متشابهة “إلا ما رحم ربي”.

نغم عزيزي المُنتج، فكِّر بالأمر مليًّا ولا تضيع أموالك وتضيع وقتنا على أمرٍ كهذا، إقرأ هذا المقال إذ سنتكلم فيه عن الإعلانات المميزة، وأتمنى أن تحذو حذو أصحابها في إنتاجها لإنني والمشاهدين مللنا تلك الإعلانات.

اقرأ أيضًا:  “اشربوا الماء”: عبارة سجل بها كريستيانو رونالدو هدفًا بأربعة مليارات دولار على كوكا كولا

كيف بدأت الإعلانات

زادت وتيرة الإعلانات بظهور الجرائد والتلفاز والإنترنت، ولكن لم تكن البداية هنا، فالإعلانات رافقت التجارة منذ ظهورها، حيث إن الترويج للبضائع من أساسيات أي عمل تجاري، وكان الإعلان اللفظي أول أشكال هذا الترويج، فالسوق سابقًا كان مضمار التنافس بين التجار في أسلوب الجذب المُختلف.

إليكم إحدى القصص من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، حيث يروي أن تاجرًا من الكوفة جلب معه خُمر متعددة الألوان إلى المدينة، وهناك بيعت كل الألوان وبقي اللون الأسود، لم ترغب به النساء. حاول التاجر بشتى السبل ولم يفلح ثمّ لجأ لصديقه الشاعر ربيعة بن عامر التميمي (المُلقب بمسكين الدارمي)، من أجل أن ينظم له أبيات تروِّج للخمار الأسود، وقال الدرامي كلمات قصيدته المشهورة التي انتشرت حينها كالنار في الهشيم وقدمت النسوة متلهِّفات لشراء ما قال عنه، وما زلنا ندندن هذا الأبيات إلى ويومنا هذا. تقول القصيدة:

قل للمليحة في الخمار الأسودِ  ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبدِ

قد كان شمّر للصلاة ثيابه  حتى وقفتِ له ببابِ المسجدِ

رُدّي عليه صيامه وصلاته    لا تفتنيه بحق دين محمدِ

من الكلمة المحكية للمكتوبة، التي كانت أيضًا من الأساليب المُتبعة في قديم الزمان، ويعود أول إعلان مكتوب للحضارة الفرعونية، فقد عُثِر على بردية كُتِبَت عام 3000 ق.م، وفيها كان يحاول مالك العبيد العثور على عبد فر من عنده، وسنقدم لكم ترجمة البردية:

هرب عبد من سيده الطيِّب Hapu the Weaver (حابو النساج)، يشارك جميع أهالي طيبة في البحث عنه، وهو من الحيثين ذو بشرة سمراء وعيون بنية وطول متوسط. ولكل خبر يُقدم عنه يحصل الشخص على نصف عملة ذهبية. كل هذا من أجل أن يعود للمتجر، وهو المكان الذي تُنسج فيه أفضل الأقمشة حسب كل الرغبات.

كما ترى، في العصر الفرعوني كان من الطبيعي أن تطلب المساعدة لأمرٍ ما وأن تعلن عن شيء آخر في نفس الوقت. وهذه كانت لمحة صغيرة فلن نُفصِّل بتاريخِ الإعلانات وإنما أردنا أن نستذكر البدايات، سننتقل الآن للفقرة التالية وهي الأهم.

اقرأ أيضًا: أن تبيعك حواسك الخمس للشركات التجارية: كيف يعمل التسويق الحسي على جذب العملاء؟

كيف تنجح الإعلانات؟

تنجح الإعلانات بالإبداع فقط لا غير، فالتكرار سهل ومريح، تستطيع جلب وجه جميل يشرح لنا منتجك، ولكن هل نجح الإعلان؟ لا الإعلان وصل إلى التلفاز ولكن لم يصل إلينا، من خلال الأمثلة التالية سنرى عظمة الفكرة:

مرسيدس

إذا أردنا التحدُث عن الإبداع فلن أجد أفضل من هذا الإعلان كي أبدأ به، يبدأ الإعلان بهروب طفل هو ودُميته من المنزل في متنصف الليل ويجتاز شوارع وساحات ويستقل المترو، ليصل بعدها إلى مركز الشرطة، وهناك يخبر الضابط المسؤول أنه تائه، تعابير الضابط المسؤول توحي بأنه يعرفه جيدًا ويخبره بأنها آخر مرة، وفي النهاية تبيَّن أن كل هذه اللفة من أجل أن يذهب بجولة عبر سيارة مرسيدس الجديدة.

فولكس فاجن

الفكرة الأساسية من الإعلانات هي عرض ميزات المُنتجات، ولكن شركة فولكس فاغن قامت بلفتة ظريفة، وفكرة الإعلان كالتالي، تدخل مجموعة من الأشخاص إلى صالة السينما لمشاهدة فيلم ما، ويبدأ العرض بشخص ما يقود مع مؤثرات صوتية وضوئية تجعل الحضور يشعرون وكأنهم يقودون من ثمّ تقوم الشركة بإرسال رسائل لجميع الحضور، الذين بدؤوا بالإمساك بأجهزتهم الخلوية بالتزامن مع قيام السائق بحادث، يا لها من فكرة.

دوف

لا يمكننا نسيان العام الماضي، وما مر به من أحداث أشهرها وباء كوفيد-19، ففي فترة الحجر العالمية، قامت بعض الشركات باستغلال ما يحدث للترويج والإعلان، وإن كان من باب التثقيف الصحي، وهنا نذكر شركة دوف، وإعلانها عن أهيمة غسل اليدين مع الطريقة الصحيحة.

جيليت

أن تحقق ما يُقارب 36 مليون مُشاهدة، ولكن مع مليون ونصف ديس لايك، هل نجح الإعلان أم ماذا؟ في إعلان لشركة جيليت لماكينات الحلاقة، قررت الشركة في إعلانها التلاعب في شعارها المعروف “أفضل ما يستحقه الرجال” والذي دام لثلاثة عقود إلى “أفضل ما يكونه الرجال” ولم تكن هذه المشكلة بل بمحتوى الإعلان.

رغم إن الإعلان حمل رسائل سياسية معارضة للتنمر والتحرش، إلا أنه لقى انتقادًا لاذعًا من قبل المستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث إن الشركة اتُهِمت بأن الإعلان معادي للذكور ويناصر الإناث، ووصلت الأمور للمطالبة بمقاطعة البضائع. رغم كل ما فات نعلم أن الإعلان أخذ ضجة كبيرة وكان حديث الناس لشهور، أفلا نستطيع أن نعتبره ناجحًا؟ أخبروني برأيكم.

شركة ألويز

بعيدًا عن عالم الرجال، نشرت شركة ألويز للفوط الصحية إعلانًا يحمل عنوان “LikeAGirl”، وأرادت الشركة عبر هذا الإعلان أن توضح أن عبارة مثل الفتاة لا تجب أن تحمل المعنى السلبي المعروف. في الحقيقة جميل ومميز ولاقى شهرة واسعة.

الإعلانات المصرية

من العالمية إلى الإعلانات العربية، لا بدّ أن نذكر الإعلانات المصرية، نظرًا لتميزها في هذا المجال، لا يمر شهر إلا ونرى إعلانًا جديدًا يدندنه معظم الناس في كل مكان، ويلعب المصريون على وتر الموسيقى والإيقاع، فالكلمات التي تُغنّى في الإعلان سهلة وبسيطة وبالتالي يحفظها المشاهد ويظل يرددها وصولًا إلى السوبرماركت لشراء المُنتج، سأذكر مثال أراه ناجحًا.

كيف تصنع إعلانًا ناجحًا

بعد أن شاهدت الأمثلة أعلاه، لابدّ أنك لاحظت التميُّز بالأفكار والبساطة بالإنتاج والتكاليف، لذا فإن الفكرة هي الأساس والأمور تتراكب لتصنع الشكل الجميل، سنقدم لك أهم النصائح:

  • القصة المميزة: ضربة الإعلان تكون هنا، فكلما كانت مُبتكرة أكثر انتشرت بشكلٍ أوسع، فالناس يبحثون دومًا عن الجديد.
  • ابحث عن الجديد وأحذر من الغريب: أخبرناك في أول بند عن أهمية الفكرة المُبتكرة، ولكن من المهم ألا تكون غريبة عن الناس، فكلما كان الإعلان عن شيء وحول فكرة مألوفة كلما زاد انتشاره.
  • العبارات: وهنا الكرزة التي توضع على قالب الكيك، فبعد أن تملأ الإعلان بالقصة المشوقة وتضيف لحنًا مميز، عليك أن تضفي كلمة أو عبارة تدخل مباشرةً لعقل المشاهد وتتشبث هناك دون حراك، وتدفع للتحرك مباشرًة بحثًا عن المُنتج.
  • انتبه للوقت: إن الانتباه للوقت أمرٌ مهم يجب الاعتناء به، ويُحبذ ألا يتجاوز الإعلان الدقيقة، أي بين الـ30 و60 ثانية، أولًا لكي لا يقترب الملل من المُشاهد وثانيًة من باب التوفير نظرًا لأن الوقت مُكلف للإعلانات.
  • التصوير والإضاءة والإخراج: حاول أن تنتقي فريق التصوير بعناية، أي اهتم بدقة الكاميرات وظروف الإضاءة، أخيرًا إخراج القصة بأفضل طريقة ممكنة. فإذا ارتاحت عين المشاهد ارتاح قلبه، خذها مني.
  • الموسيقى التصويرية: قد تغيب عن ذهنك، إلا أن دورها يفوق ما نتخيل بكثير. فالإيقاع الذي يرافق اللحن هو الذي تتشبث به ذاكرتنا ويجعلنا نكرر الكلمات صباحًا ومساءً، بالإضافة إلى نوع اللحن، هل يناسب فكرة الإعلان، سريع أو بطيء أو حزين أو غير ذلك.
  • أخيرًا التحرير: بعد أن يجهز الإعلان من كل الجوانب وينتهي كل فريق من مهمته، تبدأ مهمة فريق التحرير الذي يجب أن يكون مُسلَّحًا بأفضل البرامج لكي يُخرج الإعلان جاهزًا للنشر.

اقرأ أيضًا: تمس القلوب قبل الجيوب: إعلانات تجعلك ترى إنسانيتك فيها قبل أن ترى المنتج

0

شاركنا رأيك حول "تعلّم من الكبار كمرسيدس وفولكس فاجن: كيف تصنع إعلانًا تجاريًّا ناجحًا لا يُنسى"