روايات البطل الواحد
0

أفكر مرارًا قبل أن أبدأ في نسج كلمات هذا المقال الذي يتحدث عن أفضل روايات البطل الواحد التي اتخذت من شخص واحد حجر أساسها لسرد أعمق الحكايات.

يقولون بأنّ الإنسان في حدّ ذاته حكاية، وبأنّ لكلّ امرئ منّا قصة تستحق أن تروى على بساطتها، على عفويتها، على ابتذالها، يقولون بأنّ المرء فسيفساء من القصص المتشابكة، وبحر من القوافي التي تجعل منه منفردًا في قصيدة، وبطلًا في رواية.

فهل بوسعنا نحن تصديق ذلك؟ أقصد: ما الذي يحمّل أحدنا على قراءة تفاصيل إنسان واحد من بين أكثر من سبعة مليار شخص على هذه المعمورة؟ وأيّ خصوصية ستجعل منه صاحب الأدوار كلها: هو المشكلة والحل، هو الجلاد والقاضي، هو الصديق والعدو، والمقام والمقال؟

اقرأ أيضًا:

روايات البطل الواحد المرء كتابٌ من الأسرار

المرء كتاب مليء بالأسرار.

هذا ما يقوله الفيلسوف الألماني يعقوب بوهمه – Jakob Bohme، وهو السبب ذاته الذي يجعل من قراءة روايات البطل الواحد نوعًا من الواجب، كمحاولة فضولية في اكتشاف بعض الأسرار، وسبر دهاليز النفس الإنسانية التي لا تنقضي.

بين أيديكم هذه المرة قائمة لأفضل روايات البطل الواحد التي اتخذت من شخص واحد حجر أساسها، أوردها لكم من دون إطالة وبنفحة شعريةٍ وبشيء من قافية: أتزعمُ أنّك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ؟

رواية التحول: الخذلان لا ملة له

أفضل روايات البطل الواحد التي اتخذت من شخص واحد حجر أساسها لسرد أعمق الحكايات.

 

لا بأس ببداية قوية، بداية صادمة وسوداوية على ملة الكاتب التشيكي فرانز كافكا صاحب مذهب السوداوية في الأدب والذي يدمج فيه بين الواقعية والسريالية، ويصور عبر مجموعة من أمهر المؤلفات البعد النفسيّ العميق في الذات البشرية، والجانب المأساوي المثخن بالتناقضات وأزمات القلق والذنب والخذلان.

كافكا الذي لم يسلم حُبُّه من سوداويته كما لم يسلم أدبُه، فكتب بيأس مطلقٍ لحبيبته ميلينا:

تتوهّمين، فلن تستطيعي البقاءَ إِلَى جَانِبي مدّة يومين؛ أنا رخوٌ أزحَفُ على الأرض، أنا صامتٌ طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمّرٌ، أنانيٌّ وسوداويّ، هل ستتحملين حياة الرهينة كما أحياها؟ – من رسائل كافكا إلى ميلينا

وهو في روايته “التحول” كما عهدناه دائمًا: يضمّن فيها أحداثًا غريبة لغريبي أطوارٍ في ظروف غريبة، ويعجن كلّ ذلك بمهارة الكاتب الفذّ الغارق في الوحل ليأخذنا بعيدًا إلى مناطق الظّلام من حياة بطلٍ واحد اسمه: غريغور سامسا، يستيقظ ذات يوم ليجد نفسه قد تحول إلى مسخ أو الـ Die Verwandlung بالألمانية، ويعني كائنًا دنيئًا ووضيعًا.

يبدأ الأفراد حول هذا الأخير بالتقزّز منه والانسحاب عن محيطه شيئًا فشيئًا، ليجد نفسه وحيدًا يعاني من التّهميش والهوان وتأنيب الضمير، ويُقابل بالخذلان من العائلة، ومدير العمل، والمجتمع، ومن ذاتِه ومن الظروف التي وضعته في قالب لم يختره.

بلغة بسيطة سلسة، يجعلنا كافكا -كما في باقي رواياته، المحاكمة والقلعة- نمضي لحظات القراءة مع شخصٍ واحد محوريّ ونتجرّع معه مراحل النزول إلى القاع بكلّ تفاصيلها. روايةٌ متعبةٌ تجعلك تحسّ بالقلق، والذنب، والألم والتهميش. روايةٌ تخبرك بأنّ الخذلان لا ملة له!

رواية سدهارتا: رحلة البحث عن المعنى

أفضل روايات البطل الواحد التي اتخذت من شخص واحد حجر أساسها لسرد أعمق الحكايات.

دعوني أنقلكم بسلاسة من سوداوية رواية التحول إلى سحر الشرق الفاتن بكلّ زواياه:إلى الهند! البطل واحدٌ كالعادة، يصيغ أحداثه الروائي الألمانيّ هيرمان هسه – Hermann Hesse بأسلوب يكتسي صبغةً وجوديةً، ورحلةً في أعماق الفكر والرّوح سعيًا نحو الحقيقة. الرواية -على عكس سابقتها- محمّلةٌ بطابع المغزى من الوجود، وشيء من أملٍ، وخاتمة متوجة بالوصول.

سدهارتا، هذا الاسم الذي يعني “البالغ لهدفه” يحمله فتى من طائفة البرهميين الهندية، ليقرر في يوم من الأيام أن يخوض غمار التساؤل عن الحقيقة المطلقة، ويشق طريقه في البحث عن المعنى رغم أنف القبيلةِ، والمدينةِ وسلاسل العادات، ليلتحق بعدها بجماعة من النسّاك، ويتعرّض لاختباراتٍ عديدة تعزّز معرفته في كلّ خطوة، وتتاح له فرصة التعرف على بوذا المؤسّس لعقيدة البوذيين فيما بعد. يتعلّم سدهارتا الكثير في هذه الرحلة الرّوحيّة، الكثير عن الضعف البشريّ، والمغزى من الوجود، وجدوى تقبل الذات بكلّ عيوبها.

تدافع الرواية عن المعنى، وتضرب عرض الحائط كلّ محاولة في إفراغ الحياة من محتواها، الرواية تخبرك كذلك بطريقة أو بأخرى أن تغذي شغفك بالمعرفة، ألَّا تتبع القطيع.

مُعظم النّاسِ يا كَمَالا، يشبهون أوراقًا متساقطةً، أوراقًا ترفُّ وتلفُّ في مهبِّ الرّيح؛ فتهوي مترنحّةً إلى الأرض. لكن آخرون قليلون، يشبهون النجوم، يسيرون في مسارٍ ثابت، وفي ذواتهم، لهم ناموسُهم ومسارُهم. – رواية سدهارتا لهرمان هسه.

اقرأ أيضًا:

رواية الضوء الأزرق: الوجه الآخر للجنون

رواية الضوء الأزرق

أستغرق وقتًا طويلًا لأصيغ كلماتٍ تليق بمقام هذه الرواية، من أين أبدأ يا رفاق؟ سمّها روايةً، أو سمّها سيرةً ذاتيةً، أو تحفةً أدبية، أو حتى ضربًا من الجنون، سمّها ما شئتَ لأنّ الدّهشةَ ستعتريك حين قراءتها في كلّ الأحوال. الصفحاتُ هنا في رواية الضوء الأزرق مليئةٌ بالأسئلةِ التي ترقى إلى التعجيز، كما تنخفض نحو البديهية في الآن ذاته، في اللحظة ذاتها، في الدقيقة ذاتها.

هنا أيضًا مأساةُ وطنٍ، وشتاتُ شعبٍ يلقي بثقله في نَفَسٍ واحد: حسين البرغوثيّ، هذا الجريء، المجنون، المبدع الذي عرف جيّدًا كيف يعرّي عن جروحه في سطور تبثّ تفاصيل طفل فلسطينيّ عانى من كل شيء، فهاجر إلى بيروت ثمّ بودابست ليستأنف دراسته، أين تبدأ رحلته العميقة داخل نفسه بعد لقائه مع صوفيٍّ تركيّ.

حسين هذا العاديُّ جدًّا، الذي أجاد كيف ينقل لنا الحسينيْن، حسين العاقل، وحسين المجنون والذي نجح في أن يلوّن الرواية كلّها بطلاء عنوانه، بالأزرق: بالبحر، ومناطق العزلة، وزوايا الهدوء، والموسيقى، ودرجات الجنون.

“أنا إنسانٌ بسيطٌ جدًّا يُساءُ دائمًا فهمه”، المشتَّتُ جِدًّا: ” هُناكَ نوعٌ من النَّاسِ مثلي، لا يمكنه حسمَ حياتِه… وقدَرُهُ أن يبقى مشتّتًا كالندى فوق العشب بدل أن تتوحّد كلّ قطراتِه لتكون جدولًا أو نهرًا”.

الرواية محراب صوفيّ عاشقٍ، وحلبةُ صراعٍ شاقٍ للمرء مع أشباحِ نفسه، وهاهو ذا شاعرنا المنفيّ، شاعر الجرح الفلسطينيّ محمود درويش، يحثّك على قراءتها فيقول عنها:

إنه كتاب فريدٌ من نوعه في الكتابة العربية، ولعلّه أجمل إنجازاتِ النّثر في الأدب الفلسطينيّ.

رواية قطاراتٌ تحت الحراسة المشدّدة: تجلّياتُ الموت في محطة القطار

رواية قطاراتٌ تحت الحراسة المشدّدة

تجري أحداث رواية قطاراتٌ تحت الحراسة المشدّدة كلّها في محطة القطار، بالعاصمة التشيكية براغ. الإطار مكانيّ بحت، لكنّه كذلك قائمٌ على أحادية البطل. صاحبنا هذه المرة هو ميلوش، متدرب في محطة القطارات، وصاحب عقدة من عجز جنسيّ أصابه. يستهل الكاتب التشيكيّ البارع بوهوميل هرابال – Bohumil Hrabal الرواية بهيبة الخواتيم، بمشهد إسقاط طائرة ألمانيةٍ من طرف أخرى تابعةٍ للعدوّ في سنة 1945 لتنذر بالنهاية الوشيكة للنازية.

بوهوميل لا يخبرنا الكثير عن حياة البطل ولا عن تفاصيله، لكنّه يجعلنا بالمقابل ننظر إلى الحياة وفق رؤيته، ونعيشها بمنظوره، ووفق تساؤلاته. هذه الأخيرة النابعة من عقدة ميلوش الجنسية، والمقولبة كذلك وفق الأحداث المحيطة به. محطةُ القطار تلك، كانت منصَّةً توثيقيةً لأحداث الحرب أيضًا: يُدخلنا ميلوش في متاهات المغزى من الحرب، آلام الأمهات، شوق الحبيباتِ، ويمرّرنا بسلاسة على فكرة الموتِ، ووحشية الحرب، وآهات المنتظرين.

الروايةُ طرزٌ مونولوجيٌّ للأحداث، مع شظايا متفرّقةٍ من مفاهيم الحياة، والرجولة، والحبّ، والطائرات والحرب، والخسارة، والندم.

حِينَ بدأتُ أتلاشى عن نفسي، أبقيتُ يدي في يد هذا الميّت أردّدُ عليه: ماكان عليكم سوى أن تمكُثوا جالسينَ على أقفيتكم في بيوتكم. – رواية قطارات تحت الحراسة المشددة لبوهوميل هارابال.

بهذه الترشيحات الأربع، نكون قد وصلنا إلى ختام مقالنا: لعلّك ستقرأ إحدى هذه الترشيحات، أو كلّها، أو لعلّك لن تقرأ منها شيئًا، في كل الأحوال تذكّر دومًا أنّك بطلُ حكايتك الخاصة، مهما بدت لك غير جديرةٍ بأن تُروى.

اقرأ أيضًا:

0

شاركنا رأيك حول "نسيجٌ من أعمق الحكايات والبطلُ واحد: رواياتٌ اتّخذت من شخص واحد حجر أساسها"