الحرب السورية
0

لو حاولنا نمذجة الكارثة السورية بعقل بارد، لوجدنا أن المعادلة السورية معادلة “صفرية”، “ملايين” تكره “ملايين”.. “ملايين” تهدد “ملايين”!! ويتوعدون بعضهم بالقتل وخصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي والتي أصبحت مرآة لقبح المشهد و إيلامه!

سؤال ملغوم!

حتى قبل الحرب التي اندلعت شرارتها في آذار 2011، كان هذا السؤال شائعًا جدًا عندما يقابلك “أخوك في الوطن” كما هو مفترض، فبعد التحية يسألك مباشرةً: “من أين أنت؟” وهذا السؤال لا ينطوي على فضول وود غالبًا، وإنما هو محاولة لتصنيفك مناطقيًّا، إنه بهذا السؤال يريد أن يكتشف من اسم مدينتك أو قريتك انتماءك أو توجهك الديني! فإذا كنت من منطقته أو تتقاسمان نفس التوجه، تنفرج أساريره ويدق الكف بالكف قائلًا: “هلا ابن العم”، وإن لم تكن كذلك يقول لك ببرود: “تشرفنا”!!!

اللا إنتماء.. حل مؤقت

في هذه الأجواء العجيبة، كيف لمثقف غير منتمٍ، يحب الوطن كوطن، يحب هواءه، ماءه .. سماءه وترابه، كيف له أن يحيى ويتعامل مع الآخرين بمحبة؟

نحن لم يعد لدينا فقط معارضة للنظام، بل معارضة للمعارضة! وكما في العلوم السياسية تصنف هذه الفئة على أنها الكفة المرجحة في أي انتخابات ويطلقون عليها تسمية “الأصوات الطافية”، نقول هنا أن هذه الفئة تحمل من الجماليات الفكرية الكثير الكثير ونعول عليها في بناء وطن اختلط لحمه بدمه بعظامه ولا بد له من الإسعاف السريع.

سوريا الحرب

أن تكون رماديًّا في حربٍ أهلية .. وتأخذ وضع المزهرية🙄

هذا هو حال المثقفين اللامنتمين في هذا الواقع الجهنمي، ولا نستطيع لومهم أبدًا، فمنذ عقود كتب الراحل نزار قباني في قصيدته الدمشقية الشهيرة:

وكيف نكتب والأقفال في فمنا.. وكل ثانية يأتيك سفاح

وهي بالمناسبة أغنية أبدعت في أدائها الفنانة أصالة نصري، بغض النظر هنا عن رأيها السياسي، فنحن نتحدث في إطار الفن الذي يلامس واقعنا السياسي ولو بلطف مبالغ فيه!!

وإذا أطلينا على المشهد من الأعلى قليلًا كي نرى كل الجوانب، نجد المجاعة تلتف على الأعناق كالأفعى السامة، فلم يعد مدهشًا أن نرى الاطفال يبحثون في المزابل عن ما يمكن أكله أو بيعه وربما يحالفهم حظ سعيد أو ربما حظ آخر!

اقرأ أيضًا: لا شيء يضاهي وحشية الكائن البشري: مراجعة فيلم ديزني الجديد “Luca”

مَن يمشي على الحبل . . لا ينظر إلى الأسفل 🙃

هذا هو حال السوريين في الداخل، وربما نزيدكم من الشعر بيتًا:

( لا تخافوا من الموت .. فالخوف كل الخوف من الحياة، هي حكمة من ماتوا بسلام، نظنهم من الماضي، فيبتسمون دون أن يتكلموا)

الحصار الاقتصادي الرهيب الذي يرزح تحته السوريون مع أنه في بداياته ولكنه لا يُطاق! الناس تبيع مدخراتها لتؤمن مستلزمات العيش، ومع الوقت سوف تنفذ هذه المدخرات ونجد الناس هائمة تسأل كيف السبيل إلى تأمين مستلزمات الحياة! فمتى تبتسم الدنيا لهؤلاء البؤساء ونحن منهم؟

السؤال الأهم هو عن دور وسائل الإعلام التي تكلف المليارات ثم تصل مجانًا لهؤلاء البؤساء! هي ليست منحة ولا منة من أحد، بل هؤلاء هم اللاعبون بالعقول والدماء وهنا أيضًا نتفق أن الكارثة تبدأ بكلمة!

يقول سيغموند فرويد أن الحضارة بدأت عندما ألقى الإنسان لأول مرة “كلمة” بدل الحجر!

و نحن لا نستخف بتأثير الكلمة في عصرنا الراهن ولا في العصور القديمة، ويبقى الأمل هو أن نبلسم الجراح ونتخذ من المحبة سبيلًا للخلاص، فلا الأموال التي قد تتدفق على سوريا ولا اللجنة الدستورية و لا أي نوع من الإصلاح السياسي سوف ينفع بدون أن ننقذ المحبة، لأن المحبة في الوحل و هي تنادينا، فلنستجب لها، والأوطان لا تبنى بدون المحبة، كما أن مفهوم الوطن مهما حاولنا التنظير ثقافيًّا له يبقى مفهومًا عاطفيًا وهذا يقودنا إلى المحبة بدون شك ..

والكل أي الكل ينتظر الحل ولكن الحل يبدأ فينا وبنا، لا أن نكون كما يصور الكاتب التركي الشهير عزيز نيسن الشعوب الشرقية بأنها تملك عقلية واحدة وهي تتجلى بالقول: أوووه .. لنرى ماذا سيحدث! أو كما يقول بحرقة أمير الشعراء أحمد شوقي عنا الشعب العربي: إنه شعب ببغاء .. عقله في أذنيه!

هل سنشم الياسمين الدمشقي قريبًا؟

ماذا لو لاحت الحلول في الأفق؟ ماذا لو أمطرت؟

في الماضي كان يوحدنا مسلسل مكسيكي، فيتوقف السير وتخلو الشوارع من المارة! اليوم.. نعم اليوم، ماذا يوحدنا؟ لا زلت جالسًا في حضرة العراف ولا نرى شيئًا في بلورته السحرية.. لا شي!

بارقة أمل لا زلنا نتمسك بها وهي أن ثروات سوريا المكتشفة حديثًا كما أنها جاءت “نقمة” علينا فقد تكون أيضًا “نعمة.

يقول البروفيسور عماد فوزي شعيبي أن سوريا تمتلك ثروات هائلة وخصوصًا الغاز المكتشف حديثًا على ساحل المتوسط، وأنه بدون سلام في سوريا والمنطقة لا يمكن لعملية الاستثمار أن تتم، ومن هنا نجد بارقة أمل وتفاءلوا بالخير تجدوه!

حتى لو كانت ثروات سوريا اليوم بيد جيوش أجنبية، فلا بد من عملية سلام واستقرار حتى تتاح الفرصة للاستثمار، ومن نكد الدنيا أن نتمنى الاستقرار حتى ولو على حساب ثرواتنا الوطنية المنهوبة!

من ناحية أخرى، لا شك أن الحرب تقلب المجتمعات رأسًا على عقب، وتنشأ إزاءها علاقات اقتصادية تندرج تحت مسمى “اقتصاد الحرب”، ومن ألف باء السياسة أن الاقتصاد يصنع العلاقات الاجتماعية ويصيغها بتقلباته المريرة أحيانًا وأحيان، فكيف أصبحت العلاقات الإنسانية والزواج في ظل الحرب؟

كل شيء مباح في الحب والحرب كما يقول المثل الشهير

تطورت العلاقات الاجتماعية بطريقة تتماشى مع الظروف المعيشية الصعبة، فأصبح الرجل الذي يريد الزواج لا يملك ثمن الذهب أو “المهر” كما يسمى عندنا، كما وازدهرت بوضوح ظواهر أخرى في المجتمع السوري كبديل عن الزواج، ولا نستطيع لوم أحد لأن البدائل للأسف ليست متاحة بسبب الفقر الشديد والانهيار المتسارع للاقتصاد!

ضوء في آخر النفق

السوريون أينما ذهبوا، أبدعوا! وكل فترة نقرأ في الصحافة الغربية والألمانية خصوصًا عن نجاحات مبهرة للطلاب السوريين وأحيانًا تفوقهم على الطلاب الألمان في المدارس العليا والجامعات.

إن أجمل ما في السوريين، صفة راسخة وبقيت صامدة رغم عشر سنوات من الحرب والدمار والتهجير، ألا وهي الإصرار على متابعة التعليم رغم التكاليف الباهظة للدروس الخاصة، إن الجيل الجديد مع أنه “جيل حرب” إلا أنه شغوف وتوّاق للعلم والوصول إلى الكليات العلمية والأدبية في الجامعات السورية، عدا عن الأحلام في الابتعاث إلى الخارج و إتمام الدراسات العليا، وهكذا جيل يستحق الحياة بجدارة وننحني أمامه ونتعاطف معه لما لاقاه من ألم وفقر ولا يزال ….

اقرأ أيضًا: كتاب المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية لهنري لامنس: سوريا تاريخيًّا وبأعين الجغرافيين العرب

0

شاركنا رأيك حول "ماذا حصدنا بعد عشر سنوات من الحرب السورية؟ الواقع بين اليأس والأمل"