اقتباس عن جملة يمكنني اصلاحة
0

أستطيع إصلاحه- i can fix him، لعلها من أشهر الجمل بين الشباب رواد مواقع التواصل الاجتماعي سواء بشكل جاد أو ساخر. ويتم إطلاقها على العلاقات التي يعتقد بها أحد الأطراف أنه قادر على إصلاح حياة الطرف الآخر وانتشاله من الهوة التي يعيش بها. لتصل الميمز الساخرة لتكون هي الأشهر تقريبًا حاليًا على مواقع التواصل الاجتماعي تويتر وفيسبوك. لكن، هل تستطيع بموجب قوة الحب تغيير وإصلاح الآخرين؟

في هذه الحالة فقط يمكنك إصلاح الآخر: أن تكون المعالج النفسي الخاص به

نعم عزيزي القارئ، إن كنت معالجًا نفسيًّا معتمدًا وممارسًا لمهنة العلاج النفسي يمكنك مساعدة الآخرين على إصلاح أنفسهم، ليس إصلاحهم، ولكن مساعدتهم على الاستبصار بمشاكلهم وجذورها وكذلك مساعدتهم على الاهتداء لحل تلك المشاكل. فحتى لو كنت معالجًا نفسيًّا كل مهمتك تتوقف عند مساندة المريض وهو يقوم بحل مشاكله.

أما إن كنت شخصًا عاديًّا، في علاقة حب أو صداقة أو عمل مع شخص آخر فمحاولاتك لإصلاح الآخرين ما هي إلا محاولات متكررة من الأذى أولًا لنفسك وثانيًا لمن تساعده، أو من افتراض أنك تحاول مساعدته. لأنه من قال في الأساس أن مهمتك هي إصلاح الآخرين؟ أم أنك ترى أنها مهتمك حقا!

اقرأ أيضًا: إعادة صياغة أنماط التفكير السلبي: لأن عواطفك تتبع أفكارك تمامًا كما يتبع البط الصغير أمه

عقدة المخلص: لا تستهلك نفسك كثيرًا في سبيل الحصول على الحب

تعرف عقدة المخلص – savior complex على أنها:

“بنية نفسية تجعل الشخص يشعر بالحاجة إلى إنقاذ الآخرين، وهذا الشخص لديه ميل قوي للبحث عن الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة للمساعدة”

وبالرغم من أنها ليست عقدة رسمية في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس dsm 5 الذي يعد المرجع الأساسي لتشخيص الأمراض والاضطرابات النفسية، إلا أنها حالة منتشرة بشده وهناك الكثير من الأبحاث العلمية التي اختصت بمن يعانون من هذه العقدة.

عقدة المخلص

يرجع ذلك إلى الحاجة الملحة التي تحرك هؤلاء الأفراد لإنقاذ الآخرين وتقديم يد العون والمساعدة دائمًا وبشكلٍ مؤذٍ لأنفسهم في المقام الأول وللطرف الآخر أحيانًا كثيرة، بل يصل الأمر إلى أنهم يبحثون عن هؤلاء الأشخاص الذين يحتاجون المساعدة والإنقاذ بشكل دائم حتى يكون محيطهم في كل العلاقات الاجتماعية مؤلف من أشخاص معتمدين عليهم نفسيًّا بشكلٍ أساسي وأحيانًا كثيرة ماديًّا وجسديًّا.

“لست أما لأحد”

هل لاحظت من قبل فتاة شابة تطلق على الجميع “ابني” و “بنتي” حتى لو كان هذا الشخص أكبر منها، ومع ذلك تعتبر نفسها أمًّا للجميع لأنها داخليًّا تشعر أن الآخرين، كل الأفراد في محيطها هم مسؤوليتها الكاملة. فتجدها تعطف على هذا وتعطيه من وقتها الكثير وتهتم بمشاكله وكأنها مشاكلها الشخصية، وتهتم بكل الأمور الخاصة بصديقتها سواء المادية أو الدراسية مثلًا وكأنها تتطوع أن تحمل أثقال العالم كله بمفردها.

وبقدر ما قد تبدو تلك الأمور هي حب للخير والمساعدة وأمور إنسانية للغاية- وهي في الحقيقة أمور إنسانية- إلا أنها تحمل بداخلها قدرًا كبيرًا من عقدة المخلص، التي هي في الأساس محاولة للحصول على الحب من الآخرين، بل الحصول على الآخرين أنفسهم!

يعتقد المصاب بعقدة المخلص أنه من خلال إغداق الحب على الآخرين سيحصل على أضعاف هذا الحب أو على أقل تقدير قدر مساوٍ له، وعادة ما يكون هذا الشخص تربى على الحب المشروط فتجد طفولته مليئة بـ “اشرب اللبن علشان احبك”.

يكبر، وفي لا شعوره بشكلٍ أساسي أنه لن يكون قادرًا على الحصول على الحب إلا من خلال قيامه ببعض الأمور، حصوله على الحب مرتبط بكونه شخصًا جيدًا. لذلك، ومن خلال مساعدته الدائمة للآخرين يعتقد أنه سيكون شخصًا جيدًا، وبالتالي سيحصل على الحب.

في النهاية، لن تحصل على الحب المرجو للأسف

“كلما أغدقت، لن يستطيع الآخر المقاومة، فلا يبتعد عنك.. كلما كانت الخيوط كلها في يدك، كلما كان الآخر لك وحدك..”

ما يحدث في الواقع، أن إغداق الحب على الآخرين، وبالأخص الأشخاص ذوي الاضطرابات الشخصية مثل النرجسية والبارانويا والسيكوباتية لن يكون مردوده هو الحب، بل الأذى! لأن هذه الأنماط من الشخصيات- التي في العادة هي من تحتاج للإنقاذ- الحب لن يجعلها شخصًا أفضل، بل هي تتغذى على هذا الحب حتى تشبع حاجاتها النفسية غير السوية. فكلما أغدقت الحب على هذا الشخص، كلما استغلك في الحصول على كم أكبر من الحب، كلما تفنن في أذيتك.

تعتقد الشخصية المخلصة أن إغداق الحب على الآخرين سيجعلها تتحكم بهم بناء على أنها منبع الحنان والمساعدة في حياتهم. لتكون المحصلة النهائية هي علاقة سامة من الطرفين، الطرف المخلص يغدق الحب بغرض التحكم والسيطرة والطرف “المتخلص” يستفيد من هذا الحب ويدخل صاحبه في حالة دائمة من الاستغلال لتكون في النهاية العلاقة دائرة مغلقة من الاضطراب التي يمكن بكل سهولة إطلاق عليها “علاقة سامة toxic relationship”.

وعن التحليل النفسي، يرى أن الفرد وبالأخص في العلاقات العاطفية ينجذب لشخص ما بناء على رغبات لا شعورية مكبوتة من الصعب التصريح بها. فمثلًا، نجد فتاة تتحدث دائمًا عن فارس أحلامها النبيل الشهم قويم السلوك، وفي نفس الوقت تنجذب في كل علاقاتها العاطفية للشخصية النقيض تمامًا لذلك فيكون وغدًا، مدمنًا وسكيرًا ومع ذلك تعشقه بجنون.

الحقيقة أن من يتحدث هنا هو الرغبات اللاشعورية، فهي لديها صورة مطبوعة عن الذكر وفي الأغلب تتكون بناء على الرجل الأول في حياتها وهو الأب أثناء مرحلة أوديب/ إلكترا وتبحث على أكثر شخصية تطابق هذه الصورة. كذلك في الأغلب المصابين بعقدة المخلص يعانوا دائمًا من مشاكل متعلقة بالهجران والخيانة وسوء الاستغلال، والحل الوحيد لكي لا يتعرضوا لهذه الأمور مرة ثانية ببساطة هو التوقف عن إغداق الحب بلا حساب.

غريزة الأمومة والعلاقات العاطفية، إحذر خطر!

“لو قالك يا ماما خلي بالك لأنه محتاج يقول لحد يا حبيبتي”

في أحيان كثيرة، تتحرك غريزة الأمومة عند الشابات غير المنجبات لتحقيقها مع أزواجهن، فتكون الحبيبة/ الزوجة تقوم بنفس مهام الأم، وفي بعض الأحيان يناديها زوجها بـ”ماما”. وهذا عجيب! لقد خلق الله لكل مكانة شخص واحد فقط، الأم تكون أمًّا فقط، الأب كذلك، الزوجة والحبيبة هي شريكة الحياة ورفيقة الدرب وليست شخصًا بالغًا مسؤولًا عن طفل يلبي كل رغباته العاطفية المتعلقة بحنان الأمومة المحروم منه. وتذكري عزيزتي أن اختلاط المهام والمسميات في العلاقات الإنسانية والعاطفية يجعلها علاقات سامة، كذلك تذكري جيدا أنكِ لست أمًّا لأحد!

اقرأ أيضًا: سمٌ بلا عسل: هل يستلزم الحب أن نتقبَّل أذى الآخر؟

0

شاركنا رأيك حول "لا تبذل نفسك على مذابح الآخرين: انصحهم بطبيب نفسي وتخلص من عقدة المخلص"