الفيضانات في أوروبا
0

شهدت بعض الدول الأوروبية ومنها ألمانيا وبلجيكا وهولندا فيضانات وسيول تسببت في موت العشرات وفقدان المئات من الأشخاص، كما قامت السلطات المحلية في الأماكن التي حدثت فيها الفيضانات بإجلاء آلاف المواطنين من منازلهم.

وقد نشرت وسائل الإعلام صورًا ومقاطع لهذه الفيضانات تظهر حجم الكارثة، وكيف أدت إلى تهدم المنازل وجرف السيارات واقتلاع الأشجار، كما انتشرت مقاطع فيديو تظهر العشرات من المواطنين العالقين على أسطح المنازل والأبنية، وكيف أن السلطات لجأت إلى استخدام الطائرات المروحية لإجلائهم.

الفيضانات في أوروبا
لجأت السلطات المحلية في ألمانيا إلى استخدام الطائرات المروحية لإجلاء المواطنين العالقين في منازلهم

تم تأكيد مقتل أكثر من 100 شخص في ألمانيا وحدها، ومن المرجح أن يزداد هذا العدد بسبب العدد الكبير من المفقودين.

المناطق الأكثر تضررًا حتى الآن هي ولايتي راينلاند بالاتينات وشمال الراين وستفاليا الألمانيتين، وكذلك المنطقة الناطقة باللغة الفرنسية في بلجيكا، بالإضافة إلى بعض أجزاء هولندا وسويسرا.

في ولاية شمال الراين وستفاليا الألمانية، والتي تعتبر من الولايات الألمانية الأكثر كثافة سكانية، تأثرت 23 بلدة ومدينة بالفيضانات بشكلٍ كبير بما في ذلك مدينتي كولونيا ودوسلدورف.

اقرأ أيضًا: الصور المؤثرة والمعبرة من 2020: عامٌ لا يُنسى بصور تُخلد الفقد والوحدة والكوارث…. والأمل💖💔

هل شهدت أوروبا في الماضي فيضانات كهذه؟

نعم، تحدث الفيضانات المدمرة في أوروبا كثيرًا، وخلال العقدين السابقين، حدثت فيضانات مدمرة كهذه في أعوام 2002 و 2005 و 2013، وأدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح وأضرار مادية تقدر قيمتها بمليارات اليوروات.

اقرأ أيضًا: أقوى الكوارث الطبيعية المتوقع حدوثها في المستقبل القريب !

كيف حدثت الفيضانات في أوروبا؟

نتجت الفيضانات عن عاصفة مطرية أصابت أجزاء القارة الأوروبية منذ الأربعاء، أدت هذه العاصفة إلى هطول الأمطار بغزارة قبل أن تبدأ بالانحسار اعتبارًا من يوم الجمعة. هذه العاصفة كانت شديدة، حيث شهدت بعض المناطق هطولات مطرية غزيرة جدًا لم تشهدها منذ فترة طويلة.

في تعليقها على ما حدث، قالت المستشارة أنجيلا ميركل يوم الخميس إن الأحوال الجوية السيئة أصبحت أكثر تواترًا مما يستدعي منا اتخاذ المزيد من الإجراءات للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

فما مدى تأثير التغير المناخي على هذه العاصفة التي ضربت أوروبا والفيضانات الناجمة عنها؟ وهل سيؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى مزيد من هذه العواصف؟

منذ القرن التاسع عشر، ارتفعت الحرارة على كوكب الأرض حوالي درجة مئوية واحدة (حوالي درجتين فهرنهايت)، وذلك لأن البشر أصبحوا يطلقون كميات كبيرة من الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.

يقول العلماء أن الهواء الأكثر دفئًا يحتفظ بمزيد من الرطوبة، ورطوبة الهواء الزائدة تؤدي لزيادة احتمال حدوث العواصف المترافقة مع أمطار غزيرة، ما يعني أن ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر التي تشهدها بعض مناطق العالم ستؤدي إلى مزيد من العواصف والأحوال الجوية السيئة.

فكلما ارتفعت درجة حرارة الهواء درجة مئوية واحدة، تزداد الرطوبة بنسبة 7 في المائة تقريبًا، هذه الزيادة مرتبطة بشكلٍ مباشر مع الأحوال الجوية السيئة كتلك التي شهدتها أوروبا خلال الأيام الماضية.

زيادة الرطوبة بسبب ارتفاع درجة حرارة الهواء ليست السبب الوحيد، فظاهرة الاحتباس الحراري تسبب زيادة الحرارة في القطب الشمالي، وهذا يؤدي إلى تقليل الفرق في درجات الحرارة بين الأجزاء الشمالية والجنوبية من نصف الكرة الشمالي. ما يجعل تيارات الهواء تتحرك بشكلٍ أبطأ. فتتحرك العواصف بشكل أبطأ أيضًا. كما حصل مع العاصفة التي ضربت أوروبا، والتي كانت شبه ثابتة والأمطار الغزيرة هطلت على بعض المناطق لعدة أيام دون توقف.

هناك سبب آخر يجعل العلماء يربطون فيضانات أوروبا بظاهرة تغير المناخ، فقد حدثت بالترافق مع عدد من الظواهر الأخرى التي تتأثر بتغير المناخ أيضًا، مثل موجة الحر التي ضربت أوروبا وكندا، والفيضانات في نيويورك ولندن، وحرائق الغابات في سيبيريا وأماكن أخرى من العالم.

الفيضانات في أوروبا
حرائق الغابات في سيبيريا

ما يزال العلماء وخبراء الأرصاد الجوية يدرسون العاصفة المطرية التي ضربت أوروبا وتسببت في الفيضانات المدمرة، وليس هناك دليل يؤكد على أنها حدثت بفعل تغير المناخ، لكن المؤكد هو أن ارتفاع درجات الحرارة بسبب الاحتباس الحراري قد جعل العاصفة أكثر قوة وتدميرًا والأمطار أكثر غزارة. وحتى العلماء الذين كانوا في الماضي مترددين في ربط أي طقس سيء ومتطرف بتغير المناخ، صرحوا بوضوح أن تغير المناخ ربما لعب دورًا في حدوث فيضانات أوروبا.

لماذا لم يتم تحذير السكان قبل الفيضانات؟

تفاعل الكثير من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي مع الصور ومقاطع الفيديو التي نشرتها وسائل الإعلام، كانت أغلب التعليقات متعاطفة مع الأشخاص الذين تضرروا، وبعض التعليقات تحدثت عن فشل السلطات في التنبؤ بالكارثة وتحذير السكان وإنقاذهم. خاصةً أن تلك الدول متقدمة وتملك تكنولوجيا متطورة.

في الحقيقة، أصدرت هيئة الأرصاد الألمانية عدة تحذيراتٍ منذ يوم الاثنين، أي قبل ثلاثة أيام من حدوث الكارثة. ولأن التحذيرات كانت عديدة، يبدو أن المشكلة ليست في التحذيرات، بل في صيغة هذه التحذيرات ونشرها وفي استجابة السكان والسلطات المحلية لها.

على سبيل المثال، حين تقول هيئة الأرصاد “إن المنطقة ستشهد 200 ملم من الأمطار”، فإن كثير من السكان والمسؤولين المحليين لا يعلمون أن 200 ملم هي كمية كبيرة قد تسبب فيضانات، يجب أن تكون صيغة التحذير أكثر وضوحًا، كأن تقول هيئة الأرصاد “إن المنطقة ستشهد 200 ملم من الأمطار، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى المياه وفيضانات وتلف الممتلكات وخطر على حياة السكان”.

يجب علينا أيضًا أن نأخذ تأثير تغير المناخ بعين الاعتبار، وأن نتوقع أن تكون العواصف والتغيرات في الطقس التي تحذر منها هيئات الأرصاد أسوأ وأكثر تطرفًا، ففي ألمانيا، لم يتوقع المسؤولون عن إنقاذ السكان حدوث الكارثة بهذا الشكل، فقد قالت تانيا كروك، وهي رئيسة الخدمة التطوعية في الصليب الأحمر الألماني بولاية شمال الراين – وستفاليا: “حدثت الكارثة بسرعة كبيرة، ولم أشهد أبدًا وضعًا طارئًا تطور بهذه السرعة، ففي عام 2002، حدثت فيضانات في شرق ألمانيا، لكنها أثرت على منطقة واحدة وتطورت ببطء”.

على كل المسؤولين المعنيين في الدول العربية أن ينظروا لما حدث في أوروبا بمسؤولية، وأن يتخذوا الإجراءات الضرورية لمنع حدوث مثل هذه الكارثة في بلدانهم، خاصةً أننا نفتقر للبنية التحتية والقدرات التي تملكها الدول الأوربية، علينا أن ننشئ نظامًا للإنذار المبكر من أجل تحذير السكان والسلطات المحلية قبل حدوث أي كارثة، وأن نستخدم صيغة تحذير واضحة يفهمها الجميع، ونزيد الدعم المالي المقدم للمؤسسات المعنية بإنقاذ السكان وإجلائهم، فالأحول الجوية السيئة ستزداد طالما أن البشر يحرقون الوقود الأحفوري ويطلقون المزيد من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

اقرأ أيضًا: ثلاث روايات حول نجاة الجنس البشري من الكوارث، اقرأها بتمعن!

0

شاركنا رأيك حول "الفيضانات في أوروبا: أصابع الاتهام تشير إلى تغير المناخ وتدق ناقوس الخطر للعالم أجمع"