الصندوق السيادي
0

تسعى كل دولة للمحافظة على ثرواتها بل وزيادتها إن أمكن، فتلك الثروة هي ملجؤها في أوقات الأزمات. ومن وسائل تحقيق الدولة ذلك إنشاؤها لما يسمى بالصناديق السيادية، وهي كغيرها من صناديق الاستثمار الأخرى ولكن تعتبر محافظ سيادية تحكمها كيانات تعمل على ضم كل الثروات والاحتياطات التي تملكها الدولة بما في ذلك عقارات، أسهم، أراضي وغيرها، والعمل على استثمارها بشكل مناسب. وتعمل الدول التي تمتلك صناديق سيادية على ضمان عدم المخاطرة الكبيرة في أثناء استثمارها لتلك الأصول لأنها أساس ثروتها.

وفكرة الصناديق السيادية ليست حصرية على منطقة بعينها بل تمتلكها دول عدة مثل الصين، سنغافورة، الإمارات، مصر، روسيا والنرويج. ويعتبر الصندوق السيادي النرويجي أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، حيث وصلت القيمة السوقية له في عام 2020 إلى تريليون ومائة وخمسة وسبعون مليار دولار. ونقدم لك في ذلك المقال جولة في أحد أهم الكيانات الاقتصادية في العالم.

اقرأ أيضًا: نصائح ودروس في الاستثمار من رائد الأعمال آشتون كوتشر

بداية فكرة إنشاء الصندوق السيادي

اكتشاف البترول هو الشرارة الأولى

بدأت فكرة إنشاء “صندوق الحكومة التقاعدي العالمي”، وهو الاسم الرسمي لصندوق النرويج السيادي، في العام 1990، عندما مرر البرلمان النرويجي “ستورتينجت” (Stortinget)، قانون إنشاء صندوق من خلاله يتم استثمار ما تحقق من ربح هائل جراء اكتشاف النرويج للبترول. ففي ستينات القرن المنصرم، وجدت النرويج نفسها أمام منجم من الذهب، ذلك باكتشافها حقًلا هائلًا من البترول في بحر الشمال، ولم يكن هذا الخبر السار إلا بداية لمغامرة شديدة الثراء بين البترول والنرويج.

وكان المحرك الرئيسي الذي كان وراء تصميم مثل هذا الصندوق، هو محاولة الحكومة النرويجية تفادي تقلبات سوق النفط، والتي ستظل خطرًا على مجمل الأرباح المتدفقة للنرويج إذا ما اعتمدت فقط عليه. وبالرغم من تشكيل عوائد النفط لأقل من نصف قيمة الصندوق، إلا أنه يتم استثمار جزء كبير في الأسهم، أدوات الدخل الثابت والاستثمار العقاري.

كيف يتم استثمار ثروة الصندوق

الاعتماد على المنهج العلمي لإدارة الصندوق

يتم الاستثمار بشكل أساسي خارج النرويج، حتى لا يتضخم الاقتصاد النرويجي بشكل أكبر من اللازم، عن طريق زيادة توجيه الثروة إليه. تتنوع استثمارات الصندوق. حيث يهدف بذلك التنوع، ضمان مخاطر مالية أقل حدة من تلك التي ستتشكل في حالة تركز توجيه الثروة إلى وعاء استثماري واحد. وبذلك، يملك الصندوق نحو 1.5%، من إجمالي قيمة الأسهم العالمية موزعة على أكثر من 9,000 شركة في 73 دولة حول العالم، ومن ضمن تلك الشركات عمالقة مثل مايكروسوفت، آبل وسامسونج.

ويتبنى الصندوق استراتيجية استثمار تقوم على البحث والتحليل، بحيث يشجع على الأبحاث التي تأتي بحلول استثمارية مبتكرة. ويظهر ذلك جليًا من خلال تشجيع المؤسسات الأكاديمية، بالإضافة إلى توفير مناخ جيد يدعم دراسة الاقتصاد المالي بشكل أكاديمي. يعتمد الصندوق على الحوار البحثي لسد الفجوة بين الأكاديميين والمهنيين، ويتم تحقيق ذلك من خلال المؤتمرات المستمرة التي تقوم على هامش استراتيجية الصندوق على المدى الطويل.

استراتيجية إدارة الصندوق

تبدأ استراتيجية الاستثمار من البرلمان النرويجي، والذي يسهم في تشكيل الخطوط العريضة لاستراتيجية الاستثمار. ومن ثم، فإنه يتم تصميم مؤشر قياسي للتمكن من قياس أداء الصندوق بالمقارنة. وتكمن استراتيجية الاستثمار على المدى الطويل، في توجيه الثروات إلى الفرص التي تضمن أكبر عائد مع أقل معدل للمخاطرة. ويتحقق هذا الهدف من خلال المتابعة المستمرة لأوضاع الشركة والتي تختلف عوائدها باختلاف مركزها في السوق.

ذلك بالإضافة إلى الملاحظة المستمرة للأسواق المالية التي تندرج تحتها هذه الشركة. يسعى الصندوق إلى التقليل من “تكلفة المعاملات” قدر الإمكان عن طريق تبني منهجية الاستثمار “طويل المدى” والاعتماد على التقليل من إعادة هيكلة استثمارات الصندوق بشكل مستمر.

العوائد الاستثمارية التي يحققها الصندوق

ويتمثل الهدف الرئيسي للصندوق كغيره من الاستثمارات، بتحقيق أعلى معدل ممكن من الربح. حيث نجح الاستثمار في تحقيق ربح تراكمي يقدر بقيمة 5,170 مليار كورونا نرويجية، بما يمثل 5,8%. يستخدم الصندوق “سلة من العملات” (Currency Basket) لقياس حجمه. وتتألف هذه السلة من 36 عملة لكل منها وزن محدد حسب المؤشر المرجعي الذي يتم استخدامه لمقارنة أداء الصندوق. ويكون حساب العائد عن طريق اتباع “معايير أداء الاستثمار العالمي” (Global Investment Performance Standards) لحساب العائد الربحي. وتوفر تقارير GIPS الخطوات والمعادلات التي ينجم عنها أدق حساب لمعدل الربحية.

عائد الصندوق السيادي النرويجي عبر السنوات

الاستثمار المستدام إحدى أهم أهداف الصندوف: موازنة تحقيق الربح من جانب والالتزام الأخلاقي من جانب

يصب الصندوق اهتمامًا كبيرًا على أهمية تحقيق الشركات المُستثمَر بها لدورها الاجتماعي والبيئي. لذا ينشر الصندوق توقعات واضحة، ومطلوب تحقيقها من الشركات التي يتم الاستثمار بها، وذلك للمحافظة على القيم الاستثمارية للصندوق. وتكون هذه التوقعات مُتسقِّة مع “أهداف التنمية المستدامة” المقرَّرة من الأمم المتحدة، والتي من بينها حقوق الأطفال، تغير المناخ، إدارة المياه، حقوق الإنسان والشفافية.

إلى جانب ذلك، أقدم البرلمان النرويجي على تصفية كل الاستثمارات التي من شأنها التعدي على القيم الأخلاقية للصندوق، حيت تم إقرار عدم الاستثمار في شركات صناعة أسلحة محددة، إنتاج التبغ، والشركات التي تعتمد في صناعتها على الفحم. تم إرساء أُطُر توجيهية من وزارة المالية في النرويج بالإضافة إلى تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة الشركات، وتقديم مقترحات للاستثمار.

كما يحق أيضًا للبنك المركزي النرويجي “نورجيس بنك” (Norges Bank)، اتخاذ قرار بتصفية الاستثمارات التي تُظهِر عدم تماشٍ مع التطور التكنولوجي، البيئي والقانوني. يمارس الصندوق حقوقه كمالك للاستثمارات من خلال المشاركة والتأثير في عملية التصويت التي تكون ضمن إجراءات “الجمعية العمومية” (General Assembly)، التي تعقدها الشركة لمناقشة أو إقرار أمر معين. جدير بالذكر، أن الصندوق قد شارك في 11,518 اجتماعًا لجمعية عمومية في عام 2019 فقط.

استثمار الصندوق السيادي النرويجي في الطاقة المتجددة

نموذج حوكمة الصندوق: تعريف واضح للمسؤوليات والواجبات للجهات المديرة للصندوق

تم بناء حوكمة الصندوق، اعتمادًا على تعريف واضح للواجبات، مع الكفاءة في المراقبة والتحكم في كافة التفاصيل. تقع المسؤولية التشريعية لوضع الخطوط العريضة للصندوق على البرلمان النرويجي “ستورتينجت”، بينما تتحمل وزارة المالية النرويجية المسؤولية عن الصندوق وتقوم بتأسيس الإرشادات الواجب اتباعها لإدارته. يتولى البنك المركزي النرويجي “نورجيس بنك” إدارة الصندوق، مع توكيل المجلس التنفيذي للبنك مهمة إدارة العمليات به لقسم إدارة الاستثمار في البنك المركزي النرويجي.

ويبدو أن مستقبل الصندوق النرويجي في أمان من حيث التنويع في الاستثمار والاستدامة، ففي إبريل من ذلك العام عقد أول صفقة له بخصوص البنية التحتية في الطاقة المتجددة حيث حصل على حصة من مزرعة الرياح “بروسيل” في هولن والتي تديرها الشركة الدنماركية المتخصصة في مجال الطاقة المتجددة “أورستيد”.

ويجب أن تنعكس تلك الخبرات في الاستراتيجية، الإدارة والحوكمة على إدارة الصناديق السيادية الخاصة بالدول العربية، فيجب أن تتوافر عوامل الاستدامة وتجنب المخاطرة حتى لا تضيع ثروات تلك الدول.

اقرأ أيضًا: قبل أن تتخذ قرار الاستثمار.. إرشادات تساعدك على الحصول على امتياز تجاري

0

شاركنا رأيك حول "كيف يمكن استثمار ثروات الدول؟ الصندوق السيادي النرويجي مثالًا"