لقاحات كورونا
0

مع نهاية السنة الفائتة، سنة 2020، تضرّعنا لله آلاف المرات، وصلّينا مئات الصلوات، وقدمنا قربانات كثيرة في سبيل انتهاء الوباء العالمي كوفيد-19. أشْهُرٌ من الحجر الصحي في انتظار أخبار سعيدة من الفريق الطبي، لهفة لسماع جملة “لقد نجحنا في صناعة دواء لكوفيد-19” أو “ها قد أصبح لكلٍّ منكم حصّته من اللقاح الذي سيحميكم من الآن فصاعدًا من هذا الداء اللعين”..

واليوم، إذا كنت متابعًا لآخر أخبار فيروس كورونا الحالي، فبالتأكيد لديك علمٌ بلقاحات فايزر وموديرنا وبيونتيك، والتي تم تطويرها عدة مرات وتجربتها باختبارات تحت إشراف طبي ولمجموعات معينة من الناس، وكانت نِسب النجاح تتراوح بين 90-97%، ربما أقل أو أكثر لا أتذكر صراحةً، ولكنها طُوّرت لدرجة أنه ومن الواضح أن شعاع الأمل بدأ بالبزوغ، لذا كان من الواجب علينا كأشخاص محتاجين جدًا لتلك اللقاحات في وباء لا يعرف اللون الرمادي، إما الأبيض أو الأسود، من الواجب أن نكون فرحين لمجرد الوصول إلى لقاح وأن نركّز كل اهتماماتنا على كيفية الحصول عليه وهل يمكن أن يكون كافيًا للجميع؟ بالنسبة لنا نحن العرب، هل يمكن لدُولنا “العربية” أن تستورده؟؟

هذه الأسئلة التي كنا نتساءلها عندما كان الوباء ينهش الكبير والصغير، ولا يستثني أحدًا، ولكن الآن، وبعد أن تعايشنا مع المرض، أصبح من الواجب على كل شخصٍ منا أن يُخرج المحقق كونان الذي يعيش داخله، يجب أن نتدلل ونعترض على اللقاح ونخاف منه 🙄.

نعم، في هذا المقال، سأضع لقاحات فيروس كوفيد-19 المُركّبة على يد أفضل الأطباء والاختصاصيين، تحت المجهر، وفي المقابل، سنتناولها من وجهة نظر منطقية 🙋🏻، وسنرى كيف يمكن للدول المختلفة إقناع مواطنيها بأخذ اللقاحات بدون عناء، كما فعلت إحدى الجُزُر البريطانية.

اقرأ أيضًا: استخدام الأجنة البشرية المجهضة في إنتاج اللقاحات: بين مطرقة الوباء وسندان الأخلاق

ما الذي يرهب الشعوب حيال لقاحات كوفيد-19 😕؟

لقاحات كورونا

في كولورادا (Colorada)، في شهر مارس/ آذار تقريبًا من هذا العام، تلقى حوالي 15.7% من السكان الجرعة الأولى من اللقاح – بحيث أنه مكون من جرعتين – وحوالي 8% أكملوا الجرعة الثانية، وكانت اللقاحات متاحة في المنطقة اعتبارًا من تلك الفترة، متاحة للعاملين في مجال الرعاية الصحية والأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا والموظفين والعاملين المختلفين والزراعيين والذين يعانون من مشاكل صحية.. الجميع تقريبًا.

ومع ذلك، لم يتقدّم بطلب اللقاح كلّ من هم مؤهلون لأخذه، ووفقًا لاستطلاع أجرته مجلة (Magellan Strategies)، من بين جميع الذين سجّلوا على اللقاح، حوالي 55% من سكان المنطقة لم يتلقوا اللقاح بعد، وكان لديهم نيّة في أخذه. تبيّن فيما بعد في الاستطلاع أن 29% ينوون أخذ اللقاح، 12% مترددون في أخذ القرار، ونسبة 57% قررت ألا تحصل عليه.

رُهاب اللقاحات ليس جديدًا على ساحات الأوبئة، ففي عام 2015، في استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، أبلغ حوالي 9% من مجموع مشاركين في استطلاع حول أمان اللقاح ضد الحصبة، أنهم يعتقدونه “غير آمن”، لذا ربما لا يمكننا لوم معارضي لقاحات كوفيد-19 التي ظهرت في ظروف خاصة جدًا.

إليك بعض العوامل التي ساعدت في تردد الكثيرين:

عامل الوقت: سنة واحدة ليست كفيلة بالخروج بلقاح لوباء عالمي!

نظريًا، هذه التهمة منطقيّة جدًا، فوفقًا للخبراء والباحثين، إن وصول أي لقاح في العالم إلى المراحل الأخيرة المتقدمة والتي تُعتبر آمنة للتطعيم البشري يجب أن تجتاز فعليًا ثلاثة حواجز: تركيب وصناعة اللقاح المضاد أي اكتشافه، ثم حاجز تجربته والتي يمكننا تسميتها “ما قبل الإكلينيكية أو ما قبل السريرية” والتي يتم غالبًا إجراؤها على حيوانات التجارب، ثم المرحلة الأخيرة السريرية والتي يخضع فيها مجموعة من المتطوعين أو المرضى أو غير ذلك إلى اللقاح بإشراف طبي لمعرفة مدى تأثيراته على البشر، ولكن هذا لا ينفِ مرور تجربة لقاح كورونا بمراحلها الثلاث بنجاح! عزيزي ركّز معي في هذه النقاط التي ساعدت في تسريع وقت اكتشاف اللقاح:

  • العلماء كانوا في سباق مع الوقت: جرى استغلال اللحظات اليومية جميعها

السّباق مع الوقت لمواجهة وباء عالمي يجتاح كل منطقة في العالم، لن يكون العالم موفقًا إذا تمّ التعامل مع كوفيد-19 كغيره من الأمراض التي تصيب البشر في ظروف أخرى، بمعنى آخر، لم يكن لدى الأطباء والخبراء “رفاهية الانتظار” لفترة طويلة، لأنهم في سباق مع الوقت، وإذا فاز الوقت هذا يعني خسائر فادحة في الأرواح البشرية. تمت بالفعل الاستفادة من كل المعلومات المتوفرة عن اللقاحات السابقة والتي أخذت سنوات طويلة بالفعل في اختبارها واختبارات الأمان لها.

حتى الاجتماعات التي تُجريها عادةً الشركات والهيئات التنظيمية الطبية خلال الظروف الطبيعية لإنتاج أي لقاح، وذلك لتقييم نتائج عمل أي شركة تجاه دواء أو مُنتج أو غير ذلك، كانت تتم في الحالة الطبيعة كل ثلاثة أشهر أو ربما 6، لأن الأمر لا يحتاج إلى التحرك السريع مثلًا، إنما خلال جائحة كورونا، لم يكن ذلك ممكنًا، كان يتم تقييم الأمور وتنظيمها والعمل على أي ورقة بحثية بسرعة فور وصولها، حتى في المناسبات الرسمية، لم يكن هناك وقت للاحتفال.

ببساطة كان الوقت يسابق الخبراء فعلًا، وكان الوصول إلى أي نتيجة حتى لو غير مضمونة 100% هو هدف سامٍ، ولا يمكن مقارنة لقاحات كورونا بأي لقاحات أخرى أُنتجت ولم تأخذ الموافقة إلا عندما استُكملت جميع التجارب اللازمة، جميعها يعني جميعها بدون استثناء، وهذا يلزم وقتًا طويلًا جدًا، لذا كان يجب أن يتم الإعلان عن النتائج المتقدمة الجديدة للقاحات كورونا حتى لو لم تتم دراسته بالنسبة للحوامل مثلًا، أو الأطفال أو مرضى كذا، ولكن من جهة أخرى لم يكن هناك قلق أو مشكلة حقيقة تجاه اللقاح حتى يتم التحفظ عليه وعدم الإعلان عنه، وبخاصة أن الآثار الجانبية التي قد تظهر بعد شهر أو شهرين من تلقيه، قد تظهر بعد التجارب السريرية لأي لقاح آخر وهذا معروف وقد حدث سابقًا خلال أمراض أخرى.

  • مشكلة تأمين المتطوعين “العنصر البشري” كانت محلولة

التجارب السريرية كما قلنا تحتاج لعدة عناصر حتى تجتاز مرحلة التجربة بنجاح، وأهم عنصر لازم هو المُجرَّب فيه، الإنسان، وبعيدًا عن الظروف التي وضعت الكرة الأرضية في سباق مع الوقت، قد ينتظر الباحثون شهورًا أو سنوات حتى يصلوا إلى تأمين أنسب مجموعة من البشر لتجربة اللقاح عليها، ولكن خلال الجائحة، لم يكن هذا الأمر في الحسبان، لأنه في الأصل، لم يكن هناك نقص في عدد الناس التي يمكن تجربة اللقاح عليهم، ببساطة، الجميع معرض للإصابة، وبالتالي نسبة كبيرة ستضع نفسها تحت التجربة بدلًا من أن تُصاب، لذا توافر العنصر البشري كان مؤمنًا أكثر من أي فترة أخرى تم إنتاج اللقاحات فيها، وهذا عنصر تسريع للوقت.

لقاحات كورونا المُنقِذ أم المُتَّهم؟؟ كيف يمكن للحكومات إقناع مواطنيها بأخذ اللقاح أو التطعيم ضد فيروس كوفيد-19؟

  • مشكلة التمويل كانت محلولة أيضًا

ومن العوامل التي ساعدت أيضًا في تسريع العملية، التمويل المفتوح. في العمليات البحثية المختلفة، قد يتوقف العلماء عن البحث والعمل بانتظار عمليات تمويل معينة، إنما في وباء كوفيد-19 بالتحديد، لم يكن هناك مشكلة أبدًا في عمليات تمويل اللقاحات التجريبية، كانت الحكومات والشركات تضخ الأموال من كل صوب حتى تجري الأمور بأسرع ما يمكن.

انعدام الثقة بالحكومات: اللقاحات تعتمد على تقنيات جديدة ستغيّر من جينات البشر

هل تساءلت: كيف سيغيّر اللقاح من جينات البشر إذا كان لن يتفاعل أبدًا مع الحمض النووي (DNA) لكل شخص؟ ركّز معي في هذه النقاط لمعرفة كيفية تفعيل اللقاح في أجسامنا، وستستنتج في النهاية أنه “علميًا” لا يمكن التغيير في جيناتنا بهذه الطريقة!

  • إصابة البشر بالفيروس:

يصيبنا الفيروس عن طريق إدخال “جيناته” إلى خلايانا، نسميها “خلايا المضيف” الذي هو نحن، وبدورها، تقوم الخلية المضيفة للفيروس بعمل نُسخ من الفيروس، وهكذا تنتقل العدوى وتنفجر في الجسم لتصيب الخلايا الأخرى وتقتلها، ولكن ما نعرفه هو وجوب دفاع جهازنا المناعي عنّا – لأنها مهمته – عندما يكتشف وجود عدوى فيروسية في الجسم، أليس كذلك؟ حسنًا، كيف سيتعرف الجسم على كوفيد-19 إذا لم يكن قد قابله سابقًا؟ ببساطة، لن يقدر على التعرف عليه إذا لم ندخله أو ندخل ما يشبهه إلى جسمنا ونبني مناعة ضده.

  • بناء المناعة:

لبناء المناعة كما قلنا، يجب التعرض للفيروس إما من خلال العدوى أو التطعيم. في اللقاحات التقليدية، يُعرّض الجسم لفيروس ضعيف أو متعادل تمامًا مع المرضيّ، ويتعرف بعدها الجسم على الفيروس في حال الإصابة به ويهاجمه، ولكن تختلف اللقاحات العادية عن لقاحات كورونا بطريقة التحضير والإعطاء التي جعلتها مختلفة الفاعلية أيضًا.

في أمراض معينة مثل القوباء المنطقية (الهربس النطاقي) والتهاب الكبد B، يتم اختبار اللقاح في الجسم بتعريضه لجزء أو قطعة من الفيروس، ولتكن إحدى نتوءات السطح بدلًا من الفيروس كاملًا، وهو ما يحتاج وقتًا أيضًا للتعرف ويكون على دفعات، إنما في حالة كوفيد-19، لا يتم تزويد الجسم لا بالفيروس ولا بجزء منه، وبدلًا من ذلك، يتم تقديم تعليمات خاصة ببروتين يمكن للجسم التعرف عليه وتشكيل آليات دفاعية ضده، بالتالي يصبح جهاز المناعة قادرًا على التعرف على الفيروس الحقيقي عند هجومه، وهو ما لا يحتاج الوقت الكثير!

  • لا يمكن للقاح تغيير جيناتنا بسبب:

يمكننا تصور الخلية في جسمنا كمطبخ صغير، والـ 46 كروموسوم الموجودة هي كتاب الوصفات لكل ما تفعله الخلايا في جسمنا يوميًا، نبضات القلب ونمو الشعر وذرف الدموع وغيرها، ولكن الحمض النووي الخاص بنا هو وصفة “سلطع برغر” السحرية 😉 ليس متاحًا ولا يمكننا أن نأخذ منه أي تسلسل جيني، يبقى محبوسًا محجوزًا. سنحتاجه بالتأكيد، ولكن عندما نحتاجه، يتدخّل هنا جزيء آخر هو الحمض النووي الريبي (RNA)، حيث هو من يقوم بنسخ الـDNA. بعد ذلك، يأخذ مرسال الـRNA نسخة الحمض النووي ويوصلها إلى ريبوسوم داخل الخلية، هنا حيث يتم تجميع البروتينات.

بنفس الطريقة السابقة، تعمل لقاحات كوفيد-19، وبشكل طبيعي جدًا. يحتوي اللقاح على مرسال الحمض النووي الريبوزي مع تعليمات بروتين سبايك (Spike Protein) الموجود أصلًا على سطح الفيروس الشوكي، وبعمل الحمض النووي الريبي في الريبوسوم على تجميع بروتينات سبايك، ولا يتم أي تفاعل مع الحمض النووي للشخص متلقّي اللقاح. بعد عدة ساعات، يتفكك الحمض النووي الريبي للقاح، كما يفعل ذاك الطبيعي في الجسم، ويُطلق بروتينات سبايك الشوكية من الخلية، وهنا يستشعرها جهاز المناعة في الجسم ويعرف أنها لا تنتمي للجسم ويدمرها، ويصبح بعد ذلك جاهزًا لاستقبال الفيروس الحقيقي في حال أُصبنا.

إذًا لا تغيير في حمضك النووي خلال هذه العملية أليس كذلك؟

كورونا مجرد خدعة: اللقاح وسيلة لتتبع البشر فقط!

لقاحات كورونا المُنقِذ أم المُتَّهم؟؟ كيف يمكن للحكومات إقناع مواطنيها بأخذ اللقاح أو التطعيم ضد فيروس كوفيد-19؟

اللقاح مجرد وسيلة لدسّ شرائح صغيرة تحت جلدنا الهدف منها تتبع تحرّكاتنا. أنا لا أعرف كيف يمكن ان ندافع عن أفكار سوقيّة كهذه: أولًا، مَن أنت ليتم تتبعك أو حتى إجراء كل تلك العمليات التي استهلكت ليالي ونهارات العاملين والأطباء وغيرهم فقط لوضع شريحة تحت جلدك و”تتبعك” 😑؟

ثانيًا، هل ترى أنه من المنطقي مع وجود هاتفك الجوال في يدك الآن وأنت تقرأ مقالي، أو حتى جهاز الكمبيوتر خاصتك، من المنطقي أن يتم ابتداع رقاقات لتتبعك وأنت تقرأ من جهاز يمكن للحكومات معرفة مكانك منه بعدة طرق تكنولوجية؟ أنتَ في الأصل مُتَتَبّع في جميع أوقاتك عزيزي، ليس هناك حاجة لابتكار تقنيات أخرى وهدر كل تلك الأموال! حقيقةً، لا أريد أن أكتب أكثر من ذلك عن هذا البند، لأنه من الحجج المضحكة جدًا 😐!.

اكتساب المناعة: الإصابة بالفيروس أفضل من تلقّي اللقاح

لدرجة أن البعض فعلًا لا يتقيد بإجراءات السلامة، ويفضّل أن يُصاب بالفيروس ويتعب لعدة أيام ليُشفى بعدها ويكتسب مناعة بشكل طبيعي، وبخاصة ذوي الأعمار الصغيرة 30-50. هناك استهانة واضحة بالمرض في هذا البند 😕. لحسن الحظ أن فيروس كوفيد-19 ليس مميتًا بدرجة مخيفة، ولكن لا يمكننا إنكار انه من ضمن مسببات الوفيات لشباب في مقتبل العمر ولا يعانون من أمراض، يُصابون ويموتون ولا تزال الأسباب مبهمة.

تبين أيضًا أن هناك نسبة حوالي 10% من الأشخاص الذين يُصابون بكوفيد-19 ويُشفون تمامًا، يعانون بعد فترة من أعراض مختلفة مشابهة لأعراض الإصابة بالفيروس، وهي نسبة ليست قليلة أبدًا وتستوجب التوقف والدراسة. يشير الأطباء هنا إلى وجود حالة جديدة ربما تسمى لونغ كوفيد أو الكوفيد طويل الأمد (Long Covid)، أي آثاره بعد خروجه من الجسم، فهناك دراسة تشير إلى أنه يهاجم خلايا البنكرياس! أي حتى عندما نتخلص منه، فقد يترك أثرًا في جزء من الجسم ولكن ليست هناك معلومات كافية عن الموضوع. بحسب الأبحاث، يعاني شخص واحد من كل 3 أشخاص يتعافون من كوفيد من شكاوى مزمنة، تسارع ضربات القلب وغيرها، ويشمل ذلك الذين أعمارهم أقل من 35 وليس لديهم مشاكل صحية.

لذا، نستنتج أن الآثار التي تنتج عن الإصابة بالفيروس حتى لو شفينا منه ليست طبيعية، فلا يجب أن نفكر في اكتساب مناعة طبيعية بهذه الطريقة. عدا عن ذلك، قد لا تكون المناعة المكتسبة كافية دائمًا لعمل حاجز وقائي في المستقبل.

على العموم، الأمر نسبي جدًا، تحفز لقاحات بعض الأمراض مناعة أفضل من الإصابة بالعدوى بشكل طبيعي، مثل الإصابة ببكتيريا المكورات الرئوية، وتشير الأبحاث والدلائل أن لقاحات كوفيد-19 تندرج تحت لقاحات تلك القائمة، ومع ذلك، في حالات أخرى، تكون العدوى الطبيعية أقوى من اللقاح، مثل الإصابة بمرض النكاف التي تولد مناعة مدى الحياة، ولكن هناك “بعض” الأشخاص ممن تلقوا لقاح النكاف جرعة أو اثنتين، مازالوا يعانون من المرض!

لذا الأمر فعلًا لا يمكن حسمه بسهولة، ولكن بالتأكيد بالنسبة لكوفيد-19، أشارت نتائج الأبحاث التي أجريت على متطوعين تلقوا لقاح موديرنا في الفترة الأخيرة، أن أجسامهم بنت أجسامًا مضادة، بمعنى كان لديهم علامة على الاستجابة المناعية في دمائهم أكثر من الذين أُصيبوا بالمرض.

على الرغم مما قلناه فيما سبق، إلا أن المنطق والعقل ليسا دائمًا الطريق الأصحّ والأفضل للإقناع، وبخاصة في مثل هذه الحالات التي تكثر فيها الشكوك والشائعات ويتم تداول الكثير من المعلومات في ظرف أشهر، وبخاصة أنه شيء يمسّ الصّحة. لذا حتى تتم عملية الإقناع، ربما يجب أن تتم بشكل سلس وعاطفي أكثر ما هو منطقي.

لمزيد من المعلومات، يمكنك الاستماع إلى:

اقرأ أيضًا: من إدوارد جينر إلى فايزر بيونتيك.. لماذا يخشى الناس اللقاحات؟

كيف يمكن للحكومات إقناع مواطنيها بأخذ اللقاح أو التطعيم ضد فيروس كوفيد-19؟

كيف تقنع الحكومات مواطنيها

لايمكننا إهمال أهمية المنطق والدلائل العلمية نعم، ولكن أيضًا يجب تسليط الضوء على هذه النصائح حتى تجري الأمور بشكل أكثر سلاسة:

اختيار الأشخاص الصحيحين للقيام بهذه المهمة

هذا فعليًا ما تعاني منه الحكومات في قضية إقناع الناس مع كثرة الشائعات حول مخاطر اللقاح، تختلط عليهم الأمور، وغالبًا ما يثقون في النهاية بكلامِ أحد الأشخاص الموثوقين “بالنسبة لهم” أكثر من الجهات العليا.

دعني أوضح لك الفكرة، لنعد إلى الفترة التي كنت أنت فيها طفل صغير، أعتقد أنه عندما كان يقول قريبك لك أن الكوكا كولا مشروب مضرّ، كنت تسبّه في أعماق قلبك، وتكمل الشرب والتلذذ، ولكن عندما تسأل أمك: “أمي، هل الكولا مضرّة فعلًا؟” وتجيبك بـ نعم، هنا أعتقد أن أغلبكم كان يقتنع كليًا ولم يعد يشربها، على الأقل حتى كبرتم وأصبح بإمكانكم البحث عن ذلك بأنفسكم.

لذا نحن كائنات عاطفية بطبعنا، وبالنسبة للقضايا العالمية نحن مجرد أطفال، يوجّهنا مجموعة من القادة أو المشرفين، وليس أيُّ قادة أو مشرفين.. غالبًا ما نقرر الإصغاء إلى ما يُقال ليس على أساس “ما” يُقال إنما على أساس “مَن” يقول، لأننا وخلال ثوانٍ، نحدد من شكل الشخص المتكلّم مدى ثقتنا بكلامه، كأن نأخذ كلام الدكتور المعالج للمريض بنسبة تزيد عن 80% ثقة أكثر من كلام الممرض، لأنه ببساطة الأول “دكتور” والثاني “ممرض”!

أظهرت الأبحاث بالفعل ارتباط سمات الشخص المُخبر أو المرسل أو لنسميه “رسول الإبلاغ” باحتمالية إنصات الناس إليه والأخذ بكلامه كثقة، حيث هناك سمات أساسية يتم النظر إليها كالوضع الاجتماعي والاقتصادي، والكفاءة، الجاذبية، الهيمنة، الجدارة والثقة، الكاريزما، الضعف أحيانًا أو ظهور ملامح الدفء، ويعتمد ذلك ويتغير حسب المواقف والأماكن والمجموعات المستهدفة التي يتعامل معها هذا الرسول.

مثلًا، في إحدى الجُزُر البريطانية، وُجد أن موظفو الرعاية الصحية كانوا حذرين في البداية وامتنعوا عن اللقاح، ولكن غيروا رأيهم فيما بعد، وكانوا بالفعل أكثر فاعلية في إقناع باقي الموظفين في كامل دور الرعاية، وحققت نسبة نجاح التطعيم حوالي 93% مقارنة بـ 80% في ولايات قضائية أخرى.

وبالمثل، وبعيدًا عن “العنصرية” هنا فنحن بالتأكيد لا نقصدها مطلقًا، هل تعتقد أن إرسال شخص “رسول” من ذوي البشرة السوداء إلى إحدى المناطق الأفريقية، لإقناع الناس في مؤسسة ما بتلقي التطعيم، سيؤثر فيهم بشكل أكثر أم أقل من إرسال شخص ذو بشرة بيضاء؟ بالطبع سينصتون وسيثقون بأحد أبناء جنسهم أكثر، وهذا يعلمنا درسًا مفيدًا جدًا في أية مباردة تكون فيها المشاركة الجماعية أمر بالغ الأهمية، مثل التبرعات الخيرية وغيرها، يجب إرسال الشخص “الصحيح” المناسب.

لقاحات كورونا المُنقِذ أم المُتَّهم؟؟ كيف يمكن للحكومات إقناع مواطنيها بأخذ اللقاح أو التطعيم ضد فيروس كوفيد-19؟

في عملية الإقناع: إرفاق كلمات سببية “لأن” أو “بسبب” ستعزز الطلب وتدعمه

حسنًا، بالمقارنة بين العبارتين الآتيتين: “مرحبًا، هل يمكنني شراء زجاجة ماء من فضلك؟” – “مرحبًا! هل يمكنني شراء زجاجة ماء؟ من فضلك بسرعة لأن صديقي في الخارج يختنق!”.

أعتقد أن الفرق واضح، وأن البائع في الحالة الأولى سيبيعك الماء عندما يحين دورك في الشراء، أما في الحالة الثانية، سيعطيك الزجاجة على الفور بدون أي استفسار حتى، وهنا نرى فائدة “التفسير”، كلمة “بسبب” أو لأن كذا..” لها تأثير كبير على إمكانية تلبية الطلب.

أظهرت عالمة النفس من جامعة هارفارد، إيلين لانجر (Ellen Langer) القوة الإقناعية لكلمة “بسبب” في الجمل، وذلك في دراساتٍ أجرتها في فترة السبعينات، حيث أرفقت مثالًا عن الموضوع، إذ كان هناك طابور من الأشخاص يقفون لتصوير اوراقهم على آلة التصوير، وعندما سُئلوا عن إمكانية التصوير قبلهم بالشكل: “عفوًا، أملك 5 صفحات، هل يمكنني استخدام الآلة؟”، كانت نسبة الموافقة على تصويره قبل الجميع حوالي 60%، ولكن عندما أعيدت التجربة لاحقًا مع تغيير في صيغة الجملة: “هل يمكنني استخدام آلة التصوير لأنني على عجلة من أمري؟”، ارتفعت نسبة الموافقة إلى 94%.

الكلمة بحد ذاتها تقوّي طلبك حتى لو كان سبب الطلب لا معنى له أو غير مهم، لأنها تحفز الأشخاص وتنبههم إلى وجود تفسير ووجوب اتباعه ومعرفته والتفكير فيه. لذا عزيزي، من المهم أيضًا إدراج هذه الكلمة في حملات التوعية الخاصة بالتطعيم ضد فيروس كوفيد-19، وتنبيه المرسَلين إلى أهمية استخدامها بالطريقة التي يروها مناسبة بحسب شخصهم والمنطقة التي هم مسؤولون عنها كما قلنا.

الصور التوعوية المستخدمة بالإذن من حكومة جيرسي - توضح أهمية كلمة بسبب because
الصور التوعوية المستخدمة بالإذن من حكومة جيرسي – توضح أهمية كلمة بسبب (because)

بناء الشعور بالملكية: لقاحك محجوزٌ لك!

في دراسة أجريت العام الفائت بقيادة عشرات الباحثين كانت أهمهم أستاذة في كلية وارتون – جامعة بنسلفانيا، بيّنت “كاتي ميلكمان (Katy Milkman)” أثر إجراء تغيير بسيط في الرسائل النصية التوعوية الخاصة بلقاحات الانفلونزا، حيث عززت رسائل التذكير التي تضمّنت إحساس الفرد بملكيته للقاح “لقاحك محجوزٌ لك” معدلات التقدم للحصول عليه بنسبة 11% مقارنةً بالرسائل التقليدية مثل “احمِ نفسك عن طريق الحصول على لقاح…”.

يتجلى هنا تأثير سلوك علمي يسمى في علم النفس “تأثير المنح (Endowment Effect)”، وهو تأثير احتفاظ الأشخاص بشيء ما أو تقديره أكثر بدرجات، لمجرد فكرة امتلاكهم له، سواء كان ذلك عنصرًا ماديًّا أو فكرة أو غير ذلك، بمجرد إحساسهم بالملكية فهم سيقدرونه بدرجة أكبر، وبذلك يمكن استغلال هذه المشاعر في استقطاب الناس لأخذ اللقاح، في رسائل البريد الالكتروني أو وسائل التواصل عمومًا والحملات الإعلانية.

برأيي، لا يجب إجبار أحد على تلقّي اللقاح، أبدًا، ولكن يُفضل التوصية بأخذه والإعلان عن فوائد التطعيم ومخاطر إهماله، واتباع النصائح أعلاه سيزيد من نسبة التطعيم بالتأكيد. البعض لا يخاف الإصابة أصلًا، ولكنهم يهتمون لأمر وقتهم الذي سيضيع في ساعات وأيام المرض بدون إنجاز، يهتمون لأمر من حولهم ولا يريدون أن ينقلوا المرض لمن يعانون في الأصل من مشاكل صحية قد تودي إصابتهم بالفيروس بحياتهم، لذا من المهم توعية الجميع بتلقّي اللقاح. لقاحكم محجوزٌ لكم!.

اقرأ أيضًا: العلم أمام جائحة كورونا: ما هي التغيرات التي طرأت على العلم في ظل الجائحة؟”

0

شاركنا رأيك حول "لقاحات كورونا المُنقِذ أم المُتَّهم؟ كيف يمكن للحكومات إقناع مواطنيها بأخذ لقاح كوفيد-19؟"