الوجودية
0

ظلّت “الأنا” أحد الأوتاد الرئيسية للفلسفة منذ أن قرّر الإنسان الأوّل ممارسة فعل التفلسف والبحث عن الحكمة وفهم ما وراء الطبيعة. ولئن ظنّ البعض أن هذه “الأنا” بمعناها ومصيرها ومحدداتها لم تظهر إلّا كمحور للفلسفة الوجوديّة، فقد وجدناها قديمة قِدم الفلسفة، حاضرةً في محاورات أفلاطون ومتجدّدة في محاورات جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار على طاولات المقاهي الباريسية الفخمة في ظل أجواء رومانسية ودافئة.

لماذا وُلدنا؟ لِمَ نحن هنا؟ ما مصير الأنا الغارقة في المعاني والعوالم وكتب الفلسفة؟ وما المعنى من الوجود؟ من هو “الفرد الطبيعي الحر”؟ ومن هم روّاد التيّار الوجودي؟ بوابلٍ من الأسئلة نواجه ساعات الليل الأولى التي نظن أنها ستتغذّى بأجمل الأحلام فيهرب النعاس وتظلّ أعيننا معلّقة في سقف الغرفة، راجين أن يتركنا الأرق ولو ليلة واحدة وأن ننال من النوم القليل.

الوجودية

لعل المطمئن في الأمر أن هذه الأسئلة التي تزيد من عتمة ليالينا لا تحلّ فقط ضيفة علينا وإنّما كانت منذ سنوات عديدة محرّك البحث والتفكير عند فلاسفة وأدباء وفنانين لم نكن لنحلم بحياة جميلة لولاهم، فالوجودية ليست حكرًا على سارتر الذي ارتبط اسمه باسمها واختزلها البعض في أعماله بل هي فسيفساء جمع قطعها كلٌ من كيركجارد ونيتشه وكافكا وبيكيت وبيكاسو وبرديائف وكامو وأونامونو وروزنزويج وغيرهم.

اقرأ أيضًا: 10 أفلام مذهلة ستصيبك بأزمة وجودية! 😦

لمحة تاريخية عن الفلسفة الوجودية

يقول سقراط في كتاب محاورات أفلاطون في باب الدفاع عن نفسه بعد إصدار قرار محاكمته وإعدامه:

“لو قلتم لي يا سقراط، إننا سنطلق سراحك هذه المرة ولن تأبه لأنيتس، على شرط واحد، وذلك أن توقف البحث والتفكير، فلا تعود إليهما مرة أخرى، لو شاهدناك تفعل ذلك أنزلنا بك الموت، إن كان هذا شرط إخلاء سبيلي أجبت بما يأتي: أيها الأثينيون! أنا أحبكم وأمجدكم، ولكني لا بد أن أطيع الله أكثر مما أطيعكم، فلن أمسك عن اتّخاذ الفلسفة وتعليمها ما دمت حيًّا قويًّا، أسأل بطريقتي أيًّا صادفت بأسلوبي، وأهيب به قائلا: مالي أراك يا صاح تعنى ما وسعك العناية بجمع المال، وصيانة الشرف، وذيوع الصوت، ولا تنشد من الحكمة والحق وتهذيب النفس إلّا أقلّها، فهي لا تصادف من عنايتك قليلًا ولا تزن عندك فتيلًا، وأنت ابن أثينا، مدينة العظمة والقوّة والحكمة؟ ألا يخجلك ذلك؟”

هذا الاهتمام بالحق وبالحكمة وبالمعنى وهذه العودة إلى الصدق والنبش في النفس للارتقاء بها وإثبات كينونتها، كان الفكرة التي عاش ومات من أجلها سقراط والتي تحدّث عنها كيركجارد في يومياته فقال: “المسألة هي إيجاد حقيقة صحيحة في نظري، إيجاد الفكرة التي يمكنني أن أعيش وأموت من أجلها” متبنيًّا بذلك الفلسفة الوجودية التي جاءت من بعده.

الوجودية

طرح أفلاطون وأرسطو علاقة الماهية بالوجود، ولكنهما كانا يتبنيّان فكرة الوجود الثابت في المثل والأفكار وليس الوجود الحسيّ الماديّ الذي أشار إليه الوجوديون من أمثال سارتر و كيركجارد، إذ عاد الفيلسوف والأديب الفرنسي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى التساؤل عما إذا كان الوجود قد سبق الماهية وعن إمكانية المجيء إلى هذا العالم دون هدف أو معنى وماهية قد تحتم علينا أن نبحث عنها لاحقًا، لتكون بذلك قد ولدت من رحِم هذه التساؤلات الخطوط العريضة للوجودية التي يلخصها الشعار التالي “الوجود قبل الجوهر أو الماهية” أو بالإنجليزية “Existence before Essence”.

اقرأ أيضًا: ترقب الموت.. موت من نوع آخر: ألبير كامو والفلسفة الوجودية للموت

المبادئ التي تقوم عليها الوجودية

كانت الوجودية وما زالت ذلك الكتاب الذي كلّما ظننت أنك بصدد الانتهاء من مطالعته تضاعفت صفحاته كاشفة أحداثًا متجددة، فالوجوديّون تمامًا كأصحاب هذا الكتاب كلّما شهدوا مشكلة طرحوها كلٌّ من منظوره الخاص ولكنهم، بالرغم من هذه الاختلافات، يجتمعون تحت خمس قواعد كبرى لهذه الفلسفة وهي:

  • الوجود يسبق الماهية أو الجوهر: ويقول سارتر في هذا السياق: “نعني بالوجودية مذهبًا يجعل الحياة البشرية ممكنة… الوجودية هي نزعة تفاؤلية، عقيدة عمل… الإنسان ليس فقط كما يتصور نفسه، بل كما يريد أن يكون، كما يتصور نفسه بعد الوجود، كما يريد بعد هذا الاندفاع نحو الوجود، ليس الإنسان سوى ما يفعله. هذا هو المبدأ الأول للوجودية”.
  • الوقت والجوهر: تتطرق الوجوديّة إلى الوقت باعتباره قيمة كيفية، متجاوزة عقارب الساعات. فالوقت لا يتحدد بالساعات بل يختلف بما حققناه وما أردنا تحقيقه في ذلك الحيّز الزمني.
  • الوجودية والمنزع الإنساني: يقول الشاعر الفرنسي فرانسيس بونج في مقال له: “الإنسان هو مستقبل الإنسان” ويعتبر سارتر في كتابه الوجودية مذهب إنساني هذا القول رائعًا وصحيحًا.
  • الحريّة والمسؤوليّة: يقول سارتر في نفس الكتاب: “إننا نريد الحرية للحرية ومن خلال كل وضعية خاصة”. وفي هذا إشارة إلى الواقعية، ويضيف: “إننا ونحن نريد الحرية، نكتشف أنها ترتبط برمتها بحرية الآخرين وأن حرية الآخرين ترتبط بحريتنا”. وهنا يحضر مبدأ المسؤولية إذ نحن أحرار في اختياراتنا ولكننا أيضًا مسؤولون فيها تجاه أنفسنا وتجاه الآخر.
  • الأخلاق: يتحدث كل فيلسوف وجوديّ عن الأخلاق من زاوية نظره الخاصة فمنهم من يستند إلى الدين لتعريف الأخلاف ومنهم ما ينادي بأخلاق علمانية، وبين هذا وذاك تبقى الأخلاق محورًا أساسيًّا في مكونات الوجودية.

“لا أحد منّا يختار أن يحل على هذا العالم” هذا ما قالته إحدى السلاحف

من كتاب بعنوان “The Hidden Story of Every Person & Other Short Stories” لصاحبه “Robert Pantano” اخترنا أن نحكي لكم حكايتنا، وعن سلاحف محتجزة أمام قاعدة جبل كبير تحدثنا.

كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، سلاحف مسكينة تعيش على أرض قاحلة يقل فيها الطعام ويكثر الجوع وتطغى الآلام. كان يفصل السلاحف عن الأرض الخصبة جبل عالي القمة وكان السبيل الوحيد للنجاة وللحلم هو صعود هذا الجبل.

فكرت هذه الكائنات كثيرًا في حلٍّ لهذه الوضعية التي باتت مزرية ولم تعد تحتمل، وقررت بذلك التكاثر حتى يتوفر العدد الكافي من السلاحف لتكوين سلسلة عمودية واجتياز الجبل وقد فعلوا ذلك. كانوا يتكاثرون بنسق سريع فينجبون سلاحف صغيرة تظل في أسفل السلسلة لكي تتجاوز السلاحف العجوز الجبل وتنعم بحياة أفضل، واستمر ذلك لأجيال متتالية.

لم تكن السلاحف الصغيرة تسأل لم جاءت إلى هذا العالم، ولمَّا مازالت تنضبط لقرارات عائلاتها وبين آلاف السلاحف، لم تجد إحدى السلاحف مبررًا لهذه المعاناة السرمدية ولهذه الصيرورة التراجيدية. فكرت في أنها مسؤولة عن أبنائها إن تكاثرت وخمنت في أن عليها وحدها أن تقرر ما إن وجب عليهم المجيء إلى هذا العالم والانخراط في محاولة تجاوز الجبل أو البقاء هناك في الحيز المجهول البعيد. قضت ساعات وهي تفكر وتفكر وتفكر حتى طرق أبوابها سؤال بسيط: “لكن كيف لهم أن يقرروا إن لم يجيئوا إلى هذا الوجود؟”.

لم يكن للسلحفاة أن تجد إجابة قد تشفي غليلها بعيدًا عن كتب الوجوديين، ولكنها تبنت أفكار البعض منهم واختارت بكل حرية ومسؤولية العيش هنا وعدم التكاثر حتى لا تتواصل المعاناة جيلًا بعد جيل، لكنها كانت في الوقت ذاته تجسيدًا لقول كامو في الطاعون “قد يكون من المخزي أن يكون المرء سعيدًا بمفرده“.

خاتمة

تعاني الوجودية عامة وأعمال سارتر خاصة من تسطيح واختزالية كبيرين يجعلانها فريسة سهلة للنقاد وللإعلام الجاهل بجل مبادئها وقواعدها، ولكن ما حدود هذه الفلسفة ومن كان من معارضيها؟

0

شاركنا رأيك حول "في الوجودية: “لا أحد منّا يختار أن يحل على هذا العالم” هذا ما قالته إحدى السلاحف!"