جيف بيزوس يريد نقل البشر إلى الفضاء لإنقاذ الأرض، فما حقيقة هذا الزعم؟
1

في الخامس من شهر يوليو 2021، أعلن جيف بيزوس استقالته من منصب مدير عام (CEO) لشركة أمازون- وهو المنصب الذي شغله منذ إنشائه للشركة قبل 27 سنة- مع التأكيد على استمراره في ممارسة دوره كرئيس تنفيذي (Executive Chairman) للمساهمة في تطوير أداء الشركة وحل مشاكلها.

بالمقابل، أبدى بيزوس سعادته بهذه الخطوة لأنها ستتيح له فرصة الاهتمام بمبادرات ومشاريع أخرى كان قد أطلقها من قبل، أهمّها شركة الصناعات الفضائية الجوية “بلو أوريجين- Blue Origin” التي أسسها سنة 2000، بهدف تسهيل نقل البشر إلى الفضاء وإنشاء مستعمرات فضائية يسكنها الملايين كبديل عن كوكب الأرض.

جزءٌ من هذه الأهداف قد تحقق بالفعل في العشرين من شهر يوليو 2021- أي بعد أسبوعين فقط من تاريخ الاستقالة- حين انطلق بيزوس على متن الكبسولة “نيو شبرد- New Shepard” في أول رحلة سياحية فضائية له (تَشاركها معه أخوه الأصغر مارك بيزوس، ورائدة الفضاء الأمريكية المتقاعدة والي فانك، وطالب شاب يدعى أوليفر دايمن).

جيف بيزوس يريد نقل البشر إلى الفضاء لإنقاذ الأرض، فما حقيقة هذا الزعم؟
صورة لجيف بيزوس ورفقائه الذين شاركوه رحلته الفضائية السياحية

دامت الرحلة حوالي 11 دقيقة، قد تبدو المدة قصيرة لكنّها على الأرجح أفضل وأجمل دقائق عاشها هؤلاء الأربعة على الإطلاق، فقد عبرت بهم الكبسولة خط كارمان الذي يفصل بين المجالين الأرضي والفضائي، مما مكّنهم من ولوج الفضاء الأسود اللامتناهي ورؤية الأرض من بعيد مثل كرية زرقاء تسبح في المدى.

اقرأ أيضًا: لماذا يتنحى مؤسسو الشركات الكبيرة عن مناصبهم؟

ما قصة جيف بيزوس مع الفضاء؟

عندما كان عمره خمس سنوات، شاهد جيف الصغير على التلفاز – بعينين مفتوحتين من فرط الدهشة- أولى خطوات الإنسان على القمر، ومنذ ذلك الحين وهو يحلم بالفضاء البعيد الساحر ويُراكم الطموحات المتعلقة به.. وقد عبّر جيف بيزوس عن هذا الطموح في حوار له مع صحيفة Miami Herald سنة 1982، قائلا:

أريد بناء فنادق في الفضاء، متنزّهات للتسلية ومستعمرات تتسع لمليوني أو ثلاثة ملايين شخص يكونون في المدار.. كل الفكرة تتمحور حول إنقاذ الأرض؛ الهدف هو القدرة على إخلاء البشر، والكوكب سيتحوّل إلى متنزّه.

مصطلح “المستعمرات الفضائية- Space Colonies” الذي يستعمله جيف بيزوس كثيرًا لوصف المشاريع التي يريد إنجازها على القمر وأماكن أخرى في الفضاء ليس جديدًا بالنسبة للمهتمين بإمكانية الحياة خارج كوكب الأرض، فحلم غزو الفضاء راود عددًا مهمّا من العلماء والكتّاب على مرّ السنين، والفيزيائي الأمريكي “جيرارد أونيل- Gerard O’Neill” أحدهم.

هذا الفيزيائي كان مصدر الإلهام الأكبر لجيف بيزوس فقد كرّس حياته في سبيل الوصول إلى حلول تقنية تدعم تصوّر المستعمرات الفضائية على أمل أن تصير بيتنا القادم، وقد حضّر في سبعينات القرن الماضي خطّة متكاملة تشرح كيفية إنشاء هذه المستوطنات؛ فقد اقترح أن تكون ذات أشكال كروية أو أسطوانية، أن تدور باستمرار لخلق جاذبية اصطناعية، وأن تُصنع من مواد يتم استخراجها من القمر.

جيف بيزوس يريد نقل البشر إلى الفضاء لإنقاذ الأرض، فما حقيقة هذا الزعم؟
لوحة تجسّد تصوّرًا لمستعمرات أونيل في الفضاء

قال جيف بيزوس في خطاب ألقاه منذ سنتين لشرح ما يريد تحقيقه في الفضاء -بتصرّف:

الفكرة عبارة عن عوالم مصّنعة تدور لخلق الجاذبية بالاعتماد على القوة المركزية.. هذه المنشآت ضخمة جدًا، تمتد عبر أميال مترامية، وتحمل كل واحدة منها مليون شخص أو أكثر.

هذا النوع من المستعمرات الفضائية مختلف لأنه سيكون مجهّزًا بوسائل نقل ذات سرعة فائقة، مساحات زراعية ومدن.. يمكن أن تكون إحدى المدن بلا جاذبية لكي تستطيع أن تطير فيها بأجنحتك الخاصة، بعض المدن يمكن أن تكون متنزهات وطنية.. بعض مستعمرات أونيل يمكن أن تحاكي مدن الأرض، كما يمكن اختيار مدن تاريخية وتقليدها بطريقة ما.

هناك إذن عدد لا متناهٍ من الاحتمالات المتعلقة بما يمكن فعله في المستوطنات الفضائية، لكن لماذا كل هذا الهوس بالعيش في الفضاء؟

قال جيف بيزوس:

لقد حان وقت العودة إلى القمر، لكن هذه المرة للبقاء.. سيكون علينا أن نترك هذا الكوكب، وسنفعل ذلك، مما سيجعله مكانًا أفضل.. نريد أن نذهب إلى الفضاء لإنقاذ الأرض.

اقرأ أيضًا: رسميًا.. آندي جاسي على كرسي إدارة أمازون العملاقة

لكن.. هل نحتاج فِعلاً إلى “مستعمرات” جديدة لإنقاذ الأرض؟

جيف بيزوس يريد نقل البشر إلى الفضاء لإنقاذ الأرض، فما حقيقة هذا الزعم؟
صورة مزعومة لكيس بلاستيكي في الفضاء

 هل يجب أن نغادر الكوكب كي ننقذه؟

إذا كان الهدف الرئيسي هو إنقاذ الأرض، فهل الأولى هو إنفاق مليارات الدولارات وعشرات السنين- على الأقل- في سبيل اختراع منشآت قابلة لإيواء البشر في الفضاء.. أم أن الأولوية هي تمويل مشاريع تدعم الازدهار البيئي هنا، واستعمال النفوذ الذي تملكه الشركات العملاقة لتشكيل الضغط على الحكومات وسَنّ قوانين صارمة تحمي الطبيعة وتضيّق على مستغلّيها لجعل الكوكب مكانًا أفضل لمن سيبقى فيه؟

إذ لا مجال لإنكار وجود عدد كبير من الحلول البيئية الجادّة، القابلة للتطبيق خلال حيّز زمني معقول، والقادرة على تغيير المسار الكارثي الذي تتجه إليه الحياة على كوكبنا العزيز دون الحاجة إلى تعليق الآمال على فضاء واسع وبارد، بعيد المنال، يتطلّب الوصول إليه سنوات من العمل الدؤوب وإنفاق مليارات الدولارات، والكثير الكثير من الأمل بأن يكون المبتغى ممكنا حقًا وألا يكون هذا المسعى مجرّد أحلام يقظة جامحة.

وفي هذا السياق، أودّ أن أذكّر بأن عالِم الطبيعة “السير ديفيد أتينبورو– Sir David Attenborough” تحدّث في فيلمه الوثائقي الأخير “حياة على كوكبنا- A Life on Our Planet” عن الوضع الكارثي الذي تمرّ به الأرض، وذكر عددًا من الاستراتيجيات القادرة على تحسين الوضع (مثل: تحديد كمّيات الصيد البحري المسموح بها، وقف الاعتداء على المساحات البرية، والتركيز على تطوير الطاقات المتجددة الصديقة للبيئة، إلخ).، لكن الهرب من الكوكب لم يكن أبدًا جزءًا من الخطة.

ابتكر التكنولوجيا ثم افتح السوق

هناك عقلية متداولة عند روّاد الأعمال تقوم على التركيز على السبق التكنولوجي لتحقيق قفزة نوعية تفتح المجال نحو ابتكارات جديدة، ثم- بعد إكمال هذه الخطوة- تلتفت الشركة إلى الزبائن لتقنعهم بأنهم في حاجة لهذا المنتج الجديد لأنه ضروري لتحسين مستوى حياتهم.. فهل هذا مربط الفرس فيما يتعلّق بالمستعمرات الفضائية؟

هل كل الحكاية تدور إذن حول خلق سوق جديدة تقوم في بدايتها على السياحة الفضائية بإمضاء عدة دقائق خارج خط كارامان مقابل ملايين الدولارات، ثم تتحول تدريجيّا إلى فرصة لكراء شقة في الفضاء؟

بالنسبة لي، هذا أكثر منطقية من التصديق بأن جيف بيزوس يؤمن بأن الجنس البشري الذي أحدث كل هذا الدمار في كوكب الأرض سيحلّ على الفضاء كالملاك النّبيل.. لينقذ الأرض ويحوّل الفضاء إلى جنة!

فما رأيك أنت؟ شاركنا به في التعليقات.

1

شاركنا رأيك حول "جيف بيزوس يريد نقل البشر إلى الفضاء لإنقاذ الأرض، فما حقيقة هذا الزعم؟"