التباعد الاجتماعي
0

منذ أن أعلنت الأمم المتحدة وباء كوفيد 19 جائحةً عالمية، كانت تدابير الإغلاق والتباعد الاجتماعي هي الطريقة الوحيدة للحد من انتشار المرض، ساهمت هذه التدابير في إنقاذ حياة الملايين وخفض عدد الإصابات في الكثير من الأماكن حول العالم.

استجاب الناس لأوامر الإغلاق وحظر التجول التي فُرضت عليهم، لكن هذه الاستجابة كانت مصحوبة بحالةٍ من التذمر، وفي بعض الحالات، رفض الكثيرون تدابير التباعد الاجتماعي والإغلاق بشكلٍ صريح، ولم يلتزموا بارتداء أقنعة الوجه أثناء تواجدهم في الأماكن العامة بحجة أن الحكومة لا تملك الحق في التعدي على حرياتهم الشخصية.

ليس الناس العاديون فقط هم الذين تذمروا من إجراءات التباعد الاجتماعي، فالعديد من المسؤولين دعوا لتخفيف هذه الإجراءات للحد من الخسائر الاقتصادية. وطلب أصحاب المطاعم ودور السينما السماح لهم بالعمل من جديد، فيما تحسّر رجال الدين على إغلاق المساجد والكنائس.

ما الذي ينتظرنا نتيجة التخلي عن إجراءات التباعد الاجتماعي قبل انتهاء عمليات التلقيح؟
متظاهرة في مدينة هنتنغتون بيتش الأمريكية تحتج على أوامر البقاء في المنزل للحد من انتشار فيروس كورونا

المشكلة الرئيسية ليست في الإغلاق الذي تم فرضه للحد من انتشار المرض، ولكن في مدته، فحتى الآن، لا يعرف أحد إلى متى ستستمر إجراءات التباعد ومتى سنتمكن من العودة لحياتنا الطبيعية، وما زاد الأمر تعقيدًا هو الارتفاع في أعداد الإصابات مجددًا بسبب انتشار المتحور دلتا في أماكن كانت كل المؤشرات تشير إلى أنها قد أصبحت آمنة وستعود إلى طبيعتها.

يقول الدكتور ألكسندر نافارو Alexander Navarro، وهو مدير مساعد في مركز تاريخ الطب بجامعة ميشيغان الأمريكية، إن كل ما يحدث في عام 2021 خلال جائحة كورونا يبدو مألوفًا وقد تكرر خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، وبصفته باحثًا ومؤرخًا في مجال الطب، يؤكد الدكتور نافارو أن حالة التذمر من إجراءات التباعد الاجتماعي ورفض الالتزام بها ثم إلغاءها خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية قد أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح كان من الممكن تجنبها.

اقرأ أيضًا: سيل من النصائح لتجاوز تبعات التباعد الاجتماعي .. ما الأفضل برأي العلم والفلسفة؟

هل نحن جاهزون للعودة للحياة الطبيعية؟

مثل جائحة كوفيد 19 التي نشهدها الآن، انتشرت جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 بشكلٍ مفاجئ وبسرعة، وخلال عدة أسابيع فقط، تم تسجيل أعداد كبيرة من الإصابات في كل المناطق، ما دفع بعض الحكومات إلى فرض الإغلاق للحد من انتشار المرض.

في الولايات المتحدة الأمريكية، ساهمت أوامر الإغلاق في خفض عدد الإصابات بالإنفلونزا الإسبانية إلى حد كبير، بنفس الطريقة التي ساهمت فيها إجراءات الإغلاق في خفض عدد الإصابات بكوفيد 19، وبعد عدة أسابيع من الإغلاق وفرض تدابير التباعد الاجتماعي، تم تسجيل عدد قليل جدًا من الإصابات الجديدة، وبدا أن الوباء قد اقترب من نهايته وأن الحياة ستعود لطبيعتها كما كانت قبل انتشار المرض.

لكن وكما يحدث الآن، واجهت الحكومة صعوبةً في إقناع الناس بضرورة الاستمرار في اتباع تدابير التباعد الاجتماعي وتجنب مخالطة الآخرين. فالكثير من الناس بدأوا يتذمرون ويطالبون بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، وضغطت الشركات على المسؤولين للسماح بإعادة فتح أبوابها.

استجابت الحكومة للضغوطات وقررت إلغاء التدابير الاحترازية التي فرضتها، وبدا الوضع وكأنه اندفاع متهور للعودة إلى الحياة الطبيعية. تم فتح المرافق العامة التي شهدت إقبالًا غير مسبوق، وتم تنظيم العديد من الأحداث الرياضية والتجمعات الدينية، واحتشد الناس في دور السينما وصالات الرقص، وخرجت العائلات للتنزه في أيام العطل. باختصار، كان الجميع متحمسًا للعودة إلى الحياة الطبيعية كما كانت قبل الوباء.

ما الذي ينتظرنا نتيجة التخلي عن إجراءات التباعد الاجتماعي قبل انتهاء عمليات التلقيح؟
تخلى الناس عن ارتداء أقنعة الوجه بمجرد أن لاحظوا انخفاض عدد الإصابات بالأنفلونزا الإسبانية

اعترض الكثير من المسؤولين الصحيين على العودة للحياة الطبيعية، وحذروا المسؤولين الحكوميين من أن الوباء لم ينتهِ وأن إلغاء تدابير التباعد سيؤدي إلى عودة انتشار الوباء وزيادة أعداد الوفيات خلال عدة أشهر، لكن رد المسؤولين السياسيين كان كالتالي: “يجب إعادة فتح البلاد للحد من الخسائر الاقتصادية، الحماية من المرض هي مسؤولية الفرد أيضًا وليست مسؤولية الحكومة فقط”.

وكما كان متوقعًا، عاد الوباء إلى الانتشار، وتحول إلى موجة مميتة استمرت في شتاء 1918 – 1919 وتسببت في موت الملايين، وعاد وانتشر مرةً أخرى كموجة مميتة في شتاء عام 1919 – 1920.

على الرغم من استمرار الوباء وموت الملايين، اعتاد الناس على ذلك، وسرعان ما أصبحت أخبار الوفيات بالأنفلونزا الإسبانية غير مهمة. وتحولت التقارير الصحفية الطويلة التي كانت تحتل الصفحات الأولى من الصحف والمجلات إلى أخبار قصيرة مهملة. وكان الناس غير مستعدين للعودة إلى تدابير الإغلاق والتباعد اجتماعيًا واقتصاديًا.

يقول الدكتور نافارو إن إلغاء تدابير التباعد خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية هو أمر مبرر، فالأمة الأمريكية كانت متحمسة للاحتفال بنهاية الحرب العالمية الأولى. كما كانت الكثير من الأمراض الأخرى تسبب موت مئات الآلاف كل عام، مثل الدفتيريا والحصبة والسل والتيفوئيد والسعال الديكي والحمى القرمزية والالتهاب الرئوي. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن العامل المسبب لمرض الإنفلونزا الإسبانية معروفًا، والعديد من الخبراء كانوا غير مقتنعين بأن تدابير التباعد الاجتماعي لها تأثير على انتشاره. أخيرًا، لم تكن اللقاحات الفعالة ضد الإنفلونزا الإسبانية متوفرة. هذا يعني أن الناس لم يعرفوا متى سيكونون قادرين على العودة لحياتهم الطبيعية.

الآن وبعد قرن على انتشار وباء الإنفلونزا الإسبانية، نواجه جائحة مماثلة تسببت في موت الملايين، وقد تؤدي لموت ملايين آخرين إذا استمرت في الانتشار، لكن الاختلاف بين جائحة الإنفلونزا الإسبانية وجائحة كوفيد 19 هو أننا نعرف الفيروس المسبب لمرض كوفيد 19، ونعرف أيضًا فائدة ودور التباعد الاجتماعي في الحد من انتشاره، كما نملك أدوات وقاية وتعقيم يمكن أن تحمينا، وتمكن الباحثون والعلماء خلال فترة قياسية من تطوير عدة لقاحات أثبتت أنها آمنة وفعالة في الوقاية من المرض، لهذا السبب، نحن نعرف الآن إلى متى يجب أن تستمر إجراءات التباعد الاجتماعي، هذه الإجراءات يمكن إنهاؤها بأمان ودون قلق عندما يحصل الجميع على اللقاح، بهذه الطريقة فقط نستطيع تجنب المأساة التي حصلت قبل قرن وضمان عدم تكرارها.

اقرأ أيضًا: وسائل التباعد الاجتماعي

0

شاركنا رأيك حول "فكّر جيدًا: ما الذي ينتظرنا نتيجة التخلي عن إجراءات التباعد الاجتماعي قبل انتهاء عمليات التلقيح؟"