مختصر تطور تاريخ النقود - تطور العملات في العالم
2

النقود البلاستيكية تدخل حيز التداول في مصر فئة 10 و 20 جنيهًا مصريًا خلال الربع الأخير من 2021.. هكذا أعلن محافظ البنك المركزي المصري أن الأوراق النقدية البوليمرية Polymer Banknote (أي المصنوعة من مادة البوليمر البلاستيكية الرقيقة صديقة البيئة) ستنتج لأول مرة داخل مصر وبمواصفات أمان هي الأحدث عالميًا، ليتم تداول عملة البوليمر المصرية الجديدة جنبًا إلى جنب مع نظيرتها من فئات الأوراق النقدية السائدة والأكثر تداولًا بين الأفراد؛ في خطوة تهدف إلى التحول التدريجي نحو تبني العملات البلاستيكية داخل البلاد.

الاختراع الأكثر استخدامًا في الحياة

تعريف النقود في أدبيات الاقتصاد - ما هي الأوراق النقدية البوليمرية

قبل الحديث عن عملة البوليمر المصرية الجديدة وشرح ماهية النقود البلاستيكية Plastic Money وتطور أشكال النقود في وقتنا الحالي، هل سألت نفسك أولًا: ما هو أهم اختراع عرفته البشرية بعد الطباعة والإنترنت؟ إنها النقود يا عزيزي القارئ، أحد أهم الاختراعات البشرية، بل وأقدمها وأكثرها استخدامًا في تسيير كافة الأمور في الحياة اليومية.

نحن نستقطع جزءً كبيرًا من وقتنا من أجل كسبها والحصول عليها وادخارها استثمارها، واستخدامها في تسوية وسداد العمليات التجارية، حيث يعتبر تبادل السلع والخدمات في الأسواق من بين الأنشطة التجارية والاقتصادية الأكثر شمولية في حياة الإنسان.

كما غدت اقتصاديات الدول الحديثة والمتطورة في كافة أرجاء العالم اقتصاديات نقدية، حتى باتت اقتصاديات النقود هي تقريبًا اقتصاديات النظام الرأسمالي العالمي، بعدما ازدهرت الحياة النقدية لتسهيل التبادل التجاري والاقتصادي؛ نتيجة الاعتماد على مذهب الملكية الخاصة الفردية لعوامل الإنتاج، مما يقتضي السعي وراء تحقيق وكسب وتعظيم الربح النقدي. وعليه، تعد النقود الأداة المستخدمة لتقدير الأثمان وفقًا لآليات التفاعل بين العرض والطلب على السلع والخدمات المختلفة، أو ما يعرف بنظرية جهاز الثمن الرأسمالية.

اقرأ أيضًا:

تعريف النقود في الأدبيات الاقتصادية

طوال الوقت كان هناك جدل بين اللغويين والفلاسفة وكبار المفكرين ورجال الاقتصاد على وضع تعريف محدد وشامل يصف طبيعة الأموال والنقود، فيقول عنها أرسطو الفيلسوف اليوناني الشهير:

«إن المـال هو ما يضمن لنـا امتلاك ما نريـده في المستقبـل، ورغم أننا قد لا نحتاج إلى شـيء في الوقت الحاضر، فإن المـال يضمن إمكانية تلبية أي رغبة جديـدة حين تنشـأ».

فيما نجد أن ابن خلدون يقول في مقدمته الشهيرة عن النقود:

«إن الله تعالى خلق الحجريـن (يقصد الذهب والفضة) قيمة لكل متمـول وهما الذخيـرة والقنيـة (يقصد مقيـاس للثروة ومستـودع لها ووسيط للتبادل في المعامـلات) لأهل العالم».

أمّا في اللغة العربية تعرف النقود بأنها:

«القبـض أي الدفـع حالًا فيقال: نقده الدراهم أي أعطاه إياها، فانتقدها أي قبضها».

وفي الأدبيات الاقتصادية النقود هي أي شيء يمكن استخدامه ويستقر الناس عليه بصفة عامة كوسيلة مقبولة للتبادل مقابل الحصول على مجموعة سلع وخدمات أخرى (أي يختارون شيئًا مقبولًا على نطاق واسع ليكون نقودًا، بمعنى وسيلة للدفع)، فعندما يستخدم الناس شيئًا ما كوسيلة للتبادل، يصبح هذا الشيء نقودًا، فإذا بدأت مجموعة من الأفراد في قبول كرات لعبة البيسبول كوسيلة دفع للحصول على معظم السلع والخدمات، فستكون كرات البيسبول هذه بمثابة نقود لدى هؤلاء الأفراد.

وبالتالي يمكن تعريف النقود بمفهومها الاقتصادي النظري بأنها:

«أي شيء يحظـى ويلقى قبولًا عامًا بحكم القانون (أو العرف المتبع فيه) للاستخدام كوسيـط للتبادل ومقياسًا بجانب قبوله كوحدة حسـاب ومستودعًا ومخزنًا للقيمة وأداة لتسوية المدفوعـات الآجلة بين أفراد المجتمع الواحد».

ويلاحظ في هذا التعريف ما يلي:

  • استخدام كلمة (أي شيء)، فقد تكون النقود سلعية أو ورقية أو أي شيء آخر.
  • ضرورة القبول العام لها، وبالتالي ليس من الضروري أن يكون لها قيمة ذاتية، بل يكفي أن تلقى القبول العام خلال التعامل بها.
  • يقتصر التعريف على كون النقود وسيط للتبادل ومقياس للقيمة، حيث يمثلان الوظيفتان الأساسيتان للنقود.

بحكم جميع ما سبق، نجد أن ماهية النقود يحددها في النهاية أفراد المجتمع وما يفعلونه بها، حيث تستمد النقود قيمتها بحكم وظائفها الثلاث الأساسية: (كوسيط للتبادل، وحدة قياس/حساب، ومخزن للقيمة/الثروة على المدى الطويل).

هل تتخيل الحياة في عالم بلا نقود؟

عالم بلا نقود

النقود في حد ذاتها في كيانها الملموس ليس لها أي قيمة فعلية تذكر (فسواء كان الورق المستخدم في طباعة النقود وفق نسب مزج محددة من القطن والكتان أو رقائق البلاستيك المستخدمة في صناعة عملة البوليمر المصرية، ليس لها قيمة خاصة)؛ بينما قيمتها تكون رمزية تترجم من خلال الأهمية التي يوليها أفراد المجتمع لها.

وهو ما كان يتبلور قديمًا في الفكرة القائم عليها نظام المقايضة Barter System كأول نظام للمبادلة عرفته البشرية على الأقل قبل نحو 3000 عام، وكان يتم بموجبه التبادل السلعي بدون وسيط في المجتمعات البدائية القديمة أو البسيطة المعتمدة على الاكتفاء الذاتي، وعن ذلك نجد آدم سميث عراب مبادئ علم الاقتصاد يقول:

«إن الإنسـان بطبعـه مدفوع إلـى المبادلـة».

في عصرنا الحالي، نأخذ الآن قدرتنا على الدفع بالبطاقات الائتمانية كأمر مسلم به. ومع ذلك، في أجزاء أخرى من العالم، لم ينشأ “اقتصاد بطاقة الائتمان” في البلدان المتخلفة اقتصاديًا، والتي ليس لديها تاريخ من الاستقرار الاقتصادي، يمكننا النظر إليها بتمعن لفهم أهمية النقود كوسيلة للتبادل في ظل الاقتصاديات الحديثة من خلال النظر إلى فرضية إمكانية عدم وجودها في حياتنا المعاصرة، وطرح سؤال: ماذا لو استيقظنا لنجد العالم وقد أصبح بلا نقود؟

هو ما حدث بالفعل خلال العام الأول لأزمة تفشي وباء كوفيد-19، في قرية أريالور التابعة لولاية تامل نادو والواقعة في جنوب الهند، وظهور العديد من التداعيات الاقتصادية بسبب الإغلاق الكامل والحجر الصحي والقيود المفروضة على حركة التنقل.

بعدما أنفق معظم أهالي قرية أريالور الريفية النائية الفقيرة أموالهم الضئيلة، وأصبحت فرصهم في الحصول على عمل معدومة، ولم يستطع المزارعون بيع المحاصيل، وجدوا أنه من الأسهل العودة للنظام البدائي، وشراء وتبادل السلع الأساسية مثل الخضروات والأرز والفلفل الحار باستخدام نظام المقايضة، حيث أثبتت الجهود المبذولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي أنها مفيدة للقرويين بسبب الإغلاق لمواجهة التحدي المتمثل في الاكتفاء الذاتي مع اتباع قواعد التباعد الاجتماعي.

اقرأ أيضًا:

وبالرجوع بالزمن إلى الوراء قليلًا، أثناء عقد الثمانينات من القرن المنصرم، وتحديدًا في دولة رومانيا إبان سيطرة الحزب الشيوعي فيها، كانت وقتها ماركة السجائر الأمريكية الشهيرة “كنت Kent Cigarettes” تُستخدم كوسيلة للتبادل بين أفراد المجتمع وقتها.

وهكذا، قد ينجح نظام المقايضة لفترة من الزمن، في ظل الظروف الاستثنائية والمجتمعات البدائية البسيطة المغلقة على نفسها، والتي تقوم على أساس مبدأ الاكتفاء الذاتي، غير أن هذه العمليات التجارية القائمة على المبادلة قليلة الأهمية في الاقتصاديات الكبرى الحديثة والمتطورة، نظرًا لصعوبة تنظيمها. وعدم صلاحية ذلك لملاحقة تطور الركب الاقتصادي والحضاري في المجتمعات المتطورة؛ نتيجة تعدد وتنوع وتجدد حاجات ومتطلبات وأذواق أفرادها وعدم قابلية بعض السلع محل عملية المبادلة للتجزئة والتخزين، ومن ثم ظهرت أكثر الحاجة إلى تسهيل عملية التبادل التجاري وتوحيد القيمة.

لكن، إذا كان من الممكن استخدام علب السجائر وكرات البيسبول وحبات الفلفل الحار كوحدات من النقود (مدى توافر شرط القبول العام كوسيلة للتبادل)، هناك سؤال أخر يطرح نفسه بالتبعية، وهو: كيف تطورت أشكال النقود في وقتنا الحاضر حتى وصلنا إلى عملة البوليمر الأحدث؟

مختصر تاريخ تطور أشكال النقود

مختصر تطور تاريخ النقود - تطور العملات في العالم - من العملات الذهبية إلى الأوراق النقدية البوليمرية

إن التغيرات في طريقة استخدام الناس للمال أدت إلى خلق أنواع جديدة من النقود، وغيرت طريقة قياس قيمتها ومواد تصنيع العملات عبر الزمن، من الجلود في الصين خلال عهد أسرة هان، إلى الأصداف والمعادن الثمينة والأوراق القطنية المخلوطة بالكتاب، ومؤخرًا البلاستيك.

قديمًا، في البدايات الأولى لنشأة المجتمعات القائمة على التجارة، ومع الاستغناء عن نظام المقايضة، لجأ الأفراد إلى استخدام السلع كنقود لها قيمتها الذاتية المستمدة من صفتها كسلعة وكان منها البهارات والتوابل وأصداف البحر والبن والقمح والملح، ثم استقر بهم الحال على استخدام الذهب والفضة كشكل متطور من النقود السلعية. فيما بعد تم سك النقود المعدنية الذهبية والفضية بقيم ومعايير وأوزان محددة وموحدة، وتشير المصادر التاريخية إلى أن يوليوس قيصر هو أول من سك صورته على قطع النقود الذهبية.

بعدها تم الانتقال إلى النقود الورقية، هي مستمدة من فكرة أوراق الرهن التي كان يصدرها رجال الصاغة مقابل الودائع الذهبية المودعة لديهم قبل تأسيس البنوك، وكانت هذه الأوراق تتداول بين الأفراد، ومنها ظهرت فكرة البنوك المصرفية أيضًا. ونتيجة للرقمنة وظهور الإنترنت، ظهرت النقود الإلكترونية في صورة بطاقات الدين والدفع المسبق، وحاليًا لدينا العملات الرقمية.

ومحليًا، استخدمت مصر العملات الذهبية والفضية حتى عام 1834 ، عندما ظهر الجنيه المصري، حيث تم إنشاء الجنيه المصري كعملة ورقية يتم تداولها لأول مرة عام 1834. في 3 أبريل 1899، أصدر البنك الأهلي المصري عملات ورقية متعددة الفئات لأول مرة في مصر.

الأوراق النقدية البوليمرية

في عصرنا الحالي، تنقسم النقود من حيث معيار المادة المصنوعة منها إلى ثلاث تصنيفات رئيسية: (نقود معدنية – نقود ورقية – نقود بلاستيكية). فمنذ عقد الثمانينات من القرن المنصرم، دخلت عملة البوليمر حيز التداول كنقد لأول مرة في العالم عام 1988 داخل دولة أستراليا، بعد التجربة الناجحة، تم إصدار عدد كبير من العملات الورقية البلاستيكية في جميع أنحاء البلاد، كما تستخدمها العديد من الدول الأوروبية (اسكتلندا – نيوزيلندا – كندا) منذ سنوات بشكل فعال، ومن الدول العربية كان لدولة الكويت السبق في استخدامها.

بالرجوع إلى حديثنا عن عملة البوليمر كشكل من أشكال تطور النقد في العصر الحديث، قد يخطئ الكثيرون في الاعتقاد بأن النقود البلاستيكية المتمثلة في عملة البوليمر تدخل ضمن نطاق تصنيف النقود الإلكترونية أو ما يعرف بالبطاقات البلاستيكية، مثل: كروت الدين وبطاقات الخصم الفوري.

عملة البوليمر أفضل من العملة الورقية

النقود البلاستيكية - العملة الجديدة من الأوراق النقدية البوليمرية فئة 20 جنيهًا مصريًا
نموذج للعملة الجديدة من الأوراق النقدية البوليمرية فئة 20 جنيهًا مصريًا (تصميم مبدئي/المصدر: بيان البنك المركزي المصري)

في ظل وجود اقتصاد موازٍ وعمر أقل لأوراق العملة الورقية، قررت الدولة المصرية الدخول لعصر تداول البوليمر، وهناك عدة أسباب وجيهة تدعم خطوة الانتقال من النقود الورقية إلى النقود البلاستيكية، بحسب ما تقره البنوك المركزية في الدول التي تستخدم الأوراق النقدية البوليمرية نجد إجماع الرأي على أن:

  1. الأوراق النقدية البلاستيكية أكثر نظافة مع طول مدة الاستخدام والتداول بين الأفراد، فمن حيث المظهر الجمالي عملة البوليمر مصنعة من رقائق بلاستيك لامع لا يتبلل أو يتسخ وأكثر مقاومة للرطوبة، ومن ناحية أخرى كشفت دراسة حديثة نسبيًا تم إجراؤها على النقود الورقية المصرية أن أكثر من 65٪ منها يحتوي عدد بكتيري أعلى بمقدار خمس مرات لكل 2 سم.§
  2. الأوراق النقدية البلاستيكية أكثر توفيرًا للطاقة غير أنها تستغرق وقتًا أطول للتحلل البيولوجي، لكنها صديقة للبيئة وقابلة لإعادة التدوير والاستخدام، ففي نهاية دورة حياة النقود الورقية يتم فرمها، والتخلص منها في مكبات النفايات، في حين يتم إعادة تدوير الأوراق النقدية البوليمرية في تصنيع سلع بلاستيكية.
  3. الأوراق النقدية البلاستيكية تدوم لفترة أطول، وعمرها الافتراضي أعلى بمقدار 2.5 مرة من النقود الورقية، وأكثر قوة ومتانة ومقاومة للتلف والماء ويصعب تمزيقها بسهولة؛ مما يقلل من الهالك وتكلفة استبدال الأوراق النقدية بأخرى جديدة.
  4. الأوراق النقدية البلاستيكية يصعب تزويرها وتزييفها، فهي على عكس العملة الورقية تتمتع بطبقات أمان إضافية، تم دمجها بتقنيات تصنيع متطورة، مع تصميم مطبوع على طبقات خاصة من الحبر في الأمام والخلف، ونظرًا لأن المادة الرئيسية المصنوع منها عملة البوليمر مرنة وشفافة ورفيعة جدًا، يمكن أن يتضمن التصميم نقاطًا واضحة تشبه النوافذ الصغيرة التي يمكن الرؤية من خلالها.
  5. الأوراق النقدية البلاستيكية تمتلك ميزة رائعة تخص التداول في البلدان ذات المناخ الحار، حيث تستطيع تحمل درجات الحرارة المرتفعة جدًا، يمكن أن تصل قوة تحملها للحرارة إلى 140 درجة، مايحميها من أثر التلف بالأيدي المتعرقة، كما لا تمتص الأوراق النقدية البوليمرية الرطوبة.

وهكذا، نجد أن تطور المجتمعات وشيوع التبادل التجاري كنشاط رئيسي فيها يحتم على اقتصاديات العالم- والتي هي اقتصاديات نقدية في أساسها- ضرورة الاستجابة لها، وهو ما قامت به بمصر بشأن إدخال عملة البوليمر حيز التداول كشكل من أشكال تطوير النظام النقدي بها.

2

شاركنا رأيك حول "عملة البوليمر: كيف تطورت أشكال النقود من الذهب إلى البلاستيك؟"