حرائق الغابات - حرائق تركيا
0

مثيرة جدًا هي الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة بشدة حول الحرائق الخارجة عن السيطرة التي تحدث في مناطق مختلفة بدول تركيا واليونان وإيطاليا في الوقت الحالي. مثيرة ومخيفة في نفس الوقت، فكرة تحول اللون الأخضر الزاهي إلى الرمادي تعتبر فكرة كابوسية جديرة بأفلام الرعب أكثر من محاولة التعامل معها على أرض الواقع.

الحقيقة أن الحديث عن حرائق الغابات جعلني أعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، إلى المرة الأولى التي قرأت فيها عن نظرية نشأة الكون في الأساطير الإغريقية القديمة، حيث اعتقدوا قديماً أن الكون نشأ من تبعثر “كاوس” أو ربة الكون في الفراغ اللانهائي مكونة العالم بصورته الأولى، وناشرةً فيه أجزاءها من قوى الطبيعة الأربع (الماء والهواء والتراب والنار). لتبدأ الحياة بالتبادل مع هذه القوى من إيجاد طريقها والتقدم مع تواجد الإنسان الأول. الأمر الذي يذكرني بنظرية “الانفجار العظيم” التي تذكر بتفسير نشأة الكون الأولى، وهي نظرية تلقى قبولًا واسعًا في الفيزياء حتى اللحظة الحالية.

يحكى في الأساطير الإغريقية أنه وبعد أن انتهى الصراع بين “التيتان” العمالقة واستقر الآلهه في جبل الأوليمب، بدأ البشر في تفسير العديد من الظواهر الطبيعية على أنها من فعل آلهة الأوليمب، أو أن بعضها ما هي إلا ردود فعل لهم أثناء صراعهم الدائم مع بني البشر وحرائق الغابات كانت إحدى هذه الظواهر، فلقد لجأ بعضهم في ذلك الوقت لتفسير حرائق بعض الغابات غير المبررة على أنها بسبب غضب “هيفسيتوس” إله النار الذي يستقر تحت الأرض السابعة ويعمل على رفع درجة حرارة الأرض كلما اشتد الخلاف بينه وبين زوجته (أفروديت)، التى تزوجته مرغمة وترفض البقاء معه في أعماق الأرض!

أذكر هذه القصة الآن لتصحيح بعض المعتقدات بأن حرائق الغابات ظاهرة حديثة بسبب الاحتباس الحراري وارتفاع درجة الحرارة على سطح الكوكب. لكن الحقيقة أنه اعتقاد خاطىء بالمرة حيث تشير الدلائل العلمية إلى أن حرائق الغابات بدأت بعد فترة وجيزة من ظهور النباتات الأرضية قبل 420 مليون سنة!

اقرأ أيضًا: تاريخ للأرض ستكتبه النار .. تعرف على حرائق الغابات في استراليا

الأرض كوكب قابل للاشتعال!

في الأصل يعتمد حدوث حريق الغابات على نوع الغطاء النباتي الموجود في المنطقة، وهو عبارة عن حريق غير مرغوب فيه وغير مخطط له وغير قابل للسيطرة في منطقة نباتات قابلة للاحتراق، وتبدأ عادة في المناطق الريفية النائية حيث تزداد كثافة النباتات، وقد تصل مع انتشار الحريق إلى المناطق الحضرية محدثةً خسائر في الممتلكات والأرواح.

تشير الدراسات إلى أن حدوث حرائق الغابات على مدار تاريخ الحياة الأرضية يدعو إلى الاعتقاد بأن حدوث الحريق قد يحمل تأثيراً تطورياً واضحاً على النباتات والحيوانات في معظم النظم البيئية. أي أن ما يحدث بشكلٍ طبيعي في الحياة دائماً ما يحمل بعداً خفياً يفيد بشكل ما النباتات والنظام البيئي، فالأرض كوكب قابل للاشتعال في جوهره بسبب غطائه النباتي الغني بالكربون، والمناخ الجاف موسمياً، والأكسجين الجوي، وانتشار البرق والاشتعال البركاني.

العامل الأقوى في حدوث حرائق الغابات

تُظهر تحليلات بيانات الأرصاد الجوية التاريخية وسجلات الحرائق الوطنية في غرب أمريكا الشمالية أولوية المناخ في إشعال الحرائق الإقليمية الكبيرة عبر الفترات الرطبة التي تخلق قابليةً شديدة للاشتعال، أو الجفاف الشديد الذي يطيل فترة الطقس الحار. أظهرت تحليلات متغيرات الأرصاد الجوية بشأن مخاطر حرائق الغابات أنه يمكن استخدام الرطوبة النسبية أو هطول الأمطار كمؤشرات جيدة للتنبؤ بحرائق الغابات على مدى السنوات العديدة الماضية.

أشهر حرائق الغابات عبر التاريخ

حرائق الغابات
حرائق غابات الأمازون عام 2019

تُعد كارثة احتراق غابات الأمازون التى حدثت عام 2019 من أشهر حوداث احتراق الغابات على مدى التاريخ، والتي استمرت لعدة أسابيع قضت خلالها على نسبة كبيرة من مساحة الغابات الاستوائية المطيرة المهمة جدًا للحفاظ على توازن النظام البيئي في المنطقة بشكل عام.

بعدها قامت بعض المواقع برصد أشهر وأعنف حرائق للغابات على المدى الزمني القريب واضعةً حريق غابات “التايجا” في سيبيريا عام 2003 في المركز الأول، حيث بلغت رقعة الأرض المحترقة في غابات التايجا بسيبيريا حوالي 46 مليون فدان (460 ألف كيلو متر مربع)، وهي المساحة الأضخم حول العالم في تاريخ الحرائق حول، وبعدها أثبتت الدراسات أن هذا الحريق كان من ضمن العوامل المسؤولة عن تردي وضع طبقة الأوزون.

اقرأ أيضًا: حرائق غابات الأمازون: هل هي إيذان ببدء النهاية؟

الوضع الحالي في العالم

منذ أيام انتشر تريند (ساعدوا تركيا- تركيا تحترق) على كل مواقع التواصل الاجتماعي، والحقيقة أن ما يحدث لا يحدث في تركيا فقط ولا يحدث للمرة الأولى بطبيعة الحال. ولكن ما ساهم في انتشار التريند هو خروج الأمور عن السيطرة وسرعة انتشار الحرائق، مما جعل قوى الدولة الإطفائية تعجز عن تدارك الأمر.

أعلنت السلطات هناك عن تمكنها من السيطرة على أكثر من 130 حريقًا اجتاحت جنوب تركيا ودمرت منتجعات ساحلية، مجبرةً السياح على الفرار عن طريق البحر بمساعدة خفر السواحل على مدى الأيام القليلة الماضية. فيما وُصف أنها أزمة الاحتراق الأسوأ التي تواجها تركيا منذ عقد كامل، حيث انتشرت الكثير من الصور ومقاطع الفيديو المؤثرة للخسائر المفجعة على مستوى الممتلكات والأرواح.

وبغض النظر عن الجدل السائد حول سبب الحرائق الحقيقي وعن إمكانية وجود عوامل بشرية قد تكون سببًا في انتشار الحرائق وصعوبة السيطرة عليها على النحو الحالي، فإننا نظل أمام وضع إنساني يدعو للتأمل والتفكر في الحياة وسرعة التغير التي تطرأ على الأوضاع بشكل يخطف الأنفاس، وقوة النار التي يصعب على الإنسان مواجهتها مثلها مثل باقي قوى الطبيعة التى منها ينشأ كل شيء وإليها ينتهي أي شيء.

0

شاركنا رأيك حول "حرائق الغابات في تركيا وإيطاليا وغيرها، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة: الأرض كوكب قابل للاشتعال"