كلب الاكتئاب الأسود: هل الأمر يقتصر على التغيرات المزاجية فقط؟
0

“ان كنت لا تراه لا يعني أنه غير موجود”

هو شعار حملة للتوعية ضد مرض الاكتئاب تحت عنون “وجه الاكتئاب- depression face” انتشرت من فترة وشارك بها العديد من الأفراد المصابين به بالفعل. وتهدف الحملة إلى الإشارة إلى أن الشخص المكتئب ليس بالضرورة أن تكون هيئته مزرية وحزينة. فهيا نذهب معًا في جولة في أعراض الاكتئاب.

قبل البدء: ماهو الاكتئاب؟

يعرف الاكتئاب على أنه: “اضطراب عام في المزاج يسببه خلل في الهرمونات، مما يؤدي إلى شعور متواصل بالحزن وفقدان الرغبة والاهتمام مع شعور دائم بالذنب وضعف تقدير الذات”.

والحقيقة أنه يتم تشخيص مرض الاكتئاب وفقًا لجملة من الأعراض يحددها الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس DSM 5 الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين يجب أن تستمر على الأقل لمدة أسبوعين. تنقسم الأعراض بين جسدية ونفسية يمكنك التعرف عليها جميعًا من هنا.

من ضمن الصورة النمطية المنتشرة عن المكتئبين هو الحزن الشديد والأفكار الانتحارية والبكاء، ولكن هناك جانب آخر مهم من الأمر قد لا يكون واضحًا للجميع، وفي الأغلب من الصعب على من لم يختبره شخصياً أن يتفهمها.

الاكتئاب

علاقة الاكتئاب كمرض نفسي بالحالة الجسدية

ما يحدث داخل حركة الهرمونات في الجسم عند مصابي الاكتئاب هو اختلال في حركة الهرمونات المسؤولة عن التحفيز، السعادة، الدافعية للإنجاز وكذلك تسكين الألم، هذا الاختلال بالإضافة إلى اضطرابات المزاج يؤدى إلى أعراض جسدية مؤلمة للغاية. فمثلًا نقص إفراز هرمون الكورتيزول المسؤول عن تسكين الألم يؤدي إلى الشعور بأبسط الآلام التي يتعرض لها الجسم مثل الصدمات، حتى الحركة البسيطة تؤلم بشدة. في العادة يتمركز هذا الألم في الرقبة، الظهر، الركبة والكاحل وبشكل عام المفاصل.

كذلك نقص هرمون الدوبامين، واحد من هرمونات السعادة المعروفة، مسؤول كذلك عن جزء من النشاط الحركي كما أنه مسؤول عن انتظام حركة النوم. الحقيقة أن اضطراب النوم من أهم الأعراض المميزة للاكتئاب، قد يكون الاضطراب في هيئة إسراف في النوم يصل لـ 20 ساعة يوميًّا أو أرق مزمن يميزه سهر لوقت متأخر من الليل والاستيقاظ مبكرًا في ساعة محددة تقريبًا.

والحقيقة أن هذا- اضطراب النوم- من أسوأ أعراض الاكتئاب، لأنه في الحالتين يؤدي إلى إرهاق عام لا يفارق المريض، مع كوابيس يصيغها المخ بالمخاوف التي يعاني منها الإنسان كنوع من أنواع إيذاء الذات وكجزء من دائرة كبرى من الإحساس الدائم بالذنب. واستكمالًا للألم هناك الصداع، حفلة شواء عنيفة لـ خلايا مخك نفسها بداخل رأسك لا تهدأ أبدًا، ويرجع هذا الصداع إلى العديد من الأمور منها بالتأكيد اضطراب النوم.

اقرأ أيضًا: القتال أو الهروب.. استراتيجيات الدماغ للتعامل مع فترات الامتحانات

الاكتئاب: دائرة مؤلمة مغلقة

الهرمون الثالث الذي يؤثر في الاكتئاب وأهمها هو “السيروتونين” المعروف بهرمون السعادة، وكالعادة مسؤول عن أكثر من وظيفة نفسية وجسمية، وأما عن الوظائف النفسية فهو يحفز الفرد على الاستمتاع والشعور بالرغبة وبالأخص الجنسية. وأما عن الأعراض الجسدية فبالإضافة لما يقوم به هرمون الدوبامين فإن السيروتونين مسؤول عن عملية مهمة في الجسم وهي حركة الأمعاء، فـ يعتبر هذا الهرمون العامل الأساسي الذي يحرك الأمعاء وينظمها.

اضطراب إفراز السيروتونين في الجسم يؤدي إلى عرض مميز آخر للاكتئاب وهو اضطراب الأكل سواء بالزيادة أو النقصان. وبالأخص عندما يتعلق الأمر بنقصان الأكل فيكون الأمر بالفعل عبارة عن دائرة مفرغة، يعاني المريض من فقدان الشهية لأيام عديدة تؤدي إلى نقص الطاقة والحيوية بسبب نقص الغذاء وبالتالي تؤدي إلى حالة عامة من الإجهاد، الصداع، الحركة بصعوبة؛ وهكذا في دائرة من ألم قد يبدو للمريض لا ينتهي، إلا بانتهاء حياته!

لو لم تختبر مرض الاكتئاب مسبقا- عفا الله أبدان وأنفس الجميع- سيكون هذا التخيل صعبًا، ولكن حاول معي عزيزي القارئ أن تتخيل شخصًا يعاني من ألم في مفاصل وعضلات جسده مع كل خطوة تقريبًا، الأمر الذي يجعل في الأساس تخيل فكرة مغادرة الفراش نفسها مؤلمة، اضطراب في النوم يؤدي إلى صعوبة في التركيز ودوخة في أغلب الأوقات، بالإضافة إلى فقدان شهية وآلام في المعدة. كل هذا بعيدًا عن الأفكار والمشاعر التي سنتطرق لها فيما بعد، تخيل مع كل هذا كم سيكون من الصعب على الفرد أن يستحم مثلًا، ناهيك عن أمور أكبر وأشق مثل الدراسة أو الذهاب للعمل.

اقرأ أيضًا: هل حالتك المزاجية بخير؟ إليك كتب تساعدك على تجاوز الاكتئاب الموسمي

جولة سريعة في الأفكار الاكتئابية

سبق وأوضحنا وصفًا مقربًّا لما يشعر به المريض، وعلى مستوى الأفكار لا يقل الأمر جنونًا وألمًا. مبدئيًّا وبسبب نقص الهرمونات المحفزة على “الإيجابية” تتمحور الأفكار في هذا الوقت حول عدة أمور مثل؛ “ماذا أنا” يبدأ المخ بمحاصرة الفرد بأسئلة حول ماهيته، فائدته في الحياة، ماذا يقدم لنفسه أو لأي شخص. وكذلك “ما الفائدة من كل هذا” مع كل هذا الألم يتساءل عن المغزى الذي من أجله يتحمل كل هذا، وفي الأغلب تكون أجوبة المخ على مثل تلك الأسئلة ليست في الصالح العام بالتأكيد، وتؤدي تلك الأجوبة إلى مزيد من الأسى والمعاناة.

وبما أن الأفكار هي بداية طريق المشاعر، وبناءً على كل ما سبق، يلازم المريض مشاعر قوية من الذنب، والطريف المبكي أنه يشعر بالذنب لكونه مريضًا! كذلك شعور عام بالحزن بالطبع، غضب شديد وانهيارات عصبية بلا أسباب واضحة وأخيرًا فقدان الأمل من أي تحسن أو وجود أي خلاص من هذا إلا الانتحار.

اقرأ أيضًا: كتاب قلق السعي إلى المكانة: بين بريق النجاح وظلام القلق والاكتئاب

أرجوك لا تقل هذه الأمور لأي مكتئب

في الأغلب، وبسبب الطبيعة البشرية يميل الناس بدافع الخير في أغلب الأوقات إلى مساعدة المحيطين بهم، فإذا شعر أحدهم أن شخصًا مقربًّا يعاني من الاكتئاب يحاول دائمًا تهوين الأمر عليه. تكمن المشكلة دائما في الطريق التي يختارها الفرد وجهله بما سـتتسببه. فمثلًا:

“لا تنخرط في الحزن، اخرج وحاول اسعاد نفسك”

في الواقع أن الجمل من هذا النوع تزيد الأمر سوءًا، وتزيد من إحساس الذنب لدى المريض. وكأنك تقول له أنت من تفعل كل ذلك العذاب في نفسك وهو في الواقع أسير لمجموعة من الهرمونات تجعل أبسط المهام شاقة للغاية، كما أنه من- ومهما كان يعشق الألم ويتلذذ به- سيضع نفسه في هذا الجحيم عن عمد؟

“قرب من ربنا وصلي”

مفاجأة غير سارة لمحبي هذا القول، أغلب محاولات الانتحار يسبقها صلاة مباشرة! لماذا تفترض أن الشخص بعيد عن ربه في الأساس. فبغض النظر عن الضرر الديني من جملة كهذه، لأنه إذا تقرب المريض من ربنا ولم يشفَ هذا بالتأكيد سيزعزع إيمانه، فهي كذلك تزيد من إحساس الفرد بالذنب تجاه نفسه لأنه بالتأكيد مقصر في عبادته بشكل ما مما أدى إلى مرضه، وهذا غير حقيقي بالمرة.

عوضًا عن ذلك حاول استخدام جمل مثل “أنا أفهم ما تمر به جيدًا”ـ “انا بجوارك إذا شعرت بالرغبه في الحديث أو البكاء” وكذلك “هل تريد الذهاب للطبيب، أستطيع مساعدتك في ذلك” حاول بأي شكل أن تكون لطيف ولا تصدر أحكامًا لأنك في النهاية لا تشعر- مهما حاولت- بربع مقدار الألم النفسي والجسدي الذي يختبره المريض.

0

شاركنا رأيك حول "كلب الاكتئاب الأسود: ان كنت لا تراه لا يعني هذا أنه غير موجود، تغيراتك المزاجية والجسمية تكشفه"