زخة شهب البرشاويات
0

تعتبر زخة شهب البرشاويات واحدةً من الأحداث الفلكية الأهم التي ينتظرها محبو الرصد الفلكي كل عام. وتمتد هذه الزخة من منتصف شهر تموز/ يوليو وحتى أواخر شهر آب/ أغسطس من كل عام. وسنقدم في هذا المقال كل ما تحتاج معرفته عن شهب البرشاويات والخطوات العملية التي ستساعدك على الاستمتاع برصدها.

اقرأ أيضًا: عندما يكون رصد السماء أكثر من مجرد هواية.. استعد لعطلة الصيف بألوان علم الفلك هذا العام!

ما هي شهب البرشاويات

الشهب ليس إلا حطامًا من الصخور والغبار الذي يسبح في الفضاء طليقًا حرًا، فيصادف أن يقترب من الأرض أثناء دورانها حول الشمس، فتلتقطه بجاذبيتها فيدخل غلافها الجوي متوهجًا وتاركًا أثرًا منيرًا في السماء يمكن رؤيته بالعين المجردة في الكثير من الأحيان.

وعلى الرغم من أن هذه الأجرام التي تخترق السماء تسمَّى أحيانًا النجوم الواقعة أو الساقطة إلا أنها ليست نجومًا على الإطلاق. ويأتي هذا الحطام من بقايا النيازك أو تصادمات الكويكبات مع بعضها أو غيرها من الأجرام. ويمكن للشهب أن تكون صغيرةً جدًا بحجم ذرة غبار أو أن يصل حجمها إلى حوالي المتر قطرًا.

وشهب البرشاويات هي بقايا مذنب سويفت تتل Swift–Tuttle الذي يحمل اسمي مكتشفَيه، فقد اكتشفه الفلكي لويس سويفت Lewis Swift في السادس عشر من تموز/ يوليو من العام 1862، ليكتشفه أيضًا الفلكي هوريس بارنيل تتل Horace Parnell Tuttle بعده بثلاثة أيام دون أن يعلم أن غيره قد سبقه إلى ذلك. ولأن الاكتشاف حدث من الاثنين دون أن يعرف أحدهما بالآخر حمل المذنب اسميهما كليهما.

لويس سويفت وهوريس تتل
لويس سويفت وهوريس تتل

ويعتبر هذا المذنب من المذنبات التي تدور حول الشمس في مداراتٍ طويلةٍ، ويحتاج المذنب إلى 133 سنةٍ حتى يُتِم دورته. ولهذا كانت آخر زيارةٍ له للأرض في العام 1995. ويذكرنا هذا المذنب بشقيقه الأشهر بين المذنبات طويلة المدار مذنب هالي الذي يعود كل 76 سنةٍ ليمر قريبًا من الأرض.

يتقاطع مدار الأرض مع مسار النيزك في الفترة الممتدة من منتصف تموز / يوليو وحتى أواخر آب/ أغسطس حيث تبدأ الشهب بالهطول على الأرض، حيث تمر الأرض في منطقةٍ تكثر فيها مخلفات النيزك، وتبلغ الذروة في الأيام الثلاثة من 11 وحتى 13 من شهر آب/ أغسطس، وتختلف ساعة الذروة قليلًا بين سنةٍ وأخرى.

حامل رأس الغول والبرشاويات

يخيل للراصد أن شهب البرشاويات ترِد من نقطةٍ محددةٍ في السماء. وتقع هذه النقطة ضمن كوكبة حامل رأس الغول المسَّمى باللغة اللاتينية بيرسيوس Perseus ومنها أُخذ الاسم البرشاويات Perseids. وحامل رأس الغول أو بيرسيوس هو بحسب الأساطير اليونانية البطل الذي قضى على الكائن المريع ميدوزا. وميدوزا هي إحدى ثلاث شقيقات حلت عليها لعنة الآلهة فنبت في رؤوسهن أفاعي بدل الشعر، كما أنهن يحولن كل من ينظر إليهن إلى حجر.

البرشاويات

واستطاع بيرسيوس القضاء عليها وقطع رأسها والعودة سالمًا. وفي طريق عودته يصادف امرأةً مربوطةً بسلاسل إلى جرفٍ صخري. كانت هذه المرأة أميرةً إثيوبية واسمها أندروميدا فقد كانت بمثابة قربانٍ مقدمٍ إلى إله البحر بوسيدون. لكن بيرسيوس يخلصها من القيود ويتزوجها ويعود بها إلى مدينته. وكوكبة المرأة المسلسلة أو أندروميدا المجاورة لكوكبة رأس الغول ليست سوى مجرة هي المجرة الأقرب لمجرة درب التبانة التي يتجول في أرجاءها نظامنا الشمسي.

اقرأ أيضًا: علم الفلك للأطفال: 5 طرق تنمي بها شغف طفلك بالفضاء

كوكبة حامل رأس الغول

الكوكبة أو بالإنجليزية Constellation ليست إلا تجمعًا لعددٍ من الأجرام السماوية المُشاهدَة بالعين المجردة. نظر الإنسان منذ القديم إلى هذه التجمعات وتخليها على أنها شخصياتٌ أسطورية تقطن السماء أو هي كائناتٌ حية نسج حولها الأساطير والقصص.

كان يُعتقد قديمًا أن هذه الأجرام نجومٌ تتلألأ في السماء. لكن تطور علم الفلك وتحسين جودة الصور التي يمكن التقاطها للأجرام السماوية كشف أن الكوكبة لا تتألف من نجومٍ فحسب، بل من مجراتٍ وسدمٍ نجمية. وفي عصرنا الراهن بتنا نعرف أن كوكبة حامل رأس الغول تتكون من آلاف المجرات التي تبعد 240 ألف سنةٍ ضوئيةٍ عن الأرض وتمتد على مدى 11 سنة ضوئية. وفوق كل هذا تحوي الكوكبة كمياتٍ هائلةً من الغاز الحار الذي تبلغ حرارته ملايين الدرجات. وتشكل كوكبة حامل رأس الغول منطقةً خصبةً للدراسة ويوجه العلماء مقاريبهم إليها بشكلٍ متكرر، فيكتشفون الجديد من المظاهر والظواهر. وإذا أردت الاستزادة عن الكوكبات يمكنك مراجعة مقال ما هي الكوكبة النجمية.

من الاكتشافات الحديثة التي كانت قبل بضعة سنوات (في العام 2017) اكتشاف أمواجٍ ذات طبيعةٍ معينةٍ يسميها الفيزيائيون أمواج كلفن – هلمهولتز Kelvin-Helmholtz التي تُشاهد في حالة جرَيَان مائعين مختلفين فوق بعضهما البعض. وتبين للعلماء أن الأمواج نتجت عن عنقودٍ مجرِّي صغير عَبَر في جوار عنقود حامل رأس الغول وقد دامت هذه الأمواج لمدة 2.5 مليار سنة. كذلك تمكن المقراب الفضائي هابل في الشهر الماضي (تموز/ يوليو 2021) من اكتشاف مجرتين جديدتين ضمن عنقود بيرسيوس.

ألوان الشهب

تخترق الشهب الغلاف الجوي للأرض بسرعاتٍ كبيرة، فقبيل دخولها الغلاف الجوي تصل سرعتها إلى حوالي 70 كيلومتراً في الثانية. ينجم عن هذه السرعات الكبيرة احتكاك شديد مع جزيئات الغلاف الجوي ما يتسبب بتسخين كلٍ من الشهاب ومكونات الغلاف الجوي التي تعترض طريقه.

تتلون الشهب بعدة ألوان بحسب مكوناتها، فالشهب تحوي معادن مختلفة من كالسيوم ومغنيسيوم وصوديوم وحديد، إضافةً لمواد أخرى مثل الأوكسجين والنتروجين. كما أن تسخين مكونات الغلاف الجوي في مسار الشهاب يجعل إلكترونات ذراتها تنتقل إلى مداراتٍ أعلى، وبعد فترة وجيزة تخسر هذه الذرات الطاقة التي اكتسبتها من تسخين الشهاب، فتعود الإلكترونات إلى مداراتها الأصلية مصدرةً الطاقة التي امتصتها على شكل ضوءٍ مرئي يختلف لونه بحسب الفرق بين سويتي الطاقة اللتين انتقل الإلكترون بينهما.

رصد شهب البرشاويات

لا يحتاج رصد البرشاويات والتعرض لوابلها سوى الخروج إلى مكانٍ معتم وبعيد عن مصادر التلوث الضوئي التي تُغرق مدننا الحديثة. ويمكنك الاستعانة ببعض المواقع أو التطبيقات التي تحدد لك مقدار التلوث الضوئي. من هذه المواقع خريطة التلوث الضوئي.

ولا يشترط لرصد الشهب أن يكون معك أجهزة رصد أو تصوير، بل يكفي ما تملكه من بصر وصبر. إذ يمكن في ذروة الزخة أن يصل عدد الشهب التي يحصيها الراصد إلى أكثر من 60 شهابًا في الساعة. لكن! الأمر يعتمد برمته على مقدار العتمة في المكان الذي ترصد منه. لأن الشهب لا تكون جميعها بدرجة اللمعان نفسها، بعضها خافت وبعضها أكثر لمعانًا. فإذا كان المكان الذي ترصد منه لا يسمح لك برؤية الخافت من الشهب سينخفض عدد الشهب التي تراها إلى بضعة شهب وحسب.

بكل الأحوال عليك التحلي بالصبر. اختر مكانًا مناسبًا للرصد: أي معتمًا ومفتوحًا لا تعيق الرؤية فيه جبالٌ أو مبانٍ عالية، واتخذ ركنًا مريحًا على كرسي الرحلات الذي اصطحبته معك أو افترش البساط واستلقِ مُجيلًا عينيك في السماء، ولتكن متجهًا في نظرك إلى الشمال الشرقي. ويمكنك بدء جلسة الرصد هذه السنة (أي سنة 2021) من الساعة 10 تقريبًا وحتى الساعة 1:00 (أو 7:00 مساءً وحتى 10:00 ليلًا بتوقيت غرينتش) بعد منتصف الليل حيث ستكون الذروة في هذا الوقت.

ولا تنسَ مشاركة الصور التي ستلتقطها للشهب.

اقرأ أيضًا: أسئلة مثيرة قد تدور بذهنك عن الفضاء وعلم الفلك مع إجاباتها

0

شاركنا رأيك حول "رأس الغول الذي يمطرنا شهبًا: زخة شهب البرشاويات وطريقة رصدها"