تأجير الأرحام
0

في عام 1985 كان السيد وليام ستيرن وزوجته لديهما مشكلة في الإنجاب، فقد كان لدى زوجته بعض المشاكل في الرحم. ومع رغبة كليهما في الإنجاب قرر السيد ستيرن البحث عن امرأة أخرى تقوم بالتبرع ببويضة وتحمل الطفل بدلاً من زوجته فيما يسمي اليوم بعمليات تأجير الأرحام. بعد البحث وجد ستيرن السيدة ماري وايتهيد لتقوم بتلك المهمة، وتم الاتفاق على ذلك بالفعل وأُبرم عقد بين كلاً من السيد ستيرن والسيدة ماري وكان العقد ممثلاً في تلك الشروط:

  1. ستقوم ماري بالتبرع بالبويضة وحمل الطفل أثناء فترة الحمل.
  2. يتم التلقيح الصناعي من الحيوانات المنوية للسيد ستيرن وبويضة ماري.
  3. سيقوم السيد ستيرن بدفع 10000 دولار للسيدة ماري عندما تقوم بالاستغناء عن الطفل، بالإضافة إلى 7500 دولار للقيام بعملية الحقن في معمل التلقيح الصناعي.

شرط أساسي: أن تقوم ماري بالاستغناء عن الطفل بعد فترة الحمل حتى تتمكن زوجة السيد ستيرن من تبنيه؛ وبذلك يصبح لدى السيد والسيدة ستيرن طفلاً.

اما أطراف العقد فكانوا ثلاثة: السيد ستيرن، والسيدة ماري وزوجها الذي سوف يقوم هو أيضاً بالاستغناء عن الطفل كأب.

بعد الولادة تنازلت ماري عن الطفل، ولكن بعد مرور أيام قليلة اتصلت بستيرن وأخبرته بأنها تريد رؤية الطفل وغير قادرة على تحمل ذلك، وسوف تعيده له على الفور. وافق السيد ستيرن وأرسل لها الطفل. ولكن كانت المفاجأة، لم تستطع السيدة ماري أن تقوم بإرجاع الطفل مرة أخرى وهربت ماري ومعها الطفل، وحدثت مطاردات بينهما استمرت لمدة أربعة أشهر لاسترجاع الطفل. حتى حكمت المحكمة في النهاية بحضانة الطفل للسيد ستيرن. §

اقرأ أيضًا: أمراض لو رآها أبقراط لتعجّب: الجانب الأسود من حياتنا العصرية

نظرة عامة حول عمليات تأجير الأرحام

تلك كانت بإيجاز أول عملية تأجير أرحام مسجلة أثارت جدلاً واسعاً في المحاكم الأمريكية، ولكن الغرض من هذا المقال ليس تقديم قصة الطفلة ميلسا وتحليلها واستنتاج ما حدث لضوابط تلك العمليات في تلك الفترة.

حيث أن العمليات التي تحدث اليوم بالطريقة التي تم ذكرها في القصة Traditional surrogacy ليست كثيرة، بل الأمر أصبح يتم من خلال تلقيح خارجي لبويضة من الأم وحيوانات منوية من الأب، ثم يتم زرع الجنين في رحم الأم البديلة – surrogate ما يعرف بـ Gestational surrogacy، وعلى الرغم من صعوبة الأمر والمشاكل التي تواجهه، إلّا أن الميزة التي يفضلها البعض أن الجنين سيكون من نفس جينات الأم والأب، ذلك الذي يفتقده النوع التقليدي من تلك العمليات.

يعتبر البعض بأن تأجير الأرحام لا يشكل خطراً واضحاً، فهو مثل التبني ولكن التبني- رغم تحريمه في بعض الدول- لا يخضع لنفس العوامل التي تخضع لها تلك العمليات. فعمليات تأجير الأرحام يتشارك فيها العديد من الأطراف (الزوجان، الأم البديلة، الوسطاء الذين يشرفون على تلك العملية) بالإضافة للأموال الطائلة التي يتم دفعها من البداية حتى النهاية.

فالعملية تتم من خلال ذهاب الزوجين إلى أحد الوسطاء أو الشركات للمطالبة بإنجاب طفل، فتقوم الشركة أو الوسطاء بترشيح بعض الأمهات اللواتي يمكنهن حمل الطفل، والتكلفة المتوقعة الكاملة التي عادة ما تتجاوز 100,000$.

وعند الدفع تبدأ العملية بتجهيز الأم البديلة والأم الأصلية أيضاً حسب نوع العملية. ولكن تلك العملية مرهقة إلى حدٍ كبير ففيها ينبغي معرفة كل شيء حول الأم البديلة (السن، التعليم، الوضع الاجتماعي، الحياة العاطفية ، درجات الدراسة، الديانة، المهارات، المهنة) كل شيء تقريباً، حتى يمكن للزوجين اختيار أفضل من تحمل طفلهما، وبالطبع بلغة الاقتصاد إمكانيات أعلى لدى الأم البديلة يقابلها تكاليف أكثر لتلائم مستوى الحالة.

وبعد الموافقة من الزوجين تبدأ إجراءات الفحوصات على رحم الأم وتهيئة المبيض، وفي بعض الحالات قد تفشل في مرحلة الأعداد الأولى وتدخل في حالة تسمى hyperstimulation تلك الحالة التي تنتج بسببه زيادة جرعة الهرمونات التي تأخذها الأم أثناء فترة تحفيز المبيض لإنتاج البويضات؛ تؤدي لمشاكل كبيرة في المبيض والكِلية والتنفس وقليلاً ما تؤدي للوفاة.

ملحوظة: لا يتم استخراج بويضة واحدة من مبيض الأم في حالة Gestational surrogacy بل يتم استخراج أكثر من بويضة، على الأقل 5 بويضات، لضمان إنتاج جنين مناسب يستطيع تكملة الدورة في رحم الأم.

تأجير الأرحام

من هنا دعني أعيد لذهنك قصة الطفلة ميلسا- اسمها الآن- ووضع بعض الخطوط العريضة التي تفرضها تلك القصة علينا. في الحقيقة ليست تلك القصة وحدها بل المنظومة ككل تأخذنا لنقاش يحتاج لكتابٍ كامل وليس مقال، ولكن سأحاول قدر الإمكان التركيز على نقطتين يختص بهما عنوان المقال.

سلعة تخضع لسوق كبير وأطراف يصنعون الفارق

في البداية ما هو التعريف البسيط للسوق؟ السوق مكان لعرض خدمات أو سلع من أشخاص وآخرون يشترونها مع قانون العرض والطلب.

حسناً هل يمكن اعتبار الأم البديلة هي شخص يقوم بعمل ما ويتقاضى أجراً مقابل عمله؟ نظرياً نعم، ولكن على أرض الواقع لا…فالنتائج بالطبع مختلفة، في السوق انت تشتري سلعة أو خدمة ما، بل يمكنك تناولها مع أشخاص آخرين حتى وإن كانت السلعة غير جيدة يمكنك الاستغناء عنها أو حتى استبدالها وأخذ النقود. ولكن نتاج هذا العمل هو طفل! بل حياة بأكملها لطفل، كيف يمكن أن تخضع لقوانين السلع الأخرى أو الخدمات؟!

حسناً في الواقع الأمر موجود بالفعل، وأصبحت هناك شركات وتجارة قائمة تتلاعب بتلك السلعة وتجني أرباحاً طائلة اعتمادًا على معاناة الأزواج المصابين بالعقم أو الذين يرغبون في الإنجاب.

بل ويتسابق عليها الأماكن المختصة بتقنيات الحقن المجهري، لزيادة نسبة تلك العمليات وإنتاجية الأطفال من خلال زرع أعداد أكبر من الأجنة برحم الأم فنسبة نجاح تلك العمليات- والتي يطلع عليها الزوجان- في أماكن الحقن المجهري أمر ضروري لجذب المزيد من العملاء، وزيادة سعر تكلفة العملية مع الوقت، فلا يمكن أن تقارن مكان ينتج 20 طفلاً سنوياً بمكان ينتج 10 أطفال فقط فمن أكثرهم ثقة في نجاح العملية وضمان الأموال معه؟

استغلال مع خلق فجوة أسرية

القضية التي يمكن أن نضمها ضمن الخطوط العريضة الأولية في هذا الموضوع هو الاستغلال، سواء كان استغلال الزوجين من قبل المؤسسات لعجزهما عن الإنجاب أو استغلال الأم البديلة التي ستحمل الطفل. فمن أكثر الدول التي يمكن رصد ظاهرة استغلال الأم البديلة فيها هي الهند.

الهند هي واحدة من أهم الدول التي تزدهر فيها عمليات تأجير الأرحام حيث التكلفة التي يدفعها الزوجان تعادل ثلث التكلفة التي يدفعها الزوجان في الولايات المتحدة. انعكس هذا على السوق وتوافد الكثير من الإناث الراغبين في دخول تلك العملية.

تأجير الأرحام

في كتاب (A Transitional feminist view of surrogacy Biomarkets in india) للدكتورة شيلا سارفانان – Sheela Saravanan تُبرز العوامل التي جعلت من النساء في الهند يتوافدن نحو تلك التجارة، حيث العديد من الحالات يعانين من الفقر الشديد مع قلة فرص التعليم والتوظيف، ذلك الذي خلق حالة من الضعف لدى هؤلاء جعلتهن تحت رحمة أموال تلك العمليات واستغلال المؤسسات (غير القانوني) لهن لزرع عدد أكبر من الأجنة، والذي ينعكس مستقبلاً على هؤلاء من مشاكل صحية ونفسية في منتهى الخطورة.

في الواقع أغلب الأشخاص الذين يعتقدون بأن تأجير الأرحام أمر عادل، لا يضعون في الحسبان بعض الأمور الأخرى التي تأتي نتيجة لذلك الأمر كالاستغلال، والتهديد الذي من الممكن أن تخضع له أي أم تقوم بحمل الطفل، وانتهاك حقوق الطفل، ففي بعض الحالات التي يولد فيها الطفل خارج دولة الأبوين لا يستطيع الطفل المولود الحصول على جنسية الدولة.

ذلك النظام لا توجد به أي شفافية والمحرك الأساسي لتلك العمليات هو الأموال فقط، بل وبعض الوكالات المختصة في ذلك الأمر قد تنتهك قوانين الدول كما يحدث في الهند، رغم إتاحة الأمر بشكلٍ قانوني ولكن في حدود تشريعات معينه يتم انتهاكها من قبل تلك الوكالات.

حسناً، الجزء الأهم في تلك النقطة هو الأسرة والأبوان. هل من الممكن أن تخلق تلك العمليات شكل أسر جديدة في المستقبل؟

في الحقيقة لا يمكن رؤية ذلك الأمر بشكل كلي، ولكن جزئياً مع كل تلك المقدمات من وجود أم تحمل الطفل وأم ترضعه ثم تتولى رعايته، قد تساهم في خلق فجوة أولية بين الطفل والأبوين. فمفهوم الأمومة الذي نعرفه الآن ينهار في تلك الحالات، فكيف من الممكن لشخص أن يشعر بأن لديه أم قد حملته وأخرى قد تولت رعايته فيما بعد، هل سيكون شعوراً جيداً؟! (الأمر لا يمت للتبني بصلة) ترى ما العواقب التي تنتظر ذاك الطفل؟

في النهاية، لا يمكن اعتبار أن عمليات تأجير الأرحام تساهم في علاج مشكلة العقم لدى السيدات، ولكنها تساهم في خلق فجوات ومشاكل متعددة أخرى تسير بالتوازي مع تلك العمليات كبيع الأجنة وبيع البويضات والحيوانات المنوية لدى بنوك الأمشاج وغيرها في ذلك السوق.

بالطبع لم نتحدث عن الموضوع بشكلٍ كامل ولكن تلك رؤية أولية مبسطة حول الموضوع، فبداخل كل سطر في هذا المقال يمكن أن نستفيض في الحديث عن تلك العمليات والعواقب الوخيمة التي قد تسببها ربما نتحدث عنها فيما بعد.

اقرأ أيضًا: أطفال سلبتهم الحياة طفولتهم وحشرتهم خلف قضبان ورشات العمل

0

شاركنا رأيك حول "عمليات تأجير الأرحام: هل هي حل لمشكلة أم إعادة طرحٍ لسلعٍ جديدة؟"